من يستجمع كل تفاصيل الصورة للوضع العربي عشية انعقاد قمة انتفاضة الاقصى في القاهرة ويخلطها بأوراق اللعبة السياسية سيجد نفسه آمام مشهد رمادي عظيم الخطر شديد التعقيد وقاتم السواد لواقع مشلول ومسكون بالعجز. ويضاعف حدة الاوجاع ونزيف الدم الفلسطيني واتساع دائرة الاحباط والتشاؤم بطء المسئولين في الوطن العربي في حسم أمورهم والارتقاء الى مستوى تضحيات ابطال انتفاضة الحرم القدسي والى امال وتطلعات الجماهير العربية الغاضبة التي بحت حناجرها خلال الايام الماضية في مشهد غير مسبوق في تاريخ الامة مطالبة بعقد قمة عربية عاجلة لاتحتمل الانتظار او الفشل لمواجهة الخطر الصهيوني ووقف المجازر الوحشية التي يرتكبها النازيون الجدد بحق الشعب الفلسطيني الصامد منذ الثامن والعشرين من شهر سبتمبر الماضي وتقديم كافة وسائل الدعم المادي والمعنوي لنصرة الاقصى والذين يدافعون عن كرامة الامة وشرفها ومقدساتها في القدس الشريف. اضافة الى ذلك كشفت الايام القليلة الماضية ان كل المواقف الدولية حيال قضايانا المصيرية مواقف متناقضة فهناك قوى تقف بكل ثقلها السياسي والعسكري الى جانب العدو وتسانده في رفضه الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة عام 1967 في حين يقف الامريكيون بوضوح سافر الى جانب المحتل والغاصب ضد الضحية والمعتدى عليه لفرض سلام الامر الواقع على الفلسطينيين والعرب بذات الشروط الاسرائيلية التي تبعتها سلسلة لاءات صهيونية كبيرة فهناك (لا) للسيادة الفلسطينية والعربية والاسلامية على القدس والحرم الشريف.. (لا) للدولة الفلسطينية المستقلة.. (لا) تفكيك المستعمرات في الضفة الغربية وقطاع غزة (لا) لعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم.. (لا) للجلاء عن هضبة الجولان السورية بالكامل, ومع انزلاق المجتمع الاسرائيلي الى اليمين المتطرف والمعادي للعرب والفلسطينيين بالجملة وليس بالمفرق.. ووصلت اللاءات الصهيونية بعد فشل قمة كامب ديفيد 2 لتأخذ شكل الحرب الشاملة على الشعب الفلسطيني ليس في القدس ومدن الضفة الغربية وقطاع غزة وانما امتدت الهجمة الوحشية البربرية الى داخل الاراضي المحتلة عام 1948. وهو مؤشر واضح يؤكد ان الاسرائيليين من (الحمائم) و (الصقور) قد اعدوا العدة منذ اربع سنوات وتزيد لخوض حرب دامية مع الفلسطينيين ومن ثم مع العرب بدءا بلبنان وسوريا. وما شهده العالم امام كاميرات الدنيا من قتل الاطفال والشباب والرجال بوحشية لا حدود لها كما حدث مع مقتل الطفل محمد الدرة وهو في حضن والده, واستخدام الاسلحة المحرمة دوليا بالاضافة الى قصف مقار السلطة الفلسطينية والمكتب الرئاسي لياسر عرفات وكذا تدمير المنشآت المدنية ومبنى الاذاعة والتلفزيون الفلسطيني في رام الله بالصواريخ في اليوم الخامس عشر على بدء المواجهات الدامية وتصريحات الجنرال المتغطرس ايهود باراك بان ليس من شريك في السلام مع الجانب الفلسطيني, ودعوة سفاح صبرا وشاتيلا المسمى ارييل شارون الزعيم الليكودي والذئب العجوز لدخول حكومة ماتسمى (بالوحدة الوطنية) وتكليف نائب وزير الدفاع الاسرائيلي بوضع دراسة لترسيم الحدود مع السلطة الفلسطينية ــ من جانب واحد ــ غيرها من الممارسات الارهابية كلها مؤشرات جد خطيرة تفيد ان باراك بابتسامته الصفراء امام المصورين دفن عملية التسوية وأطلق عليها رصاصة الرحمة امام ممثلي الاتحاد الاوروبي وبريطانيا وروسيا والامين العام للامم المتحدة كوفي عنان باتجاه خلق واقع جديد على الارض تتشابك فيه المصالح الدولية. وكانت التصريحات الرسمية تبدو متفائلة مركزة على حشد طاقات الامة لانجاح لقاء الاقطاب في قمة الترقب والانتظار وحتى اليوم مضى 17يوما على دعوة الرئيس المصري حسني مبارك لعقد القمة الطارئة وانقضى نحو 52 شهرا على انعقاد آخر قمة عربية كانت ردا على التعنت الليكودي بقيادة بنيامين نتانياهو في يونيو 1996 وتسع سنوات على بدء مسيرة مدريد في اكتوبر 1991 وسبع سنوات وتزيد قليلا على توقيع اتفاقات اوسلو وهذه السنوات شهدت احداثا خطيرة بسبب التهرب الاسرائيلي من استحقاقات (عملية التسوية) وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية 242 و338 ولم تكتف حكومات تل ابيب المتعاقبة بذلك, وانما عملت على اجهاض كافة الاتفاقات المبرمة مع الجانب الفلسطيني في شرم الشيخ والخليل وواي ريفر وغيرها, فعلى سبيل المثال لا الحصر خلال سنوات اوسلو زادت بناء المستعمرات بشكل غير مسبوق وارتفع عدد القتلى من الجانب الفلسطيني بصورة اكثر خطرا من ذي قبل, ومع ذلك لم تستطع القيادات العربية عقد قمة لها!! هل تعقد هذه القيادات قمة موسعة او شاملة ثلاثية او خماسية طارئة او عاجلة, البدء بوحدة الصف والموقف والكلمة في المحافل الدولية, ام الاكتفاء بواحدية الاهداف والرؤية الوطنية لمجمل القضايا القومية, البدء بالمكاشفة والمصارحة قبل المصالحة أم ترتيب البيت من الداخل تقوية العلاقات الثنائية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية ام تحقيق التكامل العربي وقيام السوق المشتركة, اتخاذ طريق المقاومة او القوة لتحرير القدس والاراضي العربية المحتلة او التسليم بالمفاوضات تحت الاشراف الامريكي بسبب اختلال موازين القوة العسكرية لصالح الطرف الاسرائيلي رافض التسليم باستحقاقات السلام الشامل والعادل. لذا نتساءل لماذا لم تعقد القمة؟! الاسباب ايضا كثيرة منها امريكية كما تمت الاشارة وبعضها او معظمها تختزل في عبارة واحدة تقول: بأن اجتماع القمة يتطلب تنقية الاجواء والتحضير الجيد حتى لايتحول المؤتمر الى مناسبة احتفالية في حين ذهب البعض للتشكيك في جدوى انعقاد قمة تكتفي في بيان لا يتخذ قرارات حاسمة ترتقي الى مستوى التحديات والاخطار المحيطة بالامة. ودليل هؤلاء ان مقررات قمة 96 لم تنفذ وخاصة ما يتصل بوقف تطبيع العلاقات مع اسرائيل وفي هذا السياق ــ ايضا ــ يتضح لغير مراقب ومتابع في غير عاصمة عربية ان ما كان يحدث عقب كل دعوة لعقد قمة عربية كما حدث في 98 و99 عاد يتكرر اليوم مع عقد القمة المرتقبة ففي حين كانت الشعوب العربية تطالب بشكل يومي بسرعة