الخريف لايدنو من بابي.. أو هكذا أتصور طالما أن قلبي عامر بحب وطني ومجتمعي وأهلي وناسي، وطالما أن عقلي هيأته لقضايا بلادي.. فالآن أصبحت رهن إشارة وطني بعدما استطاع القلب أن يرمي نظرته على كل ذرة فيه ويتعلق بها.. بعد لهفي على كل الذين استشهدوا في سبيله، وقلقي على زهوره وسواعده من شعبي العربي في كل مكان، ربما قدرنا أن نكون أمة عانت وتعاني الكثير لكن لا أحد يمكن أن ينكر تاريخنا وكفاحنا وصمودنا وإنتصاراتنا، ولعلنا مازلنا نسعد باستردادنا للجنوب اللبناني وقلوبنا تزغرد وتدعو (عقبال القدس) إن شاء الله. ولعل هذا ما وضعته نصب عيني وأنا أصور حاليا مع المخرج محمد أبو سيف والمنتج اللبناني محمد ياسين فيلمي الجديد(عزيز عيني) الذي أضع فيه يدي على جرح من جروحنا العربية التي مزقت قلوبنا جميعا حيث أغوص في الحرب الأهلية اللبنانية، من خلال قصة كتبها شريف الشوباشي وأعد لها السيناريو والحوار أشرف محمد وتحكي عن أم مصرية تفقد ابنها أثناء زيارتها لبيروت في مطلع أحداث الحرب الأهلية اللبنانية في عام ،1975 وتعثر عليه في أوائل التسعينيات ليدور بعدها صراع الابن بين أمه الحقيقية والأم التي قامت بتربيته طوال أيام الحرب. القصة تبدو منذ الوهلة الأولى إنسانية بحتة لكنها تدور على خلفية بارزة من الأحداث السياسية وأحداث الحرب الدامية التي كانت تأريخا لواحدة من أقوى أزماتنا العربية، وربما لهذا وجدت نفسي مشدودة بقوة لهذا الفيلم وكأني من خلاله ألمس وتر الأحزان واللهفة على أرضنا العربية، لدرجة أنني أشعر أحيانا أننا كدنا ننكسر كالفخار بسبب هذه الحرب، ولكن الحمد لله أنها انتهت وأثبتت الأيام قوتنا وصلابتنا، وعلونا جميعا فوق الجراح، ومررنا من أحلامنا الأولى وجراحنا إلى ميلاد نهار جديد يكسوه الأمل والوضوح والتفاؤل.. نهار يسطر خطا جديدا في تاريخنا العربي ويحاول أن يرسم صورة مختلفة في أفقنا.. لعل وعسى واهتمامي بوطني وبتفاصيل قضاياه وأزماته لم يحدث صدفة أو فجأة بين يوم وليلة، وإنما هو نتاج سنوات عمري وخبرتي التي كونتها بعرقي ودموعي خلال رحلتي في دروب الفن والحياة، حتى وصلت إلى مرحلة من النضج الفني يتوازى مع النضج الإنساني، وفيها عرفت أن الفنان قدوة ولابد أن يكون له دور سياسي واجتماعي، فالعطاء في الفن لا يجب أن يختلف عن العطاء في الحياة العامة، فكلاهما يمثل قيمة أصيلة في شخصيتها، والتألق الفني لابد أن يكمله النضج الإنساني والعطاء في مجالات مختلفة، لأن هذا هو الدور الذي ينبغي أن يلعبه الفنان في مجتمعه. وقد بدأت رحلة وعيي وإدراكي حينما قررت أن أخلع ثوب (الفيديت الحسناء) والفتاة الجميلة الذي ارتديته طوال مرحلة السبعينيات حينما قررت احتراف الفن وسجنني المنتجون والمخرجون في هذا الاطار، ورغم أنني أحببت هذه المرحلة ومازالت ولكن كان لابد أن يحدث نضج وتطور، وهو ما استوعبته جيدا وبدأت من خلاله أكون أكثر حرصا في اختياري لموضوعات