بينما اتسم رد الفعل العالمي بالهلع إزاء أحداث العنف الدامية الاخيرة في الشرق الاوسط, نجد الولايات المتحدة تتحاشى قدر الامكان الظهور بمظهر المنحاز لاي من إسرائيل أو الفلسطينيين. وبصفتها الوسيط في عملية السلام الاسرائيلية-الفلسطينية, فإن الولايات المتحدة تجد نفسها في موقف في غاية الصعوبة وهي تحاول أن تحافظ على مصداقيتها ونفوذها لدى الجانبين. ويضع هذا الحياد الصارم المسئولين الامريكيين في موقف حