منذ تم التوقيع على اتفاقية انشائه في شهر مايو من سنة 1981 ومجلس التعاون الخليجي يبحث له عن موقع تحت السماء، في زمن يشهد فيه العالم تكتلات اقتصادية وأمنية رهيبة، غير ان السير الحثيث لحركة التجارة العالمية والاقتصاد الكوني نحو فتح قنوات حية ونشيطة بينها في مجال التبادل التجاري كما تقتضيه حركة المنتج في جميع اطواره منذ »العذرية« الى الاستعمار المباشر بإيجاد فروع انتاج قريبة من الاسواق، وظهور ما يسمى بالشركات العابرة للقوميات كل هذا قد اوجد عند مجلس التعاون حسا بضرورة الانفتاح على الكيانات الاخرى، والتي من اهمها، »الاتحاد الاوروبي« غير ان المسألة ليست بالبساطة التي يظنها البعض خاصة بين كيانين احدهما في طور البناء والآخر يمثل على حد تعبير رجل الاعمال الامريكي ذي الاصل الهنجاري جورج سوروس: »اتحادا نقديا متكاملا، وسياسة مالية موحدة وتوسعا حتى حدود روسيا«. هذا رغم ان الاتحاد الاوروبي قد اثر في كثير من الاحيان ضم دول اوروبية لتحقيق فوائد سياسية وأمنية وهو الامر الذي كشفت عنه قمة »امستردام« ودعم مساعي »ميجيل موراتينوس« في »الشرق الاوسط«. اننا اذا أردنا ان نتتبع العراقيل التي تعترض تعزيز العلاقات بين مجلس التعاون والاتحاد الاوروبي، محكومون بالانطلاق من واقع التنافس الاحتكاري الذي تحكمه شركات عملاقة، لا مؤسسات دولة، وآنذاك فالمطلوب هو النظر بموضوعية كبيرة الى ما لا ينسجم مع »النظرية المصلحية« التي لا تعرف الصداقة في عالم »الاقتصاد الحر« والشركات الخاصة. ولعل اول هذه العراقيل واهمها هو: 1 ـ صعوبة النفاذ العربي الى الاسواق الغربية: ان صعوبة النفاذ الى الاسواق الغربية للاتحاد الاوروبي، او الاسواق الاجنبية الاخرى التي يحتكرها هذا الاتحاد لاتتأثر فقط من كون الاقتصاد الغربي قد استطاع تأمين الامن الغذائي والحاجاتي الى درجة الرفاهية لمواطنيه. مما يشكل تشبعا في وجه اي منتوج عربي، بل ان الممارسة الصدامية التحطيمية للآخر حتى مع الحاجة الى منتوجه اصبحت العمود الفقري للممارسة التجارية الضخمة ولا ادل على ذلك من مفاوضات الشراكة التي جرت بين مصر والاتحاد الاوروبي، والتي قال عن بعض تشنجاتها كبير المفاوضين المصريين: »عرضوا علينا الموافقة على ان نصدر لهم كميات كبيرة من العنب في اشهر الشتاء، اي الوقت الذي لا يوجد فيه في مصر حبة عنب واحدة«. ومرة اخرى غير هذه كانت سنة 1995م حين لم تكن السوق الفرنسية في حاجة الى البطاطا، لذلك عمدت فرنسا الى اتهام البطاطا المصرية بأنها مصابة بمرض التبقع البني رغم ان هذا المرض لا يسبب اي مرض للانسان ومن ثم فقد حظر على استيراد البطاطا المصرية ولحقت بفرنسا آنذاك العديد من الدول الاوروبية. ان القاعدة الانتاجية وظروف الانتاج في دول مجلس التعاون الخليجي تعد واحدة، لذلك فإن كتلة المنتج الموحد يجب ان تبحث لها عن سوق مضمون، ولئن حدث الرد والرفض لمادة ما فإن ذلك يسبب خسارة كبيرة لدول المجلس، ذلك لأن التجارة البينية ستكون مستحيلة فالمملكة العربية السعودية لن تتمكن مثلا من تصدير مادة ما لدولة خليجية اخرى وهي تنتجها، وآنذاك فعند انعدام فرصة ادارة المنتوج بينيا، فإن ذلك يتطلب سوقا مؤكدا له، والاتحاد الاوروبي لاعب قوي في السياسة الاقتصادية العالمية، لذلك فلا احد يستطيع ان يتكلم في ضمانات قد تحكم وبدقة العلاقة الاقتصادية بين الاتحاد الاوروبي ومجلس التعاون الخليجي. 2 ـ تباين المستوى الانتاجي: اشار تقدير مجلس الوحدة الاقتصادية العربي لسنة 1997 الى ان معدل الاستثمار في الوطن العربي بلغ 1% ومعدل التجارة البينية بين الدول العربية يتراوح بين 8% و10% من حجم التجارة الاجمالية في الوطن العربي مع العالم الخارجي، غير ان حجم التجارة مع الخارج والتي تمثل 90% من مجموع معدل التجارة الخليجية ـــ الخارجية، فهناك تصدير نفطي وهناك استيراد لغير ذلك من كل ما هو مطلوب في السوق الخليجية من المواد الغذائية الى الادوات الالكتروـــ منزلية الى السيارات. وآنذاك فإن العلاقة التجارية