رغم أن مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي يرتبطان باتفاقية للتعاون الاقتصادي بينهما تم توقيعها في عام 1988 في اطار الشراكة الاقتصادية بين الجانبين، فالملاحظ أن هناك العديد من العراقيل التي مازالت تعترض طريق تعزيز هذه العلاقات وأهمها انخفاض الاستثمارات الأوروبية بدول الخليج، والضرائب الأوروبية على صادرات مجلس التعاون من البتروكيماويات واستبعاد دول الخليج من مشروعات الشراكة الأوروبية المتوسطية، هذه العراقيل جعلت مستوى الشراكة بين الطرفين لا يصل الى المستوى المطلوب حتى الآن رغم توافر كل الشروط التي تحقق ذلك، ومن هنا يأتي حرص الطرفين على عقد اللقاءات المشتركة للتباحث في الكيفية التي يمكن أن يتم بها تطوير العلاقات الاقتصادية وآخرها القمة الخليجية الأوروبية التي استضافتها دبي يومي 9،8 أكتوبر الماضيين بمشاركة نحو 350 شخصية مرموقة من كلا الجانبين الخليجي والأوروبي بينهم بعض وزراء التجارة والاقتصاد في مجلس التعاون و بعض كبار المسئولين الأوروبيين.. (الملف) التقى د. حمدي عبدالعظيم مدير مركز البحوث الاقتصادية بأكاديمية السادات للعلوم الادارية، ومجدي صبحي الخبير الاقتصادي في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية لالقاء الضوء على مستوى الشراكة الاقتصادية والعلاقات التجارية بين الطرفين الخليجي والأوروبي، والكيفية التي تنظر بها دول المجلس الى مستقبل التعاون الاقتصادي مع أوروبا، والعراقيل التي تعترض تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، وموقف الولايات المتحدة من تنامي العلاقات الاقتصادية بينهما، واليورو كوحدة نقد أوروبية وامكانية أن يصبح اداة للتعامل المالي بين دول مجلس التعاون وأوروبا، وغيرها من الأمور الأخرى. قوة شرائية كبيرة بداية يرى د. حمدي عبدالعظيم مدير مركز البحوث الاقتصادية بأكاديمية السادات للعلوم الادارية أنه لو نظرنا لحجم التعامل والتبادل التجاري بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي لوجدنا أن الميزان التجاري ما زال في صالح أوروبا حتى الآن. فالاحصائيات تقول أنه خلال الفترة من 1988 حتى 1998 حققت أوروبا من تجارتها مع دول الخليج فائضا قدره 5.71 مليار وحدة نقد أوروبية، وأن هذا الفائض يزداد عاما بعد عام، فالدول الخليجية قوة شرائية كبيرة للمنتجات الأوروبية مثل السلع المعمرة والكهربائية وكذلك السلع الاستهلاكية وكل احتياجاتها ويساعدها في ذلك ارتفاع مستوى الدخل، في حين أن الدول الأوروبية لا تستورد إلا خام البترول، أيضا دول الخليج تعد مصدرا مهما للايداعات النقدية داخل البنوك ومؤسسات المال الأوروبية، في حين نجد ان الاستثمارات الأوروبية داخل بعض دول الخليج لا تتعدى بعض المشروعات المشتركة والتي تعتمد على التكنولوجيا الأوروبية في المناطق الصناعية، أي أن الميزان التجاري بين الطرفين يحتاج لبعض الاجراءات ولاعادة النظر حتى تكون هناك علاقات تجارية واقتصادية متوازنة وحتى لا يظل الميزان التجاري لصالح أوروبا. وعن الكيفية التي يتم بها ذلك يقول د. حمدي عبدالعظيم: ينبغي أن تكون هناك معاملة تفضيلية داخل أوروبا لمجموعة الدول الخليجية بالنسبة للمنتجات المنشأة وتم تصنيعها داخل الخليج بحيث يتم تصديرها الى أوروبا وليس مجرد قصر الصادرات الخليجية الى أوروبا على مجرد الخامات البترولية فقط، لأن تصنيع المنتجات يؤدي الى وجود قيمة مضافة يترتب عليها تشغيل واستغلال الموارد الخليجية وزيادة القدرة الذاتية في الانتاج وفي كافة أوجه النشاط الاقتصادي، كما يحتاج تحقيق التوازن في العلاقات الاقتصادية ومستوى الشراكة بين الطرفين الى وجود اتفاقية بينهما لتحديث النشاط الاتصالي والمعلوماتي والتكنولوجي وبحيث تساهم أوروبا في تطوير الصناعات الخليجية وتحسين جودتها وتطوير كل الأنشطة الاقتصادية