قبل الحديث عن القمة العربية المزمع عقدها في القاهرة في الحادي والعشرين والثاني والعشرين من اكتوبر الجاري والتي تعتبر خطوة عربية انتظرها الكثير ممن يراهنون على مثل هذه القمم, قبل الحديث عن هذه القمة ومحاولة التكهن بنتائجها المحتملة لابد لنا من التذكير ببعض الامور التي لابد من التوقف عندها اذا اردنا ان نطلق حكما موضوعيا في هذه القمة. وهذه الامور هي: اولا: ان هذه القمة جاءت تحت تأثير الموقف العربي الشعبي الضاغط الذي ولدته انتفاضة الاقصى, هذه الانتفاضة التي ألهبت وبشكل كبير المشاعر الوطنية والقومية في الشارع العربي وليست ناجمة عن رغبة الحكومات العربية, ذلك ان امورا خطيرة كثيرة مرت بالمنطقة كانت تستدعي عقد مثل هذه القمة ومنها على سبيل المثال لا الحصر عملية ثعلب الصحراء التي نفذتها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق قبل سنتين بقرار منفرد وبدون اي غطاء من مجلس الامن الدولي الذي استخدمته واشنطن اكثر من مرة لتبرير سياساتها العدوانية, ناهيك عن استمرار العدوان الصهيوني اليومي على المواطنين الفلسطينيين والاعتداءات العسكرية التي كان ينفذها العدو ضد لبنان وبنيته التحتية قبل ان تجبره ضربات المقاومة اللبنانية على الانسحاب من الاراضي اللبنانية. ثانيا: ان الاعلان عن هذه القمة جاء في وقت يمر فيه الكيان الصهيوني في ازمة حقيقية سواء نتيجة اندلاع انتفاضة الاقصى او بسبب العملية الجريئة التي نفذها مقاتلو حزب الله في مزارع شبعا المحتلة وأسرهم ثلاثة من جنود الاحتلال وهي عملية كشفت بشكل واضح حجم التواطؤ الغربي بشكل عام والامريكي خاصة مع الكيان الصهيوني ولايستثنى من هذا التواطؤ طبعا الامين العام للامم المتحدة الذي لم يهزه وجود مئات بل آلاف الاسرى العرب في سجون الاحتلال بقدر ما هزه اسر ثلاثة جنود صهاينة اسرهم حزب الله في اطار دفاعه المشروع عن حقه الوطني. ثالثا: ان بوادر الخلاف في وجهات النظر العربية بدأت تطفو على السطح حتى قبل انعقاد القمة عبر تصريحات عدد من القادة العرب والتي لاداعي لذكرها لانها كثيرة وسمعها كل متابع للاحداث في المنطقة. رابعا: ان توقيت زمن انعقاد القمة في الحادي والعشرين والثاني والعشرين من اكتوبر لايتناسب ابدا وحجم وخطورة الحدث الذي استدعى عقدها سواء أكان على الصعيد العربي أم الاسلامي. اذ كيف يمكن تسمية قمة بانها عاجلة او طارئة وهي تأتي بعد ثلاثة اسابيع من الاعتداء الصارخ الذي تعرض له المسجد الاقصى من قبل الصهاينة سواء عبر تدنيس الارهابي ارييل شارون لهذا المكان المقدس او عمليات القتل التي مارسها جيش الاحتلال الصهيوني في داخل الحرم القدسي الشريف وباقي مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة والتي توجها باعتداءاته على مقار السلطة الفلسطينية. خامسا: ان العرب يذهبون الى القمة رافعين كالعادة شعارا يقول بأن السلام خيارهم الاستراتيجي في وقت يمارس فيه العدو الصهيوني اقسى انواع الحروب ضدهم, ويمعن في قتل اي فرصة لتحقيق سلام حقيقي في المنطقة. سادسا: ان التجارب الكثيرة اثبتت ان القمم العربية لاتعدو كونها اجتماعات برتوكولية تنتهي عادة باصدار البيانات. زد على ذلك ان ضغط الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية لعقد قمة شرم الشيخ التي دعا اليها الرئيس الامريكي بيل كلينتون ماهي الا محاولة لاستباق اي قرارات قد تتخذها القمة العربية وهذا يعني ان نتائج القمة لن تكون بأفضل من سابقاتها خاصة وانها تأتي بعد قمة شرم الشيخ التي جاءت لاحتواء الموقف المتفجر في الاراضي الفلسطينية وهذا يعني ان سبب انعقاد القمة العربية يكون قد تلاشى في حال نجاح قمة شرم الشيخ فيما ترمي اليه. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو, لماذا وافقت السلطة الفلسطينية على عقد قمة شرم الشيخ او المشاركة في اعمالها؟ بالتأكيد ان للسلطة الفلسطينية مجموعة من المبررات اهمها صعوبة الاوضاع الفلسطينية حيث ان آلاف الجرحى الفلسطينيين لايزالون بحاجة للعناية كما ان الحصار الذي تعيشه المناطق الفلسطينية يشكل عاملا ضاغطا قويا عليها زد على ذلك ان مئات الالاف من العائلات الفلسطينية تتعرض لخطر حقيقي بسبب اغلاق الكيان الصهيوني لسبل العمل امام العمال الفلسطينيين في اراضي فلسطين المحتلة عام 1948 حيث يشكل دخل هؤلاء العمال مصدرا اساسيا لاقتصاد الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة زد على ذلك ان وجود ضغط امريكي ودولي على الكيان الصهيوني سواء في شرم الشيخ او اي محفل آخر ربما يعطي نتائج افضل من عقد قمة عربية تكون مناسبة لصياغة البيانات التي ينتهي بها المطاف الى النسيان بسبب الظروف العربية التي يعرفها الجميع وهي ظروف مع الاسف الشديد لاتدعو للتفاؤل ابدا. اخيرا يمكن القول ان تحديد موعد القمة العربية في الحادي والعشرين والثاني والعشرين من اكتوبر اي بعد اكثر من عشرين يوما على اندلاع انتفاضة الاقصى تذكرنا بالمثل القائل ان المكتوب يقرأ من عنوانه وان الهدف من اختيار موعد كهذا يقصد به افساح المجال امام تحركات سياسية يمكن من خلالها احتواء الغضب الفلسطيني خاصة والعربي بشكل عام من اجل اتخاذ قرارات عربية هادئة ترضي الاطراف الدولية الكبرى ولاسيما الولايات المتحدة وتمتص الغضب العربي الذي اشعلته انتفاضة الاقصى. بقلم نبيل سالم _ كاتب فلسطيني