التي تحكم هذا التبادل هي تحول الدول العربية الى سوق للمنتوج الغربي (الاتحاد الاوروبي). ويعني ذلك ان خطر المنافسة قائم الى اقصى درجة ودخول المنتوج الاوروبي على المنتوج المحلي معناه قتل الصناعة المحلية غير القادرة على المنافسة في اسواقها العربية، فكيف بها في الاسواق الاوروبية؟! ان الحديث عن نوعية ومستوى المنتوج سيجرنا كذلك الى الحديث ضمنيا عن كمية المنتوج ففي سنة 1995 بلغ الناتج الاجمالي العربي (كله) 433 مليار دولار، وهو في مجموعه لا يزيد على الناتج الاجمالي لدولة مثل ايطاليا، او اسبانيا، وانذاك فلنا ان نتصور علاقة اقتصادية بين عملاق اقتصادي وبين كيان في قيد النمو.. ان الانتاج العربي اليوم لا يوفر احتياجات المواطن العربي. 3 ـ التباين في السياسات التجارية: يتسم الاتحاد الاوروبي بسياسة تجارية موحدة قائمة على وحدة النقد ووحدة اجراءات تحرير التجارة بدءا بالتعريفات الجمركية، وانتهاء بالقيود الكمية، وهو الامر الذي يعطيه سهولة في التعامل مع المنتوج غير المرغوب فيه كما حدث في (لحم البقر المجنون البريطاني) بينما يظهر العكس تماما عند دول مجلس التعاون الخليجي والتي يرى بعضها او لنقل يجد صعوبة كبيرة في الاندماج مع الاقتصاد الجمعي للمجلس، مع العلم ان بعض الدول الخليجية تمثل رسومها الجمركية 7/1 من الايرادات العامة، وآنذاك فستجد نفسها في موقف صعب اذا ما ارادت السير نحو الغاء هذه الرسوم نزولا عند رغبة التكتل التجاري مع دولة اخرى لا تعني لها الرسوم شيئا ولا يؤثر فيها الغاؤها. ان هذا يجعلنا نقول ان العراقيل الاساسية الواقعة في وجه دعم اي علاقات اقتصادية »فاعلة« بين دول مجلس التعاون الخليجي كتكتل وبين الاتحاد الاوروبي هي عراقيل راجعة بالاساس الى عدم التكافؤ بين القطبين مما يجعل هذه العلاقة دائما لصالح الاقوى، وهو ها هنا الاتحاد الاوروبي طبعا. ان توحيد السياسة التجارية تجاه الآخر، وتنويع القاعدة الانتاجية لايجاد سوق بينية مشتركة تمتص الضربات الاقتصادية التي قد يحدثها موقف السوق الاوروبية في وجه المنتوج العربي كرفضه مثلا، سيعطي المجلس نوعا من القوة يستطيع بها ان يمحور علاقته بالآخر علاقة ندية بعيدة عن عقلية »انا المصنع« و»انت السوق«. ان اقصى ما يصنعه الوطن العربي اليوم، ومن بعض دول مجلس التعاون الخليجي انما هو مندرج في الانتاج عبر »الترخيص« »هَىَمكىج« لابتكار مسجل والكل يعرف في هذا المجال القيود التي تصاحب هذا المنع، بل ان الكثير من مؤسسات البحث التابعة للشركات الاقتصادية العملاقة اصبحت اليوم تكتفي ببيع نتيجة البحث المتمثلة في »الاستشارات الهندسية و»دراسات الجدوى« والتي لا تحتاج الى تجسيد لها في نماذج مصنوعة هذا ليتبين ان التجارة لم تعد مثلما كانت عليه في الماضي من تعامل مباشر بين البائع والمستهلك بعد ايجاد المنتوج. لقد اصبحت التجارة بيع ما قبل المنتوج، وعليه فإن دول مجلس التعاون لا يمكنها ان تمثل قطبا فاعلا ونديا لعلاقة اقتصادية ناجحة مع اوروبا الا بتوطين تكنولوجي يحررها من ابتزاز الآخر. ويذكر هولواي في هذا الصدد ان تنامي سيادة القطاع الخاص في الدول المتقدمة ومنها الاوروبية على نشاط البحوث والتطوير في التكنولوجيا الحيوية الحديثة، وزيادة قوة الشراكة بين القطاع الخاص والجامعات، قد يؤدي الى زيادة تكاليف حصول الدول النامية على نتائج البحوث العلمية والتي كانت في السابق متاحة كمنتجات حكومية ومن ثم فإن هذه الدول ربما تحتاج لأن تعود نفسها على فكرة التفاوض واستيراد ليس فقط التكنولوجيا الزراعية الجاهزة ولكن ايضا تكنولوجيا البحوث، من خلال القنوات التجارية. وتصبح مسألة توطين التكنولوجيا في دول مجلس التعاون الخليجي ممكنة لاسباب عدة، اهمها الامكانية المادية التي يوفرها الريع النفطي وثانيها طغيان المادية على المواطنة بما اعطى نموذجا للعالم المبتكر الذي لا وطن له، وبالتالي امكانية استقدام وتجنيس علماء عند العوز التخصصي. بقلم: محمد جربوعة _ باحث وصحفي جزائري مقيم بدمشق