دأبت القوى الاسرائيلية على مختلف اتجاهاتها السياسية والايديولوجية على الاستفادة من اي سلوك مهما صغر او كبر واذا ما تعذر ذلك, على استحضار اي فكرة او اي سلوك حتى ولو كان دمويا, من اجل توجيه دفة الامور بما يخدم رؤيتهم واستراتيجيتهم على المستويين الداخلي والخارجي, وبما يؤمن لهم مواقف دولية تشكل لهم احزمة امان اضافية في دعم سياساتهم واهدافهم. وقد تكون زيارة شارون للحرم القدسي الشريف نابعة من ذات الاهداف والنوايا التي حاول ايهود باراك على استحضارها لكنه فشل لعدة اسباب, أهمها ان الفلسطينيين بكل قواهم السلطوية والشعبية ومعارضتهم الاسلامية وغير الاسلامية, قد فهموا ان باراك يسعى من خلال طاولة المفاوضات الى استفزازهم وجرهم لحالة صراعية مؤقتة على الارض تؤدي في نهاية الامر الى تخفيض المطالب الفلسطينية على طاولة التفاوض, انطلاقا من عامل القوة وحالة عدم التوازن, المترافقين مع الدعم الامريكي اللامحدود. وعلى ما يبدو ان التناغم الفلسطيني والاشارات الايمائية التي ارتسمت معالمها بعد كامب ديفيد ,2 بما في ذلك التهدئة فيما بين الاطراف الفلسطينية التي انطلقت من مقولة نقل الازمة من الجانب الفلسطيني الى الجانب الآخر الذي يعيش حالة من التداعيات والانقسامات قد آتت أكلها فيما هدفت اليه. وليس سرا يذاع اذا ما قلنا ان هذه الرؤية تشكلت مؤخرا بين الفلسطينيين وبعض الاطراف العربية والاسلامية التي تربطها علاقات سياسية مباشرة مع بعض القوى والاحزاب الفلسطينية الفاعلة, خاصة مع حركتي حماس والجهاد الاسلامي ورغم التصريحات التي يطلقها هذا الطرف او ذاك ورغم الاجراءات الامنية الصارمة الموجهة من قبل اجهزة السلطة لكلا الحركتين ولبعض الناشطين على المستوى المناطقي. اي ان هذه السياسة المتأنية ولاول مرة على الجانب الفلسطيني, قد نجحت في نقل الحالة الصراعية على المستوى الداخلي الى المؤسسة السلطوية الاسرائيلية, وقد برزت هذه المشكلات بوضوح في تحالف باراك الحكومي بخروج معظم وزرائه بمن فيهم وزير خارجيته ديفيد ليفي, هذا الامر وضح جليا في المطلب الدائم والمتكرر من قبل الطرف الامريكي لمساعدة ايهود باراك للخروج من الازمة الداخلية الحادة, التي يعيشها بقايا تحالفه السلطوي. وقد زاد بالأمر سوءا تسلل هذه الازمات وما تحمل من انقسامات حادة الى مساحة اوسع من مساحة الخارطة السياسية والحزبية داخل اسرائيل, لتصل الى المؤسسة العسكرية والتي عبرت عنها بكل وضوح ما سمي بحرب للجنرالات التي انفجرت يوم 15/9/,2000 خلال حفل تنصيب الجنرال موشيه يعلون نائبا لرئيس اركان الجيش الاسرائيلي خلفا للنائب السابق عوزي دايان, الذي عين رئيسا لمجلس الامن القومي التابع مباشرة لرئيس الحكومة. وهنا ما اردت قوله ان العملية السياسية الجارية, واخفاق الجانب الامريكي رغم الضغط الكبير على الطرف الفلسطيني في التنازل عن جملة المسائل العالقة وفي مقدمتها قضية القدس والمسجد الاقصى قد نقلت الصراع بدورها الى داخل اهم المؤسسات الاسرائيلية, المؤسسة العسكرية ـ الامنية والتي باتت هي الاخرى ليست بعيدة عن حزمة الازمات السياسية التي تعصف بالداخل الاسرائيلي, والتي تعتبر بجد المؤسسة الحرام التي لا يجوز المساس بها او حتى الاقتراب منها, بالنسبة لكل الفئات والشرائح والاتجاهات الاسرائيلية الحزبية والسياسية دون استثناء والتي كانت بمنأى عن اي صراع سياسي سلطوي لانها فوق الاعتبارات. بالاضافة الى جملة الازمات التي تشهدها اسرائيل على كل الصعد, وكلما اقتربت العملية التفاوضية من نهاياتها بغية التوصل الى رسم الملامح النهائية