يعتبر المراقبون الموسم الانتخابي الرئاسي الامريكي الحالي حافل بالاثارة والمفاجآت من اي موسم انتخابي شهده الامريكيون منذ ثلاثة عقود على الاقل.. ووجوه هذه الاثارة كثيرة تبدأ بأن كلا المرشحين شابان نشيطان, وان كليهما من ابناء الجنوب الامريكي, وابنين لسياسيين سابقين, وأحدهما اصر على استصحاب احد مساعدي ابيه نائبا له, أما الآخر فقد فضل ان يخترق صفحات التاريخ بتعينه لأول مواطن يهودي في منصب نائب الرئيس. ما هي اسباب التأرجح؟ كانت تلك العوامل من بعض سبب ذلك التأرجح المتتابع للمواقع الانتخابية للمرشحين, طوال الاسابيع الماضية فعندما اعلن آل جور عن ترشيحه لليبرمان نائبا له اخذت اسهمه السياسية ترتفع اطرادا, حتى ظن البعض ان تلاعبا ما اخذ يطرأ على اجهزة رصد الرأي العام, توجها مع خدمة حظوظ هذا المرشح اليهودي الذي يدخل السباق لأول مرة, ولكن تتساوق عدة أجهزة لرصد الرأي العام, لعدة اسابيع, في احراز نتائج متشابهة بدد ذلك الظن, بل بدا للكثيرين ان تلك نتيجة الانتخابات النهائية, قد حسمت لصالح آل جور ونائبه, وهكذا تحول الظن الى يقين, وبدأ الكثيرون يعيدون حساباتهم للتعامل مع هذا الرئيس الجديد ونائبه اليهودي. ولكن تدريجيا اخذت الموازين تتأرجح لتعود فتتوازن, فإذا بإبن بوش المدحور يكاد يوازي صاحبه في السباق, والآن لا يستطيع احد ان يؤكد على وجه اليقين من منهما يتقدم صاحبه في ذلك السباق, فقد افاد الاستطلاع الاخير الذي اجرته صحيفة (لوس انجلوس تايمز) ان نحو 22% من الناخبين الذكور سيصوتون لبوش الابن, الامر الذي دفع به الى المقدمة, اذ اصبح يحرز 48 نقطة, مقابل 42 نقطة لآل جور, ولكن بما ان هناك احتمالا خطأ بالزيادة او بالنقصان بمعدل اربع درجات, فإن المتسابقين قد يكونان متساويين تقريبا في حساب النقاط. وما لم يسجل احد المرشحين تقدما ملحوظا خلال الاسبوع المقبل فستظل حالة التساوي تفرض نفسها, وتزيد من اثارة المشهد الانتخابي بصورة لم تتكرر في عهد قريب, هذا التقارب في السجال ربما عزى الى عدم وجود خلاف اساسي في البرامج الانتخابية لكل من المرشحين حيث اخذ كل منهما ينافس صاحبه ويزايد عليه في تبني مذاهبه وآرائه, وهذه نسبة صحيحة ولكنها لا تفسر كل غوامض الموضوع. ان النواحي الموضوعية لم تعد وحدها هي العوامل الحاسمة في توجيه الناخبين للتصويت لهذا المرشح او ذاك. وأهم العوامل الموضوعية التي كانت تحسم الخيار الانتخابي هو العامل الاقتصادي, الذي اصبح شبه غائب, فالأداء الاقتصادي الجيد للمجتمع الامريكي خلال الثمانية أعوام الماضية, ادى الى تناسي هذا العامل, والاعتقاد بأن هذا التنامي الاقتصادي سيستمر لفترة طويلة مقبلة, بغض النظر عمن سيتولى الحكم حينذاك واما القضايا المحتدمة التي ميزت سابقا التنافس الانتخابي بين كلينتون وبوش الاب, ثم بين كلينتون وبوب دول كقضايا الاجهاض وحقوق الشواذ... الخ اصبحت وكأنها قضايا محسومة لا يطرقها الناس بذات الحماس القديم. الارتباطات الايديولوجية وتلاشت سطوة اليمين الديني الذي كان الليبراليون يخشون بأسه وتقدمه المتسارع, وها هو بوش الابن يحاول ألا يربط نفسه به, خشية ان يكون ذلك الارتباط ذا اثر سلبي على وضعه الانتخابي وسط الليبراليين والمعتدلين, وبعد ذلك فإن بوش الابن يعتقد انه قد وضع دهاقنة اليمين الديني وعلى رأسهم بات روبرتسون رئيس التكتل النصراني في مأزق, فهم سيجدون انفسهم مضطرين لمجاراة برنامجه الانتخابي, الذي حدده هو, ولم يترك لهم كما ترك لهم في الانتخابات الماضية بوب دول امر تحديده وتفصيله على هواهم. وفي الاسبوع الماضي تجرأ بوش الابن على ما لم يتجرأ عليه من قبل ابوه وما لم يتجرأ عليه اي زعيم جمهوري بارز من قبل اذ قام بتجاهل ومقاطعة المؤتمر العام السنوي لتنظيم