لم يكن مستبعدا ان تقوم اسرائيل بعمل عسكري ولو محدود, فالمؤشرات التي افرزتها احداث العشرين يوما الماضية كانت تؤكد انه لا خيار امام اسرائيل سوى عمل عسكري محدود. ودوافع العدو المحتل كثيرة منها داخلية ومنها خارجية, فالزيارة التي قام بها ارييل شارون للحرم القدسي والتي خطط لها مع باراك, كانت بقصد اثارة الاستفزاز لاستعراض القوة الاسرائيلية التي يسميها الاسرائيليون بقوة الردع من اجل اجبار الفلسطينيين على قبول الخيارات الاسرائيلية, عدا عن كونها تنتشل الوضع في الداخل الفلسطيني. وكما هو معروف فان قرب الانتخابات الرئاسية الامريكية وانتخابات رئاسة الحكومة الاسرائيلية التي تنعقد نهاية اكتوبر وظهور شارون كقوة مرة اخرى تهدد باراك وتبرئة نتانياهو الذي عاد بقوة, تفرض على باراك ان يؤسس حكومة ائتلاف وطنية, قد يضم اليها شارون ليتخلص من ضعفه السياسي الذي قد ينذر بانتخابات مبكرة, كما تفرض تحركا ما سياسيا أو عسكريا لتسريب ضغط الداخل للخارج. وهكذا كان على باراك ان يقبل بشرط شارون الوحيد: (أدر ظهرك لعرفات), هكذا خطط لاشتعال الازمة بدم بارد, ودليل ذلك القوة التي رافقت شارون في زيارته والتي افادت الانباء انها قاربت ثلاثة آلاف من قوى الامن والشرطة الاسرائيليين. انتفاضة الاقصى اذن اريد لها ان تكون كما سماها المراسل السياسي لصحيفة (هآرتس) عكيفا الدار, حرب عملية السلام وله منطقه الذي لا يبتعد كثيرا عن ما هو حقيقة. وليس مهما كيف تآمر باراك وشارون على نتانياهو, المهم ان الثمن هو ما يدفعه ابناء الشعب الفلسطيني والذي كان رخيصا في اعين العالم لكنه غال وثمين بالنسبة للشعب العربي الذي اجتمع مشرقه ومغربة وضج معه العالم الاسلامي احتجاجا وغضبا وانتصارا للدم الفلسطيني الغالي. ثورة الشعوب العربية والاسلامية هذه أفرزت امرين اثنين على الصعيدين الاستراتيجي والسياسي, فاستراتيجيا غير العنف الاسرائيلي واقع اللعبة المرسومة في المنطقة وبدت امريكا اكثر اضطرابا امام اخطاء اسرائيل التي لم تستطع ان تساندها بفيتو يمنع ادانتها ولم تستطع منع اسرائيل من التراجع فتتراجع معها, بل انها لم تستطع سوى ان تمتنع عن التصويت وهو مؤشر استراتيجي خطير بالنسبة لامريكا. اما سياسيا فقد اربكت هذه الثورة الحكومات العربية والدولية, ومنها من استفاد بشكل فعلي اقتصاديا من عمليات التسوية حتى وهي تتعثر منذ توقيع اتفاقات اوسلو والوضع المتفجر يعني خسارة ملايين الدولارات ان لم نقل المليارات. اوروبا وامريكا ولنقل الناتو كانت منشغلة بخطط التوسع والتي امنت ان السلام في الشرق الاوسط اسقط امامها عقبة خطيرة ولم يبق امامها سوى الشرق البعيد والقوى الشرقية الناهضة بقوة, حتى تفجر العنف في الشرق الاوسط واربك مخططاتها, وربما اتاح لها فرصًا اخرى تخوض فيها حربا بعد حرب كوسوفو التي عدها الخبراء اول حرب يخوضها الناتو, لتجربة اسلحتها الحديثة واستكمال سيطرتها على الشرق الاوسط التي تتحايل منذ عقود لاستعادة سيطرتها عليه, اذا ما قامت حرب عربية مع اسرائيل. ثورة الشعب وانتفاضة الاقصى من قبلها أفرزت من ضمن ما افرزته دعوة لقمة عربية بدت دعوة خجلة في بادىء الامر متأنية وكأن لا دم هناك يراق, حتى اجبرتها ثورة الشعوب العربية على ان تتقدم خطوة باتجاه حل ينقذ ماء الوجه العربي. استحقاقات القمة كثيرة والمطلوب منها اكثر, لكنها وفق كل المؤشرات لن تخرج سوى بالعودة إلى السلام ومفاوضاته رغم ان هناك آمالا كبيرة حولها, فهل ستفرط في الاقصى ام تختار الطريق الاصعب؟, دول الطوق لا تريد الحرب واسرائيل قد تكون نجحت في رفع عصاها وقيادة العرب إلى طاولتها وفرض شروطها, فهل ينجح العرب في قلب المعادلة؟ بيننا وبينها يومان فقط هما حاسمان في اخطر مرحلة يمر بها العالم العربي والإسلامي اليوم. المحررة