في شهر سبتمبر من سنة 1993م, كتبت احدى المجلات تقول: (السلام الذي كان مستحيلا يبدو انه قد بدأ يحل الآن), ومن مفاوضات ساريسبرج الى اوسلو الى الجناح 117 ــ 118 في فندق بريستول الواقع في شارع (سانت هونوري), الراقي الذي يمثل قلب باريس, الى كامب ديفيد الثانية كان هناك شبه اجماع سياسي على ان الامور تتجه نحو تسوية نهائية, ذلك لأن المسئولين الفلسطينيين والاسرائيليين كانوا يلتقون في لقاءات السلام تحت راية الامل وصورة الحمامة التي تظهرها بعض الجرائد عبر الكاريكاتور منتوفة الريش او باكية, لكن الجمعة التي سمتها اوساط عربية واسلامية (جمعة تطهير الاقصى) من آثار ارجل شارون وسمتها جريدة (لومانيتي) الفرنسية الصادرة في صبيحة الخميس 2 اكتوبر 2000م (بالجمعة السوداء) هذه الجمعة قلبت الموازين فايهود باراك الذي حافظ طويلا على ابتسامات الصور التذكارية وصفته جريدة (لومانيتي) الفرنسية بقولها: (كان باراك يتعامل في لقاء باريس الآخير بالطريقة نفسها التي كان يمارسها جنوده في فلسطين ضد العرب) ــ لكن الانتفاضة لم تحمل باراك فقط على ان يحزم حقائبه نحو باريس, بل لقد استطاعت ايضا ان تهيء لعقد قمة عربية وهو الامر الذي تضاربت حول وجهته الآراء, وصار السؤال الملح هو: هل تمثل قمة الانتفاضة نقطة تحول حقيقي في تاريخ الوطن العربي من شأنها ان تهيىء لاعادة تعزيز التضامن العربي ودعم وحدة الموقف؟ ان الاجابة عن هذا السؤال تبدو مسألة عالقة بين معطيات متناقضة, فإرجاع العنصر المنفرد الى المسار العام يؤكد ان هذه القمة لن تستطيع تغيير مسار التعامل العربي مع اسرائيل والذي عملت على بلورته معطيات عدة سياسية واقتصادية وامنية وقطرية وعربية وعالمية وقد كانت عقود تجريب الخيارات الممكنة جزءا من بلورة الموقف العربي تجاه اسرائيل, لذلك لا يمكن لقمة ولدت نتيجة لظرف معين ان تغير هذا المسار العام الذي يحتكم الى معطيات كبرى وشبه ثابتة ومنها معطى وجوب التعايش مع اسرائيل, لذلك فإن الذي سيناقش في القمة كهدف تؤدي اليه كل التشنجات والتدخلات الغاضبة, والاستهجانات لفعلة شارون, والشجب والتنديد هو السلام, لذلك فإن العلاقة بين القمة والانتفاضة علاقة ذات اوجه, وهو ما يعطي السياسة مرونة في تجاوز الشارع احيانا. الامتصاص للغضب ام التفويض ام المساندة؟ ان هذا هو السؤال الذي يمكن من خلال طرحه معرفة توجهات بوصلة القمة العربية, وفق جدول اعمالها المعلن وهدفها المضمر الذي يفرضه الواقع على الجميع اقصد واقع الصراع العربي الاسرائيلي وكذلك الواقع العالمي. ان البعض يرى ان الانتفاضة (حركة مصنوعة) المقصود منها: 1ــ افراغ الشارع العربي من شحنته ضد اسرائيل, وضد المفاوض الفلسطيني. 2ــ الوصول بالشارع الرافض لبعض (التسويات) المشبوهة الى قناعة (وجوب التسليم) امام القوة الاسرائيلية التي لا يمكن للعرب ان يواجهوها الا بالدم والصدر المكشوف.. وآنذاك فلابد من سلام. 3ــ جس نبض الشارع الفلسطيني والعربي لمعرفة الموقف الذي يجب ان يلتزم والخطوط التي يجب ان تحترم في أي تفاوض حول القدس. ان هذا يدفعنا الى التساؤل: هل سيكون الشعب الثائر المنتفض موجودا داخل قاعة الاجتماع, أقصد اجتماع القمة, أم أنه سيكون غائبا.. ان المسألة هنا مسألة تمثيل او مسألة (التفاف) ان من المنتظر ان تنتهي الانتفاضة قبل موعد انعقاد القمة وآنذاك تجد القمة نفسها في اطار هامش واسع وصريح حتى للاكتفاء بمجرد التنديد والشجب, بعكس لو انها انعقدت في أجواء الانتفاضة لذلك يرى الكثير من المراقبين ان الحاضر الاساسي في القمة لن يكون الشعب الثائر, بل القائد الفلسطيني (ياسر عرفات) وآنذاك فستكون الاولوية للتفكير في سلام للمستقبل, لا لتقييم انتفاضة ماضية. ان امتصاص القمة للغضب الشعبي سيكرس الهوة السحيقة بين الارادة الرسمية والارادة الشعبية, كما انه سيولد احباطا رهيبا لدى القوى الشعبية, والتنظيمية المؤمنة بالحل العنيف, حل المواجهة. غير ان الحديث المبكر عن عدم تكافؤ ميزان القوة العسكرية بين العرب واسرائيل قد بدأ يمهد لما يمكن ان يكون نتيجة نهائية للقمة المرتقبة, وهو الاكتفاء بالتنديد. لصالح من؟ يرى بعض المحللين ان الانتفاضة قد استطاعت ان تقلب الكثير من المعادلات لصالح الموقف العربي, فالمفاوض العربي مثلا سيجد نفسه مدعوما بخلفية معنوية كبيرة ضد مساومات العدو, وهو ما يحد من عملية التنازلات في القضايا النهائية: القدس, اللاجئين, المياه, الاستيطان والحدود. وسيكون الزخم الشعبي حاضرا في قاعات كل الاجتماعات التي ستتم بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي, غير ان محللين آخرين يرون ان المستفيد الحقيقي هو اسرائيل ويؤكد هؤلاء ان زيارة شارون الى الاقصى كانت مدبرة ولم تتم حسب ما يقول البعض دون علم مسبق من باراك, والأمر يرجعنا الى سنة 1967 حين رفع بعض الجنود الاسرائيليين العلم الاسرائيلي فوق بيت المقدس, ولما علم موشي دايان (وزير الدفاع آنذاك) بالأمر امر انزال العلم باعتبار ذلك استفزازا قد يفجر الشارع الفلسطيني, اما باراك فلم يكن فقط على دراية بالزيارة, بل كان احد مدبريها لاستفزاز الفلسطينيين ثم تحريك عملية السلام لصالحه مع كل الاطراف بعد تأزيم الامور والتهديد باستعمال القوة, ومن ثم وضع الفورة العربية امام محك القوة العسكرية الاسرائيلية وهو ما سيدعو الاطراف العربية الى الاجتماع لدعم خيار السلام, وتفويض ياسر عرفات تفويضا يقوي موقفه في أي تنازل قد يقوم به. القمة هل هي نقطة التحول؟ في السابع عشر من يونيو 1950 أبرمت الدول العربية معاهدة الدفاع المشترك, والتعاون الامني المصيري, وبعد مرور خمسين سنة من ذلك التاريخ ما زال السؤال المطروح هو: هل تم استثناء قضية مواجهة اسرائيل من هذه المعاهدة؟ ان الحديث عن انعقاد قمة في غياب تعدد الممكنات يجعلنا نتنبأ بما سوف تتمخص عنه هذه القمة. لقد قال معمر القذافي القائد الليبي: ان الهدف من القمة هو القضاء على الانتفاضة بينما ذهبت أطراف اخرى الى ان المطلوب اجتماع قادة الاركان العرب لا وزراء الخارجية, لأن الظرف يتطلب مواجهة عسكرية, لا لوائح شجب واستنكار وأيا ما كان الامر فإن الذي يهمنا الآن ليس هو ان يتفق (العرب) على رأي موحد في قمتهم هذه, بل هو على ماذا سيتفقون؟ ان الاتفاق مثلا على المطالبة بمحاكمة أرييل شارون كمجرم حرب, او الاجماع على ادانة زيارته (الشرارة) لن يقدم ولن يؤخر وسيجعل انعقاد القمة كعدمه لكونه تحصيل حاصل. وفي غياب الخيار العسكري, يكون الممكن ممتدا بين الضغط السياسي بدءا بسحب التمثيل الدبلوماسي مع اسرائيل والضغط الاقتصادي الذي لا يعني الا دولا معينة تماما كما هو الامر بالنسبة للتمثيل الدبلوماسي وآنذاك ينعقد الاجماع على مقاطعة عربية لاسرائيل وهي المقاطعة التي تعني تجميد عملية السلام, وتجميد السلام لا يخدم العديد من الاطراف العربية, كما ان الضغط الامريكي على القمة بدأ منذ الآن, وآنذاك فالحديث عن قمة تحول مسار الموقف العربي في صراعه المرير مع اسرائيل, وتضمن حدا مقبولا من التضامن والوحدة العربيين امر بعيد في واقع المعطيات المتداخلة التي تلقي بظلالها على القمة. وحركية التاريخ المحتكمة الى مسارات عامة تصنعها الظروف المزمنة لا اللحظية, الآنية, تكذب اي حركة تدّعي انها قد تشذ على التيار لتصنع بداية التاريخ الجديد في عالم تحكمه اعتبارات القوى العظمى بدءا. وتبقى كل الحوادث اللحظية تسير او تنتهي الى التيار العام (حركة التاريخ) وكل عصا تمتد لوقف حركة الدولاب او تغيير اتجاهه ستنكسر.. غير ان الرهانات ستبقى الى وقت طويل من الآن حول دور القوى الشعبية والمقاومة التي لا تؤمن سوى بالحق. بقلم: محمد جربوعة _ باحث وصحفي جزائري مقيم بدمشق