منذ سنوات بعيدة وقضية مياه نهري دجلة والفرات تشهد تطورات متصاعدة بين كل من تركيا من جهة, والعراق وسوريا من جهة اخرى وعلى الرغم من تشكيل لجنة من الدول الثلاث لحل المشاكل المعلقة حول اقتسام مياه النهرين, الا ان تركيا لا تزال تعطل عمل هذه اللجنة من خلال تقديم تفسيرات خاصة للقانون الدولي حول اقتسام مياه الانهار التي تتشاطىء عليها دول عدة اذ ترفض تركيا اصلا ان يدخل نهرا دجلة والفرات ضمن هذا المفهوم مما يرشح هذه الازمة للتصعيد نتيجة اصرار الجانب التركي على توظيف هذه القضية سياسيا لاعطائها دورا مركزيا في الخارطة الجديدة للمنطقة بالاضافة الى استغلال مياه النهرين باعتبارهما يشكلان ثروة باطنية كالبترول كما كشف المسئولون الاتراك في القمة المائية الدولية التي عقدت في اسطنبول قبل سنوات, ونظرا لخطورة هذه القضية بالنسبة للامن القومي لكل من سوريا والعراق, وللامن الاقتصادي ومشاريع التنمية والحياة الزراعية والاجتماعية في المناطق التي يقطنها عشرات الآلاف من الفلاحين فقد بات الاهتمام بهذه المسألة يتصدر الاهتمام الرسمي والشعبي خاصة وان الجانب التركي لا يزال مستمرا في بناء سدوده الضخمة التي ستقوم بحجز كميات كبيرة من مياه النهرين بالاضافة الى تحرير مشروع ما اسمته ــ بانابيب السلام ــ وضمن هذا الاهتمام عقدت في لندن ندوة موسعة شارك فيها ثلاثة من خبراء المياه والاكاديميين المعروفين هم الدكتور لؤي خير الله المستشار في هندسة المياه والدكتور محمد النجم الاستاذ في مجال الري والبزل وخبير المياه بجامعة لندن soad والسيدة علياء عبدالغني الدكي التي ساهمت في تحديد واعداد مشاريع تنموية في العالم الثالث بتمويل من البنك الدولي والاتحاد الاوروبي والتي تعمل مستشارة في شركة بريطانية حاليا. دجلة والفرات في البداية قدم المحاضرون نبذة عن حوضي دجلة والفرات واشاروا الى ان مساحة حوض نهر الفرات هي 444 الف كم2 منها في تركيا 28% وفي سوريا 17% والباقي في العراق حيث لاتوجد هناك اية روافد ترفده, وتشكل روافد الفرات في سوريا 12% من مصدر مياهه اما نهر دجلة الذي ينبع من تركيا ويمر بمحاذاة الحدود السورية العراقية فطول حوضه 470 كم2 منها 56كم2 في تركيا اي بنسبة 12% وفيه تصب روافد بطول 1718كم2 منها 1400كم2 داخل العراق اي بنسبة 80% ورغم ذلك ترسل تركيا فقط 500م3 الى سوريا وكان حسب الاتفاق المفترض ان يرتفع الى 700 م3 الا ان هذا لم يحدث. وفي آخر دراسة اجريت في الولايات المتحدة عن كلا النهرين تبين ان المساحة الكلية القابلة للري في تركيا هي 1300كم3 وفي سوريا 1200 كم2 وفي العراق 2000 كم2 وفي الثمانينيات بلغ المستثمر 150كم2 في تركيا و 250 كم2 في سوريا و 1200 كم2 في العراق لكن تركيا ومنذ عام 1990 وحتى 1995 عملت على احتكار مياه النهرين على حساب سوريا والعراق الامر الذي انعكس على مشاريع التنمية الزراعية وادى الى الجفاف والتصحر وانخفاض توليد الطاقة الكهربائية بالاضافة الى تلوث البيئة وتملح التربة خاصة في العراق نتيجة نفوذ مياه الخليج في شط العرب. وهذا كله لان تركيا تستعمل 16 مليار م3 من مياه الفرات تعيد منها 8.1 مليار م3 عبر النهر و 3.2 مليار م3 عن طريق نهر البليخ على الفرات و 4.2 مليار م3 بواسطة نهر الخابور على الفرات ايضا مما يرفع حجم المياه الملوثة المعادة