أفلامي وأكثر حرصا على أن تكون هذه الموضوعات أقرب للمجتمع وهمومه، ومن هنا كانت تجربتي في إنتاج وتمثيل فيلم (سوبر ماركت) مع المخرج محمد خان الذي كان أشبه بقصيدة سينمائية راقية نسجت بتقنية وحرفية عالية لتزيح الستار عن أشياء كثيرة حدثت في المجتمع المصري عقب هبوب رياح الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات وتوابعها التي مازلنا نعاني منها حتى الآن لدرجة أن المجتمع كله تحول إلى (سوبر ماركت) وتغيرت قيمه ومبادئه لتصبح المادة هي المسيطرة وهي صاحبة الأمر والنهي. وهذا ما قدمته بشكل آخر في فيلمي (أحلام هند وكاميليا) وهو أيضا لمحمد خان، وفيه توغلت بجرأة لم تكن معهودة حينذاك إلى عالم المهمشين وفيه قمت بدور خادمة وعبرت عن همومها وأحلامها في مجتمع قاس لا يعرف الرحمة. وكانت قمة قسوة هذا المجتمع في فيلمي (الكراج) مع المخرج علاء كريم والذي قدمت فيه نموذجا آخر وأكثر واقعية ودرامية للمهمشين في مجتمعنا. ولعل قناعاتي بهذه الأعمال زادت خاصة بعد ما وجدت رد الفعل الجماهيري والنقدي تجاه هذه الأعمال، وأهم من ذلك أنني تزوجت من الإعلامي الكبير حمدي قنديل الذي تعلمت منه أشياء كثيرة كنت أجهلها، فـ(حمدي قنديل) عقله كبير يسع المجتمع كله بتفاصيله التي كانت تغيب عني، وقد أخذ بيدي لأتعرف على مساحات وقضايا كانت لا تشغل بالي إلى حد ما، ومع حمدي قنديل تعلمت أصول السياسة والقضايا السياسية. وفي السنوات الأخيرة قررت ألا أكتفي بتقديم أفلامي فقط وإنما لابد أن أنزل إلى أرض الواقع، وبالفعل أتحمل الآن مهمة ترسيخ الأهداف النبيلة لجمعية (إبنتي) التي يبلغ عمرها الآن خمس سنوات وتضم بنات في عمر الزهور، ذكيات، صحيحات، يلقين الرعاية والتعليم، إلى جانب أن الجمعية تخدم مجهولي النسب، وهناك بنات يمارسن أعمال(الكنافاه) والتطريز وينتجن أكلات معلبة للبيع، وهناك مشروع مغسلة كبيرة يعود بربح وفير، وكل هذه الأعمال تمت بمساعدة اناس خيرين، وما يشغل تفكيري الآن في الحقيقة كبار السن الذين يفتقدون الأسرة، هم ضيوف في الحياة وأتمنى أن يعيشوا بكرامة، وأن ينعموا بالابتسامة والطمأنينة بقية أيامهم، أي يودعوا الدنيا بابتسامة. كما قمت مؤخرا بحملة واسعة للتبرع بالدم وقد تحمست لها حينما شاهدت السيدة سوزان مبارك على شاشة التلفزيون تناشد الناس التبرع بالدم من أجل الأطفال المصابين بأمراض خطيرة، ويحتاجون إلى نقل دم، وقالت أن هناك نقصا في كميات الدم، فانفعلت جدا وأحسست بأن هذا واجبنا، وأن البطولة الحقيقية ليست أن أقوم ببطولة فيلم وإنما أن أقدم أشياء ملموسة لخدمة الناس، فقررت أن أقوم بمبادرة وتبرعت بدمي ونزلت وبدأت الحملة التي إستجاب لها الفنان حسين فهمي فذهب وتبرع بدمه، وذهبت إلى جامعة 6 أكتوبر وجامعة عين شمس وتواجدت بين الشباب وكلهم تبرعوا. ومازال عندي الكثير أود أن أقدمه وأفعله من أجل وطني وأتمنى أن يعينني الله. ترويها: نجلاء فتحي