الفرحة التي غمرت الغرب بالامس بعد تنصيب كوستونيتشا رئيسا رسميا ليوغسلافيا الاتحادية, قد لا تدوم طويلا, فالقادم الجديد لم يختلف عن سياسة سلفه السلافية سوى انه ديمقراطي واقل ديكتاتورية, وصربي متعصب لجنسه, ومنتقد شديد للناتو. وكوستونيتشا اعلن منذ البداية مبادئه والتي ستكون مرتكزات سياسته المقبلة تجاه بلده وهي لم تختلف عن مرتكزات ميلوسيفيتش , سوى بما يمكن توقعه من كيفية انفاذ هذه المرتكزات لقيادة البلد, بما يعني اسلوبه في تنفيذ مبادئه الذي قد يختلف عن سلفه. استندت منذ البداية سياسة كوستونيتشا على رفضه ـ قبل كل شيء ــ التدخل في شئون (يوغسلافيا الجديدة) ثم تمسكه بحق السيادة القومية على اموال بلاده, ويأتي بعد ذلك رفضه تسلم ميلوسيفيتش سلفه لأية دولة. وهو, وفق المحللين, لم يختلف عن سلفه, فقد رفض ميلوسيفيتش بتسليم سلفه لاية دولة كما انه عمل على مبدأ عدم التدخل في شئونه الداخلية, وظل متمسكا بحق السيادة القومية على اموال بلاده حتى افرط في استغلالها ونهبها. والرئيس الجديد يضع في اعتباره تداعيات يوغسلافيا السابقة التي افرزت وضعا داخليا مترديا, بل منهارا, ومستندا الى عهد السلام الذي اعلن ان بلاده دخلته منذ تولي قيادتها. فكيف تراجع الرئيس السابق عن كرسي تشبث به 13 عاما وكيف تخلى عنه حلفاؤه, وما هو مصيره, واخيرا ما هي التحديات التي تواجه الرئيس الجديد؟ كان صراع اللحظات الاخيرة للرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش, اشد وطأة عليه من الحرب التي قادها والتي اسفرت عن تركيعه. فقد بدا ان مناصريه الصربيين قد تخلوا عنه, لم يصدق بداية ان الشعب الصربي قد اكتفى منه فقد كان واثقا من فوزه بل وراهن في ذلك على رصيده لدى الشعب سواء من حيث دفاعه عن (جزء من التراب الوطني) كوسوفو, ورفض انتزاعه او انفصاله او من حيث تحديد الشرعية الدولية دفاعا عن السيادة الوطنية ورفضه للتدخل في شأن هو من صميم شئون بلاده الداخلية. ومن ضمن ما راهن عليه ميلوسيفيتش ضعف المعارضة الصربية وتشتتها وانقساماتها الداخلية, وعجزها على مدى طويل عن تحريك الجموع الواسعة واثارة تمرد شعبي من خلال العديد من مظاهرات ومسيرات الاحتجاج في كافة انحاء البلاد للمطالبة بتنحيه عن السلطة, لكنه اخطأ في حساباته. ومثلما اخطأ بشأن المعارضة, اخطأ في تصوره ان بلاده تريد ان تكون ضد الغرب, فقد ركز في حملته الانتخابية على مخاطبه واستغلال الشعور الشعبي المناهض للغرب بسبب ما احدثته غارات حلف الاطلسي من خسائر فادحة للاقتصاد اليوغسلافي, لكنه غفل عن ان الشعب يحمله ايضا مسئولية هذه الحرب التي دفعوا ضريبتها ترديا اقتصاديا وشتاتا اجتماعيا وضحايا كثر. ولم ينس ميلوسيفيتش وهو يرسم خطة حملته الانتخابية ان يشوه صورة معارضيه بنعتهم بالخيانة والعمالة للغرب معاودا استغلال قضية كوسوفو التي كانت من اسباب وصوله للحكم عام 1987. والواقع ان ميلوسيفيتش سبق ان نجح بهكذا خطاب من قبل في تأجيج المشاعر القومية الصربية بشأن كوسوفو التي يصفها بانها قلب صربيا النابض داعيا الى اعادة بعث القومية الوطنية الصربية وهو في استخدامه لهذه الورقة يدرك انها جزء من الضمير الوطني الصربي فقد كانت مقرا للكنيسة الصربية المستقلة في القرن الرابع عشر في عهد الامبراطور الصربي دوشان, وكانت ايضا مركزا تجاريا وسياسيا واقتصاديا هاما في هذه الفترة. لكن بصيرة ميلوسيفيتش اعمتها طموحات العظمة, فلم ير ان الصرب انفسهم يرون ان الثمن الذي اضطروا لدفعه لا يتناسب مع استمرار استغلال قصة كوسوفو, وهكذا كانت هذه اولى الضمانات التي تحطمت على صخرة الواقع المتحول الذي لم يبصره ميلوسيفيتش. لقد كان لضربات الناتو في حربها ضد صربيا والمقاطعة المفروضة على يوغسلافيا الاتحادية وزيادة الانفاق العسكري الاثر الواضح على الاقتصاد اليوغسلافي, فارهقته, ودفع الشعب ثمن ذلك كله اذ انتشرت البطالة بين صفوفه وانخفض مستوى معيشته بعد ان دمرت الغارات الجوية للناتو بنيته التحتية وتوقفت اغلبية الانشطة الاقتصادية وزاد العجز وتوقف النظام عن تنفيذ برامج اصلاح الاقتصاد التي تشترطها المؤسسات المالية الدولية وتراجعت موارد النقد الاجنبي التي تحتاجها البلاد, مما دعا الخبراء الدوليين للتأكيد على ان عدة مليارات من الدولارات قد