من تركيا حوالي 7 مليارات م3. المشاريع التركية ترتبط هذه المشاريع بازمة المياه في دول الحوض الادنى مما سيجعل المشاريع التركية على هذين النهرين تشكل كارثة حقيقية خاصة بالنسبة للعراق لان هذه المشاريع ستؤكد الفلسفة الاقتصادية المائية في نظرية العرض والطلب واخضاعها لآليات السوق حيث تسعى تركيا من وراء ذلك لفرض هيمنتها مستفيدة في ذلك من عدم قدرة القانون الدولي على تنظيم العلاقة بين الدول المتصارعة, ومن عدم وجود آلية ملزمة في توزيع الحصص المائية بين الاطراف والامر الذي جعل السياسة التركية تؤزم الوضع بسبب تصرفها بمياه غيرها دون التشاور وحتى معها. ان الاهداف التركية من مشروع gap تتمثل في سعي تركيا الى تنمية منطقة جنوب شرقي الاناضول دون النظر الى اعتبارات حسن الجوار. وفي هذا الصدد تعتقد تركيا ان سوء الاحوال المعيشية والاجتماعية هو السبب وراء الاعمال المسلحة التي تجري في تلك المنطقة وهذا خطأ بالطبع كما انها تسعى الى استعادة دورها الاقليمي مستندة بذلك الى كونها عضوا في حلف شمال الاطلسي وركيزة للولايات المتحدة في المنطقة. وتراهن تركيا للسيطرة على المياه لاسكات الدول العربية على مشروع مشترك في منطقة جنوب شرقي تركيا وهذه المنطقة لها علاقة مع العراق الذي لم تتشاور معه ابدا, والحقيقة ان تركيا لم تتجه نحو جنوب شرق الاناضول, من اجل الري لان معدل الامطار فيها هو 665ملم سنويا في حين انه يبلغ في العراق 150 ملم سنويا, وفي سوريا 250 ملم سنويا. لقد تم انجاز العديد من مراحل المشروع المختلفة كسد اتاتورك, ويتكون هذا المشروع من 14 سدا بالاضافة الى 19 محطة و 13 مشروعا منها 7 مشاريع على نهر الفرات و 6 مشاريع على نهر دجلة اضافة الى 8 سدود حيث يصبح مجموعة السدود على كلا النهرين 22 سدا. ان واردات نهر الفرات من المياه هي 31 مليار م3 تقوم تركيا بحجب ثلثي الموجود من المياه, بينما تترك لسوريا والعراق الثلث الاخير, وهو لايزيد على 11 مليار م3 وقد تم الاتفاق في عام 1987 بين سوريا وتركيا على ان يتم تدفق 500 م3 في الثانية من سد اتاتورك, وفي عام 1989 وافقت سوريا على ان تأخذ 42% من الكمية والعراق 58% اي ما يصل الى 9 مليارات م3 في حين انها في عام 1975 كانت 28 مليار م3. * سد كراكايا: وقد انشىء على الفرات وتم انجازه في عام 1989. * سد اتاتورك: هو اكبر رابع سد في العالم انجز في العام 1992 وان الانفاق الملحقة بالسد هي الانفاق الاولى في العالم ويصل ارتفاع السد الى 170 م وطوله الى 42 م اما كمية المياه التي يحجزها فهي 49 مليار م3. ومن خلال مجموع السدود تستطيع تركيا ان تحجز 100 مليار م,3 واذا كانت مساحة جنوب شرقي الاناضول هي 75000.1 الف كم2 فانها تمثل عشر مساحة تركيا اما مجموع مساحة الاراضي على الفرات فهي 700 الف هكتار و 600 الف هكتار على نهر دجلة. لقد انجزت تركيا ثلاثة سدود على نهر دجلة, وانفاقا بطول 5.27كم حيث يتألف المشروع من نفقين قطر النفق الواحد 65.7 ويمكنه ان يمرر من المياه 333م3 في الثانية اي ما يساوي ثلث واردات الفرات في قناة تسمى قناة حران, وما تبتغيه تركيا من هذه المشاريع هو تحقيق الربع من خلال توليد الطاقة الكهربائية حيث تولد 27 بليون كيلو واط/ ساعة ولو تم بيعها بالسعر الحالي لحققت ربحا قيمته 5.8 مليارات دولار سنويا وقد وصلت خطا كهربائيا بين مصر والاردن, اما الخط الآخر (العراق, سوريا, تركيا) فسينجز عام 2002 وبكلفة مليار و 200 مليون دولار. مشروع السلام ان ما تسميه تركيا (مشروع السلام) تريد منه تحقيق السيطرة المائية على دول الشرق الاوسط فقد بدأت بانجاز خطين الخط الشرقي بطول 3900 كم ويمتد من تركيا ليعبر سوريا باتجاه العراق ثم الكويت ومنها الى البحرين والامارات وقطر حتى طهران وكلفته الاجمالية 12 مليار دولار وكمية المياه التي سيمررها تقدر بنحو مليون م3 يوميا. الخط الثاني ويمر من سوريا الى الاردن ثم الى اسرائيل وبعدها الى السعودية ويمكنه تمرير كمية 5.2 مليون م3 يوميا ايضا. وقيمة المشروع 9 مليارات دولار والمؤمل ان يكون السعر, وفق جدوى اقتصادية انجزتها شركة براون الامريكية, دولارا و 7 سنتات للخط الاول ودولارا و 80 سنتا للخط الثاني وهذه هي اقل من اسعار تحلية المياه. لقد اعتمدت وجهة النظر القانونية التركية على انتقائية للقانون الدولي حول مفهوم الانهار العابرة للحدود اذ انها اعتبرت ان دجلة والفرات ليسا نهرين دوليين في حين ان تقرير لجنة القانون الدولي الذي صدر في عام 1993 ( ILC) والتابعة للامم المتحدة اكد بانه لايوجد اختلاف جوهري بين مفهوم الانهار الدولية والانهار العابرة للحدود, ولهذا فليس لتركيا الحق في ادعاء ان ايا من النهرين عابر للحدود كما ليس لها الحق في اقامة منشآت هيدروليكية دون التشاور مع الاطراف ذات العلاقة. وعلى هذا الاساس فقد امتنع البنك الدولي عن تمويل تركيا في انشاءاتها عدا سد كيبان حيث ساهم فيه قبل سنين لاغراض الطاقة الكهربائية اما بخصوص تفسير مادة القانون المتعلقة بالاستخدام العادل للمجاري المائية فان تركيا تطالب بان يتم مسح شامل للموارد المائية في داخل كل قطر ودراسة انواع التربة من حيث امكانية زراعتها ام لا, وهذه المبادىء التي اعتمدتها تركيا تشكل مخالفة صريحة للمبادىء التي اقرها مؤتمر هلسنكي العالمي في العام 1966 حيث جاء في المادة 5 ـ 6 والتي اقرت من قبل الامم المتحدة لحل الاشكالات بين الدول انه يجب اعتماد معيار الطوبوغرافيا اي مساحة الحوض المائي في الدول المتشاطئة ومعيار الهيدرولوجيا وهو كمية الموارد المائية المغذية للحوض. ان مشروع الاناضول سيؤدي الى فقدان العراق لـ 90% من موارده المائية والسؤال هنا ماهو الحل؟ هل يكون عسكريا وكلفة الحروب بليون دولار يوميا, ام بالاعتماد على القانون والخبراء لايتفقون على المبدأ, والحق التاريخي قد يخفق, اذن يجب وضع سياسة شاملة تكون مزيجا من السياسات المطروحة وفي مقدمتها يجب طرح مبدأ المنفعة المشتركة خاصة وان تركيا تفضل موضوع التكامل الاقتصادي كما يجب تكثيف الجهود العربية وبمبادرات مباشرة وسريعة من قبل سوريا والعراق للضغط على تركيا من خلال التعاون الوثيق بينهما في التخطيط ودراسة نوع وحجم التبادل الاقتصادي اعتمادا على المفاوضة والمعاملة بالمثل والاهم هو الاصرار المدعم على ان هناك حوضين لنهرين منفصلين نهر الفرات ونهر دجلة لا كما تدعي تركيا على ان النهرين حوض واحد ويمكن ان تقوم العراق وسوريا بتغذية الفرات من دجلة وهذا يحتاج بالتأكيد الى مساندة عربية قوية, وضغوط سياسية واقتصادية على تركيا حتى تستجيب للمطالب العادلة والمشروعة للعراق وسوريا في مياه نهري دجلة والفرات. لندن ــ احلام سليمان