لايزال الدين ضمير الحركات الثورية في أقطار العالم الثالث. لعل هذا أبرز ما جددت التأكيد عليه هذه الهبة الشعبية المباركة, التى اندلعت قبل اسبوع, في أجزاء متفرقة من فلسطين, بأقسامها الثلاثة الضفة الغربية, وقطاع غزة, وفلسطين المحتلة منذ 1948. في الوقت الذى عجز فيه صلف الاحتلال وإرهابه , وقتل الأبناء , والضائقة الاقتصادية التى أخذت بأعناق أهالى الضفة والقطاع, الى التفشى الوبائي للفساد, والغياب المرير للديموقراطية, عجزت كلها عن تفجير هبة, أو انتفاضة شعبية, برغم السخط الشعبى المتنامى في اطراد, الذى أحدثته تلك الانتهاكات. لكن ما أن داس مجرم الحرب, آرييل شارون أرض المسجد الأقصى, حتى انفجر الغضب الشعبى في وجه الاحتلال مسترخصا الأرواح, دفاعا عن المقدسات. وإن كان صحيحا أن هذا الانفجار قد استقوى بأسباب السخط المتراكم إياها. القدس خط أحمر الى ذلك شددت تلك الهبة على أن أمر القدس ليس هينا, بل إنه خط أحمر مستعص بل مستحيل على التفريط. علما بأن تأجيل البت في قضية هذه المدينة المقدسة مرادف للتفريط, أيضا. لقد تأخر كثيرا تنفيذ القانون الدولى وقرارات الشرعية الدولية, القاضية بالانسحاب الكامل من الأراضى العربية, التى سبق الصهيونية أن احتلتها, خلال حرب يونيو ,1967 مما نص عليه حتى (اتفاق أوسلو) سيء الصيت, الذى سبق توقيعه في حديقة البيت الأبيض, قبل سبع سنوات, وهو الاتفاق الذى تضمن تنفيذ الانسحاب الاسرائيلى من الضفة والقطاع, وتحقيق الدولة الفلسطينية, في مايو 1999 أى أن المماطلة الاسرائيلية في شأن الانسحاب من كل الضفة والقطاع أضعفت كثيرا موقف دعاة التسوية السلمية مع العدو الصهيونى في الأوساط الفلسطينية, فيما أعلت تلك المماطلة بالتالى من شأن دعاة الحسم العسكري مع هذا العدو المماطل, المتغطرس, الذى لا يفهم الا لغة القوة, على النحو الذى أكدته, مجدداً, المقاومة اللبنانية, بعد أن اضطرت هذا العدو المتغطرس الى أن ينفد بجلده, تاركا وراءه عناصر في جيشه, ومن جنوده (جيش لبنان الجنوبى) العميل, في تلك الأراضى التى انسحبت منها قوات ذلك العد مجبرة. لغة القوة حتى معارضي غطرسة العدو بين ظهرانيه, نراهم يشددون على أن إسرائيل لا تفهم الا لغة القوة, وهذا أحد أولئك المعارضين (لطيف دورى) يناشد العرب بإرسال من خمسة الى عشرة نعوش, يوميا, الى إسرائيل , تتضمن جثثا لجنودها. فهذه هى الطريقة الوحيدة التى تزرع بذور حركات سلام حقيقية في إسرائيل , مؤهلة للضغط على الحكومة والكنيست الإسرائيليين, في آن معاً, لتحقيق الانسحاب الكامل السريع. أما اتفاقات الإذعان, التى استمرأنا عقدها مع هذا العدو, فلا تزيده إلا غطرسة, فيما يضع يديه وقدميه في الماء البارد! الذئب الراعي لعل ماجرى في الضفة, والقطاع, وفلسطين المحتلة, قد أثبت لمن لا يرون إلا بجباههم, بأن الادارة الأمريكية ذئب في ثوب راع للمفاوضات, ذئب يرعى الغنم مع عدونا الصهيونى, ويبكى مع صاحب الغنم على ما يسرق من أغنامه, لكن هيهات للعم سام أن يضلل أحدا بدموعه هذه. ثم ما هذا الصمت الذى لاذت به الأمم المتحدة, وأمينها العام, كوفي عنان, الذى كان يقطع نومه, ليدين بتصريحات نارية ملتهبة المقاومة الوطنية المشروعة ضد المحتل الصهيونى, إذا ما (تجرأت) تلك المقاومة وجرحت مشاعر أى محتل, ويتوالى كبار المسئولين الغربيين, في أذيال عنان, ينعقون كالبوم, وكأن من حق الصهاينة استباحة الأرض والإنسان العربيين, فيما المقاومة التى تحتمها كل الشرائع السماوية والأرضية بمثابة (إرهاب) ضد من يمارس حق الغزو, في امتداد بشع للحضارة الامبريالية الغربية. الصمت العربى أما اقليميا, فقد ران صمت القبور على معظم الحكام العرب, فيما أصدر من نطق منهم بلاغات محسوبة, لا تسمن ولا تغن من جوع, بل هى من باب (رفع العتب), وبما لا يزعج السيد القابع في البيت الأبيض. وإذا كان هذا حكم الأنظمة, فما بال الشعوب لم تتحرك, في غضب, ضد هذا القتل بالجملة, وبدم بارد, وعلى ذاك التدنيس المتعمد لأولى القبلتين, وثالث الحرمين الشريفين, ومعرج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؟! أم أن شيئا لم يعد يهم, أو يجرح مشاعر العرب بمسلميهم ومسيحيهم؟! إن صمت الوطن العربى, والعالم الإسلامى