على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي, نشهد موجة جديدة من التطرف داخل اسرائيل لكن هذه المرة لم تأت من طرف بعينه بقدر ما جاءت من اتفاق متقن ومخطط له مسبقا من قبل بعض الدوائر الامنية والعسكرية والسياسية المتنفذة. وعلى ما يبدو انه قد وقع الاختيار في قضية اثارة الطرف الفلسطيني على أرييل شارون من خلال الدخول الى المسجد الاقصى وتدنيسه, علما ان شارون وغيره من القادة الاسرائيليين يدركون جيدا, ان مثل هذه الخطوة ستثير حفيظة الشعب الفلسطيني بكل شرائحه وفئاته, بما في ذلك السلطة الوطنية الفلسطينية واجهزتها الامنية وغير الامنية, خاصة واننا ندرك ان النظرة الاسرائيلية الى القدس نظرة موحدة بعيدا عن التسميات الحزبية والسياسية المدرجة على صفحات القاموس السياسي الاسرائيلي. لكن على ما يبدو ان التسميات والالقاب ليست هي المقياس او المعيار للحكم على يسارية او يمينية هذا الحزب او ذاك بقدر ما نجد هناك محددات ومقاييس اسرائيلية مشتركة تجمع في ما بين الاحزاب المكونة للخارطة السياسية الاسرائيلية, بعيدا عن الشعارات التي يرفعها كل حزب على حده. إلا انه رغم الوحدة السياسية الاسرائيلية في الرؤية الى القدس وما تشكل, ثمة اهداف ونوايا خاصة بكل طرف من الاطراف فقد هدف شارون بدخوله الى المسجد الاقصى بهذه الطريقة الاستفزازية ان يكسب الجولة الانتخابية التي سيجريها حزب الليكود خلال الفترة القريبة على رئاسته خاصة بعد ان بدأ يدرك بأن الرأي العام داخل صفوف التكتل يميل بغالبيته لانتخاب صنوه اليميني المتطرف بنيامين نتانياهو, اي انها بالاضافة الى خطوة اعتقادية هي خطوة انتخابية داخلية في المقام الاول لم يجرؤ احد على ممارستها بهذه العنجهية والصلف والوضوح. بالاضافة الى انه على ما اعتقد قد وصل الى قناعة شبه مطلقة بأنه وفور انتهاء عطلة الكنيست الاسرائيلي سيتم حجب الثقة عن الحكومة الحالية ايذانا بانتخابات كنيست جديدة يرى في نفسه بعد هذه الخطوة بالاضافة الى اعادة تأجيج الصراع الذي نشب بين بطانة رئيس الحكومة الحالي ايهود باراك اثناء انعقاد كامب ديفيد 2 كما اسلفنا القول والذي توضح من خلال استقالة مدير ديوانه ومرؤسه السابق العميد شاكيد الذي قال: (ان باراك فقد توازنه عندما فقد اكثريته في الكنيست, وفي الداخل والخارج يشكو كثيرون من سلوك داني ياتوم الذي يحكم قبضته على ديوان باراك) مما تسبب حينها بارتفاع حدة التوتر بينه وبين مدير مكتب رئيس الحكومة يوسي كوتشك. اي انه بهذا السلوك عمد على ابقاء حكومة باراك هجينة وتثبيتها ولو مؤقتا على حالها اي ابقائها على حافة الهاوية التي وضعت نفسها فيها بسبب ترددها في تقديم حلول مرضية انطلاقا من القرارات التي نصت عليها الشرعية الدولية. ورد الصفعة الى باراك الذي استغل تردي الاوضاع الداخلية والخارجية لحكومة بنيامين نتانياهو في عامها الثالث, وطرح نفسه بأنه الاقدر على تجسيد الرؤية الامريكية, اسوة بمعلمه اسحاق رابين وانه دون غيره هو المؤهل لرأب الصدع الحاصل آنـذاك في العلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية اي بمعنى آخر اعادة الاعتبار الى الليكود الذي يرى مكانته من خلاله. بالاضافة الى ان هذه العملية تعتبر بمثابة اخر الطلقات التي بقيت بجعبة شارون وعليه ان يستخدمها في الوقت المناسب, حتى لا يعزل او يتقاعد عن دائرة الفعل السياسي كما عزل صنوه شمعون بيريز. اما ايهود باراك فقد بارك هذه الخطوة من وراء الكواليس ظنا منه ان سيكسب الكثير على المستوى الداخلي من خلال اشراكه ما يزيد على 3000 شرطي ورجل امن وحرس حدود في هذه العملية, وانه سيفتح معركة مؤقتة مع الفلسطينيين تعيدهم الى طاولة التفاوض على ذات المطالب التي كان ولا يزال ينادي بها وهي وضع المسجد الاقصى تحت السيطرة الاسرائيلية بالمقابل يجري من خلال هذا الوضع المؤقت لملمة الاوضاع الداخلية ويعيد صياغة تحالفاته التي كانت قائمة قبل الكامب خاصة مع حزب شاس الديني الشرقي لانه يرى في نفسه انه العامل الموحد والمحور الجامع لكل الفتات الاسرائيلي شرقية كانت ام غربية ودون ذلك ستضعف مكانته وقد يخسر الجولة المقبلة من الانتخابات بالاضافة وان رجلا عسكريا ـ امنيا من الطراز الاول يعمل الى ضرب اخر الحصون الفلسطينية التي تحاول السلطة الفلسطينية تحاشيها حينا وطلاق يدها احيانا من اجل استحضار بعض الاوراق التفاوضية على طاولة التفاوض والتي لوحظ في الآونة الاخيرة التلويح بها في اكثر من محفل ومحطة اعلامية. هذا بالنسبة الى الطرف الاسرائيلي اما بالنسبة للطرف الفلسطيني فقد كانت النتائج مخالفة لكل التكهنات والاعتقادات وكانت ردة الفعل الفلسطينية اكبر بما لا يقاس حيث امتدت الصدامات الدامية هذه المرة الى المدن والقرى الفلسطينية المحتلة عام 1948 مثل ام الفحم والناصرة وبعض القرى المحيطة بهما وان هذه القضية تعتبر من اخطر القضايا التي كانت تحاول اسرائيل تحاشيها, خاصة وان هؤلاء يعتبرون من مواطني الدولة وثمة صعوبة بالغة في التعاطي معهم بذات الطريقة الخارجة عن الاعراف والقوانين وانها اذا ما استخدمت الاسلوب نفسه الذي تستخدمه مع ابناء الضفة والقطاع فإنه سيعتبر بنظر القانون الدولي اشبه ما يكون بالتطهير العرقي وهذا الامر سيعيد التفكير لدى الكثير من الفعاليات الحزبية والسياسية الفلسطينية الى طرح مسألة الحكم الذاتي داخل اراضي الـ ,48 خاصة وان الكثير من التجارب الشبيه لا تزال ماثلة امام اعينهم وقضية كوسوفو اكبر دليل حي على ذلك اما بالنسبة لمناطق السلطة الفلسطينية فعلى ما يبدو ومن خلال بعض الاوساط المقربة للسلطة والمعارضة, انه حتى ولو تم ضبط النفس من جانب الطرف الفلسطيني مؤقتا اي السلطة الا ان الامر في حقيقته قد خرج عن السيطرة ولا يمكن لأي طرف فلسطيني ضبط التحركات المقبلة وان الفتيل الذي اشعله شارون بإرادة اسرائيلية موحدة لن تجلب الا انتفاضة مسلحة اقوى من الانتفاضة التي قامت عام 1987 والتي استمرت زهاء اربع سنوات وان القضية في هذا الاتجاه تخضع لعامل الوقت ولبعض الآليات اللوجستية وهذه المرة ستستخدم كل الاشكال بما في ذلك العمليات الاستشهادية, ووسائل التفجير عالية الدقة, التي استخدمت مع الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان. ومن نافلة القول ان اجهزة السلطة المكلومة هذه الايام ستكون هي الاخرى جنبا الى جنب مع كل التحركات الشعبية الفلسطينية المقبلة لانها توصلت الى حقيقة مفادها انه لا يمكن لأي طرف اسرائيلي التنازل عن القدس او الاعتراف بحق عودة اللاجئين وان اسرائيل قائمة على اساس من اختراع الازمات الامنية التي توحد رؤيتها السياسية على المستوى الداخلي وتؤمن لها الدعم العسكري والمالي الخارجي ودون ذلك ستصبح مثل اي دولة في المحيط الجغرافي. لكن السؤال اذا ما استخدم الفلسطينيون وسائل المقاومة المتطورة في مواجهة الغطرسة الاسرائيلية الى اي مدى ستصل الامور؟ لندع الجواب رهن الايام والاسابيع والاشهر المقبلة الذي سيعتمد بمجمله على مدى جدية الراعي الامريكي ونزاهته وعدم تحيزه , في تطبيق القرارات والقوانين الدولية كما طبق على الآخرين وهم كثر. بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم بدمشق