لا تكفي لإعادة الاقتصاد اليوغسلافي الى وضعه, واعادة الاعمار, والاصلاح. وفي الواقع ان ميلوسيفيتش كان يشكل احد رموز حقبة الحرب الباردة وطالما سعت واشنطن وحليفاتها الى تغييرها ودعم وجوه جديدة تنهي احتكار الشيوعيين للحكم, وهو عامل آخر يضاف الى عوامل سقوط ميلوسيفيتش. لقد كان ميلوسيفيتش عقبة في سبيل تحقيق الاهداف الغربية برفضه التدخل في شئون بلاده مثلا رفض تكريس المفهوم الاستراتيجي الجديد لحلف الاطلسي الذي تخطى دور الامم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذه قرار شن هجمات على دولة ذات سيادة. ولهذا ولغيره كان دعم الغرب لمعارضة فويسلاف كوستونيتشا الذي بدا اكثر قدرة وثقة على تقديم الوعود لشعبه باخراجه من عثرته ورفع المعاناة عنه وانهاء عزلة يوغسلافيا, فقد بدا كوستونيتشا اكثر قدرة على التعامل مع الغرب كونه ديمقراطي النزعة ويرفض بشدة ديكتاتورية وسلطة ميلوسيفيتش. يمثل كوستونيتشا الدم السلافي الجديد والنقي, كما يمثل صعود نخبة سياسية جديدة للحكم, وهي نخبة لم تعش مرحلة حرب التحرير والشيوعية التي كانت احد اهم مرتكزات حكم جوزيف بروستيتو. ورغم ان ميلوسيفيتش الغى احتكار رابطة الشيوعيين اليوغسلاف للسلطة عام 1990 وسمح بالتعددية الحزبية وهذا يحسبه الغرب له, الا انه لم يتأقلم مع المتغيرات الحاصلة على الصعيدين الاقليمي او الدولي مثما لم يؤمن بتحول موازين القوة الدولية, ولذا كان يعول كثيرا على قدرة وسلطة حليفته روسيا التي خذلته في اللحظات الاخيرة. ولابد من القول ان روسيا هي الاخرى لا تريد ان تخسر علاقاتها مع الغرب ولذا كانت اول دولة اعترفت بالرئيس الجديد, ولطالما ايقنت امريكا ان روسيا هي الوحيدة القادرة على اقناع ميلوسيفيتش بالتخلي عن السلطة وتسليمها لكوستونيتشا لكنها لم تتأكد ابدا ان كانت روسيا ستحمي ميلوسيفيتش ام انها ستتخلى عن دعمها له تماما. عامل آخر مهم حسم الامر في النهاية, وهو الشعب الصربي الذي عول عليه ميلوسيفيتش , فقد خرج الشعب من صمته وخلع عنه دعمه السابق لميلوسيفيتش وفجر تمرده المارد الذي كان نائما, فجاء الاجماع الشعبي الصربي مع رفض الجبل الاسود الاشتراك في الانتخابات كالقشة التي قصمت ظهر الديكتاتور اليوغسلافي. ولم يكن صعبا بعد ذلك على كوستونيتشا وشعب صربيا استمالة الشرطة والجيش , فلطالما آمن الجميع بخروج بطل يكون (اسمه على اسم قرية سلافية عريقة, وهو الذي سيتم على يديه خلاص السلافيين) كانت تلك الاوتار التي عزف عليها داعمو الرئيس الجديد مع استحقاقه بفوزه في الانتخابات التي حاول ميلوسيفيتش السيطرة عليها لكنها افلتت منه الى غير رجعه. كانت اخطاء ميلوسيفيتش الاخيرة اكثر ضررا عليه من تاريخه الدموي, فقد رسم نهايته عندما عدل دستور بلاده ليحظى بولاية ثالثة. فالدستور اليوغسلافي لا يتيح له الحق في ترشيح نفسه مرة ثانية, كما ان العادة جرت على ان يكون انتخاب الرئيس عبر البرلمان وليس بالانتخاب الحر المباشر من الشعب, لكن ميلوسيفيتش اعلن في فورة تحديه لامريكا عن انتخابات مبكرة, ثم قام عبر برلمانه بتعديل الدستور, ليس للسماح له بالترشيح فقط بل وبتعديل اسلوب انتخاب رئيس الجمهورية, ليكون مباشرة من الشعب, معتقدا ان شعبه لن يخذله, وانه سينتصر على ادعاءات امريكا. وعمد بعد ذلك الى اتخاذ اجراءات اخرى مهيئا الساحة لفوزه, فاغلق كل الصحف والمحطات الخاصة والمستقلة, واعتقل العديد من المعارضين والداعمين لهم, شرد 21 قاضيا ساندوا زميلا لهم كانت السلطة قد اتهمته بانتمائه لحركة الطلاب المعارضة. ثم بدأ حملة ترغيب وترهيب وسط صفوف موظفي الدولة والقطاع العام, فمن يصوت له سيبقى في وظيفته, ان نجح, والا فالطرد. وهكذا .. دق آخر مسمار في نعش حكمه .. وسار الى نهايته مرغما, لقد اجبرته روسيا على الاعتراف بخسارته وقاده عسكره لمقابلة كوستونيتشا, وبدا وهو يلقي خطبته الاخيرة كأنه شبح خارج من ركام هائل حتى ان الشعب لم يصدقه وشكك في نواياه بالتخلي عن السلطة وبقوا متأهبين لما يمكن ان يفعله كأن يقود حربا اخرى ضدهم. لكن الذي حدث, انه صدق هذه المرة, لقد خرج عليهم كوستونيتشا ملقيا تحية اجمل صباح قائلا: (صباح الخير يا صربيا الحرة) ولكن من يقول ان الصباحات التالية ستكون بمثل جمال هذا الصباح؟! لهيب عبد الخالق