أنظمة وشعوبا يأتى انتصارا للعدو الصهيونى, وللانهزاميين في الحكم الذاتى, الذين يبذلون قصارى جهدهم لتخليص كارثة باسم (القرار الفلسطينى المستقل), وأخرى بإطلاق صراخ: (يا وحدنا)!! للتعبير عن مدى غياب التضامن العربى الرسمى والشعبى, على حد سواء ولتبرير الارتماء في أحضان أعداء الأمة, والاذعان لارادتهم. بينما القرار الفلسطينى ليس مستقلا الا عن الشعب الفلسطينى, وأمته العربية, بعد أن تم ايداع هذا القرار رهينة لدى الحكومة والكنيست الإسرائيليين, بمجرد التوقيع على (اتفاق أوسلو), ولا يزال. هبة قابلة للتثمير إن ثمة سانحة ذهبية أمام سلطة الحكم الذاتى, عليها الا تدعها تفلت منها, دون أن تثمرها, والا (ضاع الجلد والسقط) على مايقول أهلنا الطيبون, في مثل هذه المواقف الحاسمة. إننا أمام كنز ثورة حقيقى, يتمثل في الاستعداد اللامتناهى للتضحية, الذى تبديه جماهير الشعب العربى الفلسطينى في مناطق فلسطين الثلاث, فيما ثمة مؤشرات قوية على مدى تململ الأمة العربية تحت قيود الكبت والاستبداد. فيما ترنو معظم الأنظمة العربية بأبصارها الى (البيت الأبيض), في حرص شديد على ألا تدق طبول الحرب, فتهز الموقف الانتخابي لرئيس وزراء العدو الصهيونى, ايهود باراك, أو تسقط القفاز الحديدى من فوق قبضته الحديدية, فيضطر الى أن يزيح قناع الحمامة عن جسد الصقر , ويحرج الأنظمة العربية الحريصة على عدم وصول (الليكود) الى الحكم في الكيان الصهيونى, وهو الحزب الصهيونى الذى لا يراعى مدى حرج أنظمة الصمت العربى, فيلاحقها بالتصريحات والأحاديث الصحفية الاستفزازية, الأمر الذى لطالما تجنبه ( حزب العمل ) الصهيونى, وقادته. ماذا عن المستقبل؟ صحيح أن هبة الأقصى لن تتطور الى انتفاضة شعبية, بل بسبب افتقاد شروط اندلع مثل تلك الانتفاضة, وفي مقدمتها رهن البديل الوطنى في أراضى الحكم الذاتى, المتمثل في حزب فاعل, يمتلك قيادة جسورة, قرأت جيدا واقعها المحلى, والاقليمى, والدولى, فضلا عن واقع أطراف معسكر الاعداء, بما يؤهل تلك القيادة لاجتراح برنامج سياسى واضح وسليم, ويؤكد بدقة وحسم, من جديد على الهدف الاستراتيجى, الذى غاب عن حركتنا الوطنية, منذ ما يربو على ربع القرن (تحرير فلسطين). فيما يحدد هذا البرنامج , تحديدا, صحيحا, أطراف معسكري الثورة والاعداء, ويضع البرنامج نفسه نصب عينيه ضرورة اشاعة الديموقراطية في كل جنبات حياتنا, فضلا عن الحاح الوحدة الوطنية, التى غابت, تماما, منذ أكثر من عقد. غنى عن القول بأن مثل هذه الشروط تظل عارية أمام عدو الأمة, بدون الموقف العربى القوى الموحد, الذى يستحيل بدون تطبيع العلاقات العربية العربية, وبدون تحقيق التضامن العربى, الذى توارى منذ أكثر من عقد بالتداعى مع حرب الخليج الثانية (1990 ـ 1991) ومثل هذا الشرط في حاجة الى الاستقواء بموقف إسلام, طال انتظاره في مواجهة الصلف الصهيونى, المعزز بالبلطجى العالمي, الذى تخفى في ثوب شرطى, يدير ظهره للص, فيما يطالب المسروق بتقديم مزيد من التنازلات للص, الذى استمرأ السطو على حقوق المجنى عليه, وأراضيه الى ذلك تستطيع رئاسة سلطة الحكم الذاتى إن هى أرادت أن تثمر هبة الأقصى, لتتخلص ممن أسمتهم نشرة (فتح) الداخلية, قبل سنتين, بـ (جنرالات اسرائيل في أجهزة أمن الحكم الذاتى). وهم الذين استمرأوا تقييم الخدمات الأمنية للعدو الصهيونى, ضد المقاومة والمقاومين الوطنيين, وآخرهم محمود أبوهنود. مما يحتم وقف امداد العدو الصهيونى بالمعلومات عن المقاومة الوطنية في مناطق الحكم الذاتى, تحت العنوان التضليلى (التنسيق الأمنى)! كما أن الهبة نفسها تصلح محطة لتطهير دوائر الحكم الذاتى من الفساد المتفشى هناك وبائيا, والذين تتذرع بعض قادة الحكم الذاتى بأن ذاك الفساد غدا وحشا يستحيل ضربه, أو حتى تقليم أظفاره, ناهيك عن ضروة التحرك السريع لوضع حد نهائى للقمع, والاستبداد, قبل ضرورة استحداث مرجعية ائتلافية وطنية فلسطينية للمفاوضات, بدل اتكاء تلك المفاوضات على فرد وحيد, واقتصارها على لون واحد, هو لون أوسلو المقيت. بدون هذا كله, ستذهب دماء شهدائنا هدرا, مما يضاعف أسباب الإحباط لدى شعبنا, تلك تقتضى مقالا آخر, ليس هذا أوانه. بقلم: عبد القادر ياسين كاتب فلسطيني ـ القاهرة