ثمة اهداف عديدة اختبأت وراء جولة ارييل شارون زعيم تكتل الليكود واليميني في الحرم القدسي الشريف والتي كانت السبب المباشر في هبة الاقصى التي اندفع فيها الفلسطينيون بعفوية للدفاع عن المقدسات, تحركهم ايضا مشاعر الاحباط الناجمة عن التعنت والصلف والمراوغة في التعامل معهم ومع عملية التسوية. شارون و من ورائه صقور الليكود وربما صقور العمل والمتطرفون اليهود وحكومة باراك, أراد بجولته اختبار ردة الفعل الشعبية والرسمية الفلسطينية ومن ورائها ردة الفعل العربية والاسلامية وايضا الدولية على المساعي اليهودية للسيطرة على ما تعتبره (جبل الهيكل) . وخلف هذا الهدف الظاهر لجولة شارون اختبأ هدف آخر هو توجيه طعنة قاتلة لعملية السلام المترنحة اصلا بين اسرائيل ممثلة بحكومة ايهود باراك والفلسطينيين ممثلين بالرئيس ياسر عرفات والسلطة الوطنية الفلسطينية او على الاقل اجبار باراك على التشدد اكثر من الفلسطينيين. فهل ينجح شارون ومن ورائه جميع القوى اليهودية والاسرائيلية المتشددة وذات المصلحة بتحقيق هدفه من تلك الجولة؟ اي هل يستطيع دفن عملية التسوية وقطع الطريق على باراك اذا ما أراد الاقدام على اي حل وسط مع الفلسطينيين بشأن السيادة على المقدسات الاسلامية التي تشكل السيادة عليها المعضلة والعقبة الرئيسية أمام عملية السلام؟ الجواب عن هذا التساؤل هو.. لا... كبيرة, لأن طبيعة النفق الذي دخلت فيه عملية التسوية على المسار الفلسطيني الاسرائيلي منذ توقيع اتفاقات اوسلو, هو نفق بإتجاه واحد فقط اي انه طريق لا رجعة فيه ولا يستطيع اي طرف سواء اسرائيل, ام السلطة الفلسطينية الاستدارة بمقدار 180 درجة لبدء رحلة العودة رغم ان نفق التسوية مظلم جدا وطويل جدا وبالكاد ترى فيه السلطة الفلسطينية وحكومة باراك معا ضوء النهاية في آخره. اما سبب عدم القدرة على الرجوع فهو ببساطة ان طرفي التسوية الفلسطينية الاسرائيلية لا يملكان خيارات اخرى, وان كان هذا الوضع ينطبق بشكل اكبر على السلطة الفلسطينية المعدومة الخيارات. وهذا واقع يعرفه جيدا الرئيس ياسر عرفات ومن حوله القيادة الفلسطينية وان كان الرئيس عرفات قد لوح بخيار (الحرب الشاملة) في اليوم الثالث لـ (هبة الاقصى) فهو يدرك تماما انه يهدد بسلاح لا يملكه الا اللهم اذا كان يقصد بالحرب الشاملة.. الانتفاضة الشاملة التي تحمل هبة الاقصى بذورها كما هو واضح.. ولربما يستطيع عرفات بحكم زعامته التقليدية والتاريخية للشعب الفلسطيني تحريكها وبخاصة ان اسرائيل وأحداث الاراضي الفلسطينية ومشاعر الاحباط الفلسطينية تصب جميعها في خدمة الانتفاضة الشاملة. وبجانب انعدام الخيارات لدى القيادة الفلسطينية, فإن من الممكن القول ان (هبة الاقصى) شكلت دعما كبيرا للموقف التفاوضي ولموقف المفاوضين الفلسطينيين بل انها عززت ايضا ثقة الرئيس عرفات بأنه يقف الآن على آخر حدود التنازلات التي يمكن تقديمها لاسرائيل وان تقديم اي تنازل جديد يعني السقوط في هاوية غير معروفة القرار. ان الرئيس عرفات, الذي يبقي عينا على مستقبل المفاوضات وعينا اخرى على ساحة الحرب الفلسطينية