عقد مؤتمر الحكام العرب كان الرد يأتي من خلال اتصالات ثنائية وثلاثية أو جولات مكوكية بين وزراء الشئون الخارجية او تعقد قمة رباعية لوضع اللمسات النهائية لما سيتم الاتفاق عليه, لكن مثل الاتصالات قوبلت بعدم ارتياح معظم الدول العربية وجماهيرها لان قضية خطيرة بحجم القدس واخرى تمس المستقبل الفلسطيني برمته وثالثة تتعلق بالامن القومي العربي ليس بحاجة الى قمم مصغرة بقدر ما تتطلب اجماعا عربيا كاملا وانتهاج خط واحد لمعالجة الازمات وبؤر التوتر, فضلا عن ان (انتفاضة الاقصى) عادت لتؤكد مجددا ان القضية الفلسطينية لاتزال تتصدر اولوية العمل القومي وان اي قرار بشأنها لايجب او هكذا لا تبغي ان يتخذ بشكل رباعي وانما باجماع قومي واضح المعالم وقابل للتنفيذ. كما أن القمة مطالبة بما هو اكثر من ذلك ولعل اهمها تلك التي عكستها مطالب الشارع العربي وأبطال المقاومة الفلسطينية ومختلف الفعاليات السياسية منها سحب الدبلوماسيين من السفراء العرب والممثلين في تل ابيب واغلاق المكاتب التجارية والسفارات الاسرائيلية في بعض العواصم العربية التي تتواجد فيها هيئات دبلوماسية وقطع اي علاقات كانت بالدولة العبرية والعودة لسلاح المقاطعة التجارية وتحريم التطبيع ومقاطعة البضائع الامريكية واستخدام سلاح النفط وتقديم الدعم المالي لصمود انتفاضة الاقصى ووضع حد للتدخل الامريكي في الشئون العربية, والمطالبة بتشكيل محكمة لمحاكمة جنرالات الحرب في اسرائيل والتأكيد على اهمية تشكيل لجنة دولية للتحقيق في الجرائم البشعة التي ارتكبها الاسرائيليون سواء اكانوا جنودا ام مستوطنين وفتح الحدود واعلان الجهاد لتحرير القدس. ومن المهم ايضا ان توجه القمة رسالة واضحة وصريحة للعالم وعلى وجه التحديد الولايات المتحدة تؤكد ماذا تعني قضية القدس بالنسبة للعرب والمسلمين والشعب الفلسطيني. ايضا يتطلب من القمة ان تخرج في اتفاق العرب على الحد الادنى من المطالب المشروعة التي تتمثل في قيام الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم والانسحاب الاسرائيلي غير المشروط من الاراضي العربية المحتلة حتى حدود 4 يونيو 1967 زد على ذلك القمة المطالبة باعادة القضية الفلسطينية او ما عرف بالصراع العربي الاسرائيلي الى مظلة الامم المتحدة وتوسيع دائرة الرعاية الدولية للمفاوضات بشكل مباشر. ومن المهم في هذه اللحظة غير العادية رسم استراتيجية عربية موحدة تعد العدة لمواجهة الخطط الصهيونية بطريقة تستخدم وسائل العصر ومنطقه اي خطة حقيقية توحد بين مواقف الامة وتطلعاتها وتوظيف هذا الخطة لقلب المخططات الاسرائيلية وافشالها والاستفادة من مجمل التناقضات الداخلية في (اسرائيل) وان موقفا كهذا لاشك وانه سيخلق مبررا لقلق الحكومة الامريكية نفسها على مصالحها في المنطقة وستعمل على اعادة النظر في سياستها تجاه البلدان العربية وكذلك سيعيد قادة اسرائيل حساباتهم من جديد وسوف يلمسون ان الدم العربي لن يذهب هدرا مهما طال احتلالهم للاراضي العربية المحتلة. بقلم: عبدالحليم سيف _ صحفي يمني