بتنصيب فويسلاف كوستونيتشا رئيسا للبلاد, تنتهي حقبة سلوبودان ميلوسيفيتش التي امتدت ثلاثة عشر عاما وكانت الاكثر دموية. ولا عجب اذ احتفلت بلجراد ودول يوغسلافيا السابقة (بالخلاص) الذي لايضاهيه عندهم سوى خلاص المسيح, فالرئيس السابق قاد يوغسلافيا السابقة لانهيارات عديدة مازالت دولها تدفع ثمنها تدهورا اقتصاديا وتفشيا للفساد ودمارا سببته الحرب التي انقادت اليها للتخلص من حكم ديكتاتور شهد له الجميع بديكتاتوريته. ميلوسيفيتش الذي بقي حتى اللحظة الاخيرة متأملا في طوق نجاة لم يشأ الخروج مهزوما تماما, فتنحى تحت ضغط العسكر وحليفته السابقة روسيا ودول العالم والاهم من ذلك ثورة الشعب السلافي. وما تبقى من الرئيس المهزوم طموح لا يزال يشتعل بقيادة حزبه الذي كان حاكما وتحويله الى حزب معارض, ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل سيتركه اليوغسلاف يلعب دورا سياسيا جديدا؟ وينبغي قول كلمة حق في ميلوسيفيتش, فهو وفق التاريخ السلافي اعاد امجاد يوغسلافيا الثالثة رغم انه نصر الصرب على ما عداهم من القوميات. ويرى انصار تفتيت يوغسلافيا ان الرئيس السابق ارتكز في برنامجه السياسي على مبدأ القومية الصربية الفاشية, وهو معروف بكونه (المهندس) الاساسي للحروب الاجرامية في يوغسلافيا الثالثة واكثر ضحاياه دموية كانت كوسوفو. لكن كوسوفو تبقى قضية مبهمة, فهي بين نار ميلوسيفيتش وبين نار الناتو ضيعت استقلالها واهلها وحريتها وربما اقتصادها . وثائق كثيرة بعد انتهاء ضربات الناتو الجوية اظهرت بشكل لا يقبل الشك ان الناتو كان مسئولا عن جزء من الدمار في كوسوفو وتهجير الكوسوفيين وليس ابرزها التحقيق السري الذي قادته فرنسا بشأن وثيقة رامبوييه التي قيل ان ميلوسيفيتش رفضها ولم يقل احد انها لم تصله الا قبل اعلان الحرب بساعات. المهم ان شوكة يوغسلافيا (اقتصرت بعد تفتيتها على صربيا والجبل الاسود), التي اقضت مضاجع الغرب, قد انكسرت, وها هو رئيس جديد يقف على منبر الرئاسة, ويعلن اولوياته التي لم تختلف عن سلفه, ولم يختلف هو سوى ان تاريخه نظيف وان اوروبا وامريكا تدعمانه, ولكن الى متى؟ امام الرئيس الجديد تحديات خطيرة وكبيرة, واولويات تشغله عن الانتقام والثأر الذي تريده بعض الاطراف المعادية ليوغسلافيا والذي يؤججه دول الغرب, فأمامه يوغسلافيا مدمرة اقتصاديا واجتماعيا, موشكة على ان تفقد آخر ما يربطها بالاتحاد اليوغسلافي او ان تتحول الى دويلة صربية. فالجبل الأسود مدفوع للاستقلال عنها, وكوسوفو قد تحل بعده, والشعب اليوغسلافي المهجر في الدول المحيطة يطلب منه إمدادا ومساعدة للعودة, والبطالة التي تزداد تطلب عملا, فضلا عن ان يوغسلافيا برمتها تحتاج لاعادة بناء بعد ان دمرتها حرب الناتو. كوستونيتشا اذن ورث تيارات ساخنة وتحديات جليلة, لكنه محظوظ, فقد حظي برضا الغرب (امريكا واوروبا) والشرق (روسيا) التي كانت حليفة سلفه وربما تنقلب الايام عليه بعد حين حين يصر على رفضه تسليم ميلوسيفيتش لمحكمة الجزاء الدولية, وربما يبقى وحيدا في الساحة دون اية مساعدات كان موعودا بها, وربما يواجه تحديا اكبر اذا ما قرر اعادة كوسوفو الى حظيرة الاتحاد اليوغسلافي, الايام المقبلة حبلى بالاحداث, المهم ان ازمة (ميلوسيفيتش) قد انتهت وما عاد لدى الغرب حجة ضد يوغسلافيا سوى رعاية مصالح الناتو وامريكا والرئيس الجديد. المحررة