الانتفاضة الفلسطينية بكل اشكالها وصورها هي جزء من الواقع الذي عاشه ومازال يعيشه الشعب الفلسطيني, واذا كانت الانتفاضة الكبرى التي استطاعت قبل اتفاق اوسلو ان تحقق معجزة (الحجر السياسي), فان الانتفاضة الحالية ستحقق معجزة الحجر مقترنة بسلاح الشرطة الفلسطينية التي انضمت الى اهلها تدافع عنهم وتقاوم من اجلهم, وهذه الصورة ليست بالصورة العاطفية بقدر ماهي حقيقة ناتجة عن الوعي السياسي الذي صار ملازما للشارع الفلسطيني المتابع بدقة لما يجري بين اوراق المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية سواء منها ما يكتب في كتاب مفتوح او ما يخبأ خلف الظهور وفي بواطن الكتب التي اصبحت تثير القلق وتوسع دائرة الشكوك, خاصة ان الموضوع بدأ يأخذ المقدسات الفلسطينية الدينية ضمن لعبة المفاوضات وخفايا اسرارها. العاصفة التي تسبق لقد طرح موضوع القدس على اوراق المفاوضات بشكل واضح وواسع في قمة كامب ديفيد الثلاثية, وكان هذا الموضوع وبلاشك سببا رئيسيا في فشل القمة اضافة الى موضوع اللاجئين والمستوطنات, واذا كانت السلطة الفلسطينية قد تمسكت بهذه القضايا فهي تعرف تماما ان اسرائيل تضع الخطوط الحمراء امام القدس التي مازالت تعتبرها عاصمة لها رغم كل القرارات الدولية. وبفشل قمة كامب ديفيد وتصريحات الادارة الاسرائيلية التي تتجاهل السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني معا اضافة الى الضمير العربي والاسلامي وحتى المسيحي, صارت قمة الفشل هي قمة الاحتقان في الشارع الفلسطيني الذي عبر عن وضعه مسئولو السلطة بتحذير اسرائيل مرارا من حصول مواجهات لن تتحملها اسرائيل كونها المسئولة عن فشل المفاوضات اضافة الى فشل السلطة في اعلان الدولة نتيجة الضغط الامريكي اولا والعالمي ثانيا, وازداد الامر تعقيدا حينما اعلنت الادارة الامريكية وهددت بقطع المساعدات عن الاراضي الفلسطينية اذا ما اعلنت الدولة من طرف واحد وكانت قد هددت بنقل السفارة الامريكية الى القدس الشرقية. وامام هذا المشهد يبدو ان الانتفاضة الجديدة قد تأخذ شكلا مختلفا عن سابقتها, وهذا الشكل يتمثل بمجموعة الظروف الجديدة التي تعيشها المناطق الفلسطينية, فنحن امام نمط يختلف سياسيا وحتى عسكريا فاسرائيل استخدمت طائرات مروحية اضافة الى بعض انواع الصواريخ وهذا الاستخدام دلالة واضحة على تخوف الجيش الاسرائيلي الذي عرف تماما شكل المواجهة المقبلة. ومن اهم اشكال الاختلاف الجديد ان اراضي السلطة الفلسطينية صار فيها قوات امن مسلحة لم تقف مكتوفة الايدي بل ساعدت في انتفاضة الحرم بكل قوتها, اضافة الى ذلك فان بعض افراد الشعب الفلسطيني لابد ان يظهر في هذه المرحلة سلاحه المخبأ منذ عقود وقد يكون منذ الاحتلال العثماني او الانجليزي لفلسطين؟! حسابات تحريضية بدأت الاتهامات تأخذ شكلا تبادليا بين السلطة الفلسطينية واسرائيل حول المحرض الرئيسي لهذه الانتفاضة, فقد جاء على لسان شلومو بن عامي وزير خارجية اسرائيل بالوكالة: ان السلطة هي من نظمت هذه الاحداث, للضغط على اسرائيل كي تعود الى المفاوضات, ولعله يقصد من وراء ذلك اضعاف صورة السلطة الفلسطينية امام الرأي العام وبشكل خاص امام الادارة الامريكية التي تتهم السلطة ايضا بفشل المفاوضات رغم انها ليست بريئة من اشاعة القلق الفلسطيني حينما اعلنت مهددة نقل سفارتها للقدس وقطع المساعدات عن الفلسطينيين اذا ما اعلنوا دولتهم من جانب واحد. ولكن الواقع هنا يختلف كثيرا, فمن حق السلطة اذا كانت تأخذ المسعى الوطني في حسابها ان تنظم عمليا مظاهرات تطالب بحقوقها, وبالطبع فان هذا الامر مستبعد امام الصورة السياسية العامة للمفاوضات. فكيف يمكن لنا ان نفسر الانتفاضة؟! بعيدا عن المفهوم الواقعي للظروف التي دعت الشعب الفلسطيني الى هبته؟! هناك لعبة سياسية اسرائيلية لم تتوقع عقباها وتنطلق هذه اللعبة من داخل الصراع الحزبي الاسرائيلي, فزيارة ارييل شارون لساحة المسجد الاقصى والتي فجرت الغضب الفلسطيني كانت تسعى الى بلورة موقف شعبي اسرائيلي من زعيم الليكود المتطرف شارون الذي تظاهر بالبقاء امام حائط البراق, واذا تساءلنا عن مضمون هذه الزيارة الاستفزازية فاننا يمكن ان نقرأها من