الأخرى، أي انه لابد من أن يكون هناك دعم فني وعلمي أوروبي للجانب الخليجي، فضلا عن ضرورة أن يكون هناك تعاون مالي بين الطرفين وبحيث لا يظل الأمر محصورا في قيام الدول الخليجية بضخ ودائعها في البنوك الأوروبية، لابد أن يتم الاستفادة من جزء كبير من هذه الودائع والأموال في مشروعات انتاجية داخل دول الخليج وبالتعاون مع التكنولوجيا الأوروبية والادارة العلمية هناك لأن وجود الأموال الخليجية في البورصات الأوروبية يعرضها أحيانا للمخاطر، في حين أن وجودها في مشروعات انتاجية يجعلها في وضع آمن، كما يحتاج التعامل التجاري والاقتصادي بين الطرفين الى أن يكون هناك برنامج تعاوني لتدريب الأيدي العاملة حتى تزداد انتاجية القوة البشرية الخليجية بسبب استيعابها للتكنولوجيا الأوروبية، وتعاون اداري من خلال المدارس الأوروبية المعروفة مثل مدرسة الادارة الفرنسية، والأخرى الموجودة في كل من بريطانيا والمانيا، وأخيرا لابد أن تكون هناك اتفاقيات بين الطرفين لمنع الازدواج الضريبي وتخفيض الرسوم الجمركية أو ازالتها في بعض الحالات وبعض السلع، واعطاء تيسيرات فيما يتعلق بالاجراءات الادارية الخاصة بخروج ودخول رؤوس الأموال والسلع الخليجية. سلة العملات الاحتياطية وفيما يتعلق بامكانية أن يصبح اليورو كوحدة نقدية هو اداة التعاملات المالية بين دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا يوضح د. حمدي عبدالعظيم أن اليورو تم التخطيط لأن يتم تداوله في السوق في عام 2002 وأنه ورغم أن التكهنات كلها تشير الى قوة هذه العملة الجديدة، فإنها لن تستطيع زحزحة الدولار عن عرشه وقد وضح منذ الآن أنه لن يستطيع أن يكون في مركز الصدارة فقد حقق تراجعا أمام الدولار العملة الأقوى والمقبولة للدفع في أي منطقة في العالم، اليورو يمكن أن يكون مستقبلا أحد المكونات الأساسية في سلة العملات الاحتياطية العربية والخليجية الى جوار الجنيه الاسترليني والدولار، أما أن يحتل الصدارة فهذا أمر مستبعد. وعن موقف الولايات المتحدة من تنامي العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون والمجموعة الأوروبية يرى د. حمدي عبدالعظيم أن المصالح الاقتصادية والتجارية هي أكثر ما يهم الولايات المتحدة فهي تريد أن تكون منطقة الخليج سوقا لمنتجاتها، وعموما الولايات المتحدة فرصتها أفضل بسبب الدور السياسي الذي تلعبه في المنطقة وهو ما جعلها تفوز بنصيب الأسد بالنسبة للاستثمارات في دول الخليج، ولكن مع ذلك تظل المنافسة هي التي تحكم، فالطرف الذي يقوم باعطاء مزايا تفضيلية هو الذي يستطيع الاستحواذ على السوق الخليجية. ويلخص د. حمدي عبدالعظيم العراقيل التي مازالت تعترض تعزيز العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون والمجموعة الأوروبية في الضرائب الأوروبية على الصادرات من مجلس التعاون من البتروكيماويات فما زالت دول الاتحاد ترفض تخفيض الجمارك عليها، وضريبة الكربون على النفط التي تقضي بفرض ضريبة على مصادر الطاقة بنسبة 50%، واستبعاد دول الخليج من مشروعات الشراكة الأوروبية المتوسطية، اضافة الى اصرار الاتحاد الأوروبي على تعطيل الاجراءات الخاصة باقامة منطقة للتجارة الحرة بين الطرفين وفقا لما تم الاتفاق عليه في عام 1988 فالموقف الأوروبي مازال حتى الآن يخلو من المرونة في هذا الشأن. التجارة العادلة والحرة أما مجدي صبحي الخبير الاقتصادي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية فيعتقد أن الطرف الأوروبي هو الأكثر حرصا الآن على وجود قنوات اتصال وشراكة مع دول الخليج وخاصة في ضوء التطورات الأخيرة والمتعلقة بارتفاع أسعار النفط، لقد كانت الدول الأوروبية طوال فترة الثمانينيات ضد الصادرات الخليجية وخاصة من البتروكيماويات وساعدها على ذلك فقدان الدول العربية لنفوذها في سوق النفط العالمي خلال تلك