التكتل النصراني, ولكن كانت المفاجأة ان المؤتمرين جمعوا ملايين الدولارات لدعم الحملة الانتخابية الجمهورية, ثم قام روبرتسون باسداء نصائحه من على البعد لبوش الابن مقترحا عليه ان يبدي قدرا اكبر من التشدد في المبارزة مع آل جور بمثل ما بارز أبوه من قبل المرشح الديمقراطي دوكاكس, ثم عقدت منظمة (العمل السياسي للقيادة المحافظة) مؤتمرها الذي لم يظفر ايضا باهتمام بوش الابن, ولكن قام المؤتمر ايضا من جانبه بإعلان دعمه للمرشح الجمهوري وان كان قد عاتبه على عدم جهارة صوته في نقد فساد آل جور. آل جور على المقابل يسعى للتقارب مع الحركة الصهيونية والرأي العام اليهودي اليقظ وتكتل ايباك والمنظمات اليهودية الرئيسية, ويبدو آل جور وهو غير عابىء بما تخبئه له الايام المقبلة من جراء ولهه وتعلقه المتطرف بالاذيال اليهودية وقد جنح بعض المحللين الى الربط ما بين تنازل نقاط آل جور الانتخابية اخيرا, وما بين اعادة كثير من المواطنين التفكير في شأن هذا الارتباط اليهودي المتشدد لا سيما عندما اندلعت اخبار مارتن انديك الذي يضغط الكونجرس حاليا لأجل التعامل معه بصراحة وعدم لفلفة موضوعه وتناسي ملفه بسبب خلفيته اليهودية, ان ما يهم اعضاء الكونجرس هو موضوع اختراق الامن القومي الامريكي الذي كانت لجنة الامن بكل من مجلس النواب والشيوخ تتباهى بمتانته وسلامته من الاختراق الا حوادث التجسس على البيت الابيض ووزارة الخارجية بدت اكثر من مقلقة لان التجسس في الماضي كان ينحصر في اختراق دوائر الـ ءة ووزارة الدفاع, اما الآن فقد اصبحت وثائق مجلس الامن الامريكي نفسها في يد القوى الخارجية. ومارتن انديك ليس يهوديا فقط بل هو استرالي الجنسية وكان يعمل في اجهزة الاستخبارات الاسترالية وقبل ذلك كان يحمل الجنسية الاسرائيلية وكان مجندا في جيش الدفاع الاسرائيلي. وحتى عندما قدم الى امريكا, ودرس بها واقام, وأنشأ معهد واشنطن لأبحاث شئون الشرق الادنى, فإنه رفض ان يحمل الجنسية الامريكية, وسجل نفسه قانونيا كعميل لدولة اجنبية. لكن كل هذه الخلفية جرى تجاهلها وتم تعينه سفيرا لواشنطن بتل ابيب وقبل ذلك باسبوع واحد فقط صدر قرار بمنحه الجنسية الامريكية. الجرح الغائر الذي سببه انديك للضمير السياسي الامريكي, لم يمنع آل جور من تماديه في استرضاء اليهود الامريكيين فهو يبدو هنا على العكس من موقف بوش الابن في تباعده عن اليمين الديني الامريكي الذي خشي من الاثر السالب في تراجع شعبية آل جور وتصاعد شعبية بوش الابن. الجدال المتلفز لكن على مدى شهر واحد هو ما تبقى من اجل الانتخاب لا يمكن توقع اتساع زاوية الرؤية تلك, بما يمكن من تحليل الموضوع بشكل كامل, لذا يبقى العامل الاكبر لحسم موضوع التنافس الانتخابي, هو عامل الجدال الانتخابي المتلفز بين بوش الابن وآل جور وهو جدال لا يستمر لأكثر من تسعين دقيقة, ولكن يشهده نحو 75 مليون مواطن, ولا ادري لماذا ينتظر الناس بكل الترقب موعد ذلك الجدال, ليحددوا آراءهم التي ينبغي ان تكون قد تحددت خلال عام كامل من الجدال غير المباشر بين المرشحين, ولكن هذه هي عادة كثير من الناخبين الذين لا يهتمون الا بمشهد المبارزة والمصارعة بين الآراء وفي الواقع فإن المبارزة ستكون خلال الجدال المقبل هي بين شخصين, لا بين ارائهما التي هي آراء معروفة سلفا. المهم الآن هو طريقة ابداء الآراء, والمدافعة عنها, وتسديد لكمات فكرية وربما لفظية الى الخصم, وهذا ما يثير الكثيرين, وفي سياق كهذا يبدو ان التوفيق سيصيب آل جور فهو ذو عارضة اقوى, في الفكر, والثقافة, والتجربة, والفصاحة في القول, واذا ما تحدد مصير المعركة الانتخابية بناء على ذلك فيكون الامريكيون قد حددوا شخصية رئيسهم المقبل وفق معايير جدلية لا موضوعية. د. محمد وقيع الله