خلال الظروف التي يعيشها (شارون, نتانياهو, باراك) فالزيارة جاءت بعد كف الملاحقات القضائية لرئيس الوزراء الاسرائيلي السابق وزعيم الليكود بنيامين نتانياهو مما يعطي للاخير اشارة خضراء للمرور والعودة الى حزب الليكود وتزعمه خاصة مع احتمال انتخابات مبكرة لرئاسة الوزراء وطموح نتانياهو في العودة, فكانت تلك الزيارة لتحسين صورة شارون امام الاحزاب اليمينية الدينية المتطرفة التي تعلن تحديها لموقف باراك من عملية السلام وما يشاع عن تقسيم القدس او وضعها في اطار دولي. ولعل ذلك يتوضح بصورة عملية من خلال استطلاعات للرأي اجرتها مؤسسة (داهاف) المستقلة ونشرتها صحيفة (يديعوت احرونوت) حيث ترى ان نتانياهو وباراك كانا متعادلين للفوز برئاسة الوزارة بنسبة 42% لكل منهما ولكن بعد كف الملاحقة القضائية عن نتانياهو وزوجته سارة المتهمين بالفساد فحصل نتانياهو على نسبة 47% من الاصوات مقابل 43% لرئيس الوزراء الحالي ايهود باراك. وفي طرف آخر اعتبر مناصرو حزب الليكود ان نتانياهو اوفر حظا من شارون للفوز بالانتخابات حيث صوت 74% لنتانياهو مقابل 12% لشارون والنسبة الباقية لمرشحين محتملين. ومن هذا المشهد الصراعي نرى ان زيارة شارون الى ساحة القدس كانت ترمي الى هدفين الاول هو كسب الاصوات لصالحه بترسيخ الفكر اليميني الذي بدأ يظهر بوضوح, والثاني تقديم نفسه على نتانياهو الذي بدأ يرعبه اذا ما عاد الى زعامة الحزب والوزارة, فبذلك يكون صراع شارون داخلياً في حزبه وشمولياً ضد باراك ونتانياهو, وان لم يكن ذلك فكيف نفسر هذه الزيارة الاستفزازية! وخاصة ان باراك نفسه لم يستبعد اتفاق سلام مع الفلسطينيين يؤجل حسم قضية القدس اذ قال في حوار اجري معه مؤخرا: الفكرة اننا اذا تمكنا من الاتفاق على كل شيء باستثناء القدس فقد يكون من المنطقي التوصل الى اتفاق ينهي الصراع.. ويترك امرا واحدا كالقدس مثلا. ورغم تأكيد السلطة الفلسطينية رفضها مثل هذا الاتفاق الا ان الحسابات الحزبية الاسرائيلية تعتبر ذلك خطيرا وموجها ضدها من باراك وبالخصوص ضد شارون ونتانياهو, ولكن كل هذه الاطراف لم تتوقع ذلك الغضب الفلسطيني المشرف, ولم تجد سوى مواجهته بكل اشكال القوة والعنف بل ان وزير الخارجية بالوكالة شلومو بن عامي وهو ايضا وزير الداخلية هدد بتطبيق القوانين الاسرائيلية للحد من حركة الفلسطينيين باتجاه المسجد الاقصى وجاء (داني نافيه) عضو الكنيست الليكودي ليهدد بشن حرب ساحقة ضد الفلسطينيين داعيا الى ربط استئناف المفاوضات بوقف المواجهات؟! بينما دعا ايهود باراك السلطة الفلسطينية للسيطرة على المتظاهرين وقال ان حكومته تمارس اقصى درجات ضبط النفس؟! والكل يعرف ضبط النفس عند حكومة باراك وجيشه الذي فتح النيران الحقيقية على الشعب الفلسطيني؟! الحوار الوطني انتفاضة الحرم ليست الاولى ولن تكون الاخيرة ولعلنا نتذكر هنا بعض الهبات التي حصلت في القدس وتحديدا في القرن العشرين ابتداء من صدامات (النبي موسى) في ابريل عام 1920 وصدامات عيد المسافر في مارس عام 1924 وهبة البراق الكبيرة في اغسطس 1929 اضافة الى هبات مارس واكتوبر عام 1923 والثورة الكبرى التي استمرت منذ 1936 الى 1939 ثم احداث اكتوبر 1990 وحوادث النفق 1996 وبالطبع هذا اختصار شديد لما حصل في القدس فكيف اذا اردنا ان نحصي الانتفاضات الفلسطينية بشكل عام والتي تبلغ المئات. ولعلنا ونحن امام واقع شعبي حقيقي ندرك ان جميع الحسابات التي تتعامل مع القضية الفلسطينية لايمكن ان نستثني منها الشعب الفلسطيني الذي عرف معنى الاحتلال وعرف كيف يدافع عن وطنه خاصة ان هذا الدفاع اصبح مرهونا بقوى داخلية حقيقية لم تتخل عن النضال سواء في شكلها الشعبي او شكلها المنظم كحركتي الجهاد وحماس الاسلاميتين على سبيل المثال واللتين مازالتا المهدد الاكبر لاسرائيل, وهنا يبدو ان الامر اصبح ملحا لاعادة اللحمة الوطنية الفلسطينية والحوار الديمقراطي الحقيقي لزيادة القوة الفلسطينية المتمثلة بالشارع قبل كل شيء اضافة الى اكتساب المزيد من الدعم العربي والاسلامي والذي اصبح ضرورة حقيقية لتكامل العقد المنتظر الذي يقاوم بقوة ويفاوض بقوة. بقلم: محمد احمد يوسف كاتب وصحفي فلسطيني مقيم بدمشق