الفترة، وبالتالي صارت العلاقة بين الطرفين الخليجي والأوروبي تسير على منوال واحد صادرات أوروبية من مختلف السلع والمنتجات، في حين تتركز صادرات دول الخليج الى أوروبا على النفط الخام فقط، ولكن بمرور الوقت ومع ارتفاع أسعار النفط واستعادة دول الأوبك لنفوذها في الأسواق الدولية وخاصة الدول الخليجية لذلك طفت على السطح خلال الفترة الأخيرة ضرورة أن يكون هناك حوار أوروبي خليجي في محاولة أوروبية لاقناع الدول الخليجية بزيادة انتاجها وصادراتها من النفط وخصوصا أنه لا توجد طاقة فائضة لانتاج المزيد من النفط سوى في السعودية والامارات والكويت، والى حد ما في فنزويلا وايران، ومن هنا فالنفط سيظل أهم الموضوعات على جدول أعمال أي قمة أوروبية خليجية. وعن مستوى العلاقات التجارية بين دول مجلس التعاون وأوروبا يرى مجدي صبحي أننا لابد أن نفرق بين التجارة العادلة والتجارة الحرة، فأوروبا ترغب في وجود تجارة حرة بينها وبين دول الخليج وليس تجارة عادلة، بمعنى أنها تدعو الى فتح الأسواق الخليجية أمام منتجاتها حيث تتمتع بمزايا تنافسية كبيرة في أغلب المنتجات المصنعة والمنتجات الزراعية في مواجهة دول الخليج، فعلى سبيل المثال فهي تدعو لفرض معايير وضوابط عندما يكون الأمر متعلقا بصناعة يتمتع فيها الآخرون بمزايا كبيرة مثل صناعة البتروكيماويات الخليجية حتى تضعف فرصتها في التصدير اليها، وبالتالي اذا ما كنا نريد أن تكون هناك تجارة عادلة لا حرة بين الطرفين، فإن هذه التجارة ينبغي أن تعمل في صالح الطرفين وأن تؤدي الى تنمية القطاعات الاقتصادية التي يتمتع فيها الخليجيون بمزايا تنافسية نتيجة لأي من الأسباب مثل توافر الموارد الطبيعية أو رخص الأيدي العاملة أو غيرها من الأسباب، ومن هنا فإن فرض قيود حمائية تحت دعوى الحفاظ على البيئة أو عدم مطابقة شروط العمل في الدول الأخرى للمعايير الدولية وخاصة فيما يتعلق بعمالة الأطفال، فهذا في الواقع يؤدي الى الابتعاد عن التجارة التي تحقق مصالح الأطراف المختلفة. ضعف اقتصادي نسبي وحول امكانية أن يصبح اليورو كوحدة نقدية اداة التعامل المالي بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي يقول مجدي صبحي: اليورو كان في البداية مطروحا ليس فقط كعملة أوروبية ولكن كعملة دولية، بمعنى أن الكثيرين توقعوا أن يحل اليورو ولو في حدود محل عملات الاحتياط الدولية الأخرى مثل الدولار أو الين الياباني، بل ان بعض البلدان مثل تايوان على سبيل المثال سارعت الى تغيير جزء من احتياطاتها النقدية من الدولار الى اليورو ولكن الضعف الاقتصادي النسبي في أوروبا الموحدة وخاصة في الدول التي اعتمدت اليورو كعملة وخاصة بالمقارنة مع الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية، أدى الى ضعف قيمة اليورو مقابل الدولار، وهو ما أدى بالتالي لبعض التردد في الاقبال على استخدام اليورو، ولكن على الرغم من ذلك فالمتوقع على المدى الطويل ألا يستمر الوضع على ما هو عليه ولابد أن يكتسب اليورو تدريجيا مكانته في الأسواق وخاصة بعد أن يصبح في أيدي المواطنين الأوروبيين كعملة متداولة خلال العام بعد المقبل. وعن موقف الولايات المتحدة من تنامي العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج والمجموعة الأوروبية يشير مجدي صبحي الى أن التنافس الأمريكي الأوروبي على الأسواق في مختلف مناطق العالم هو أمر عادي، فكل طرف يعرض ما لديه من بضائع وتكنولوجيا وما الى ذلك والآخرون يقبلون على ما يناسبهم، ولكن الوضع في منطقة الخليج له طبيعة خاصة، وأن الأوروبيين هم المستهلكون الرئيسيون لهذا النفط ومن هنا فإن الولايات المتحدة لها وضع متميز اجمالا من الناحية الاستراتيجية ولكن على مستوى التجارة سنجد أن أوروبا في وضع أفضل من الولايات المتحدة فيما يتعلق بالفائض التجاري. القاهرة: مكتب البيان