الاسرائيلية في الاراضي المحتلة, يستطيع الآن تأكيد موقفه الذي نقله الرئيس الامريكي بيل كلينتون ابان مفاوضات كامب ديفيد حين ابلغه بأنه لا يستطيع التنازل عن اي جزء من الاماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية في شرقي القدس وان اي حركة من هذا النوع ستشكل نهاية لرحلته السياسية والنضالية الطويلة, وانه اي عرفات يفضل ان يموت برصاص الجيش الاسرائيلي على ان يموت برصاصة مواطن فلسطيني. ويدرك الرئيس الفلسطيني الذي يجهد ويستميت لاعلان قيام الدولة الفلسطينية ان احداث الاقصى التي وإن كان شارون هو الذي اشعل فتيلها, ولم تجد حكومة باراك غضاضة في جعلها بالون اختبار لمعرفة ردة الفعل الرسمية والشعبية الفلسطينية قد عززت كثيرا من موقفه ولهذا فهو لن يمكث طويلا قبل العودة ثانية الى مائدة المفاوضات لمعرفة تأثير ما حدث على الموت التفاوضي الاسرائيلي ولمعرفة ما اذا كان الاسرائيليون قد فهموا ان هناك حدا لما يمكن ان يتنازل عنه وان الخيار البديل امام الجانبين صعب وقد تخرج الامور عن سيطرة اسرائيل وعن سيطرته هو شخصيا. اسرائيل وحكومة باراك التي اتبعت اسلوبا تفاوضيا مهينا مع الفلسطينيين سواء في كامب ديفيد او غيرها, وايضا امريكا التي القت على عرفات مسئولية الفشل تدرك هي الاخرى الآن ان هناك بالفعل حدودا لقدرة عرفات على الابتعاد عن بعض الثوابت الفلسطينية او العربية والاسلامية. ويدرك باراك الآن ان السلطة الفلسطينية التي ادارت اذنا صماء لمسائل حساسة اخرى مثل عودة اللاجئين الفلسطينيين, والتي قبلت بالسيادة على اربعة وعشرين بالمئة من اراضي فلسطين التاريخية وقبلت ايضا ببقاء مستوطنات اسرائيلية داخل الاراضي الخاضعة لها, لا نستطيع القبول حتى ولو رغبت بأي تراجع عن المواقف المعلنة حول الاماكن المقدسة. ومن ثم فإن على باراك ومفاوضيه ومن ورائهم الرعاة الامريكيون لعملية السلام البحث عن حلول تسكن اذا لم ترض الشعب الفلسطيني وترضي من خلفه الشعوب العربية والاسلامية ولا سيما وأن هبة الاقصى قد وجدت طريقها سريعا الى الاراضي الفلسطينية المحتلة عام ثمانية واربعين, ووجدت صداها سريعا خارج فلسطين بعد مظاهرات جامعة الاسكندرية والمخيمات الفلسطينية في لبنان وغيره. ولعل الراعي الامريكي لعملية السلام يدرك الآن ان الدول العربية وبخاصة مصر ودول الخليج العربية كانت على حق عندما رفضت ممارسة اية ضغوط على القيادة الفلسطينية لدفعها لتقديم اية تنازلات فيما يخص شرقي القدس او المقدسات الاسلامية والمسيحية, بل ويدرك ايضا السبب الذي جعل الدول العربية تقول لواشنطن ان هناك خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها. وفي ردة الفعل الامريكية حملت واشنطن أرييل شارون ضمنا مسئولية ما حدث فيما كان الموقفان الروسي والفرنسي واضحين تماما في تحميل الاستفزازات الاسرائيلية للمشاعر الدينية الاسلامية والمسيحية مسئولية الاحداث الاخيرة. ولعل كل ذلك يصب في مجرى العودة القريبة للمفاوضات منعا لانتقال شرارات هبة الاقصى واستفحالها. بقلم: أنيس ديوب صحفي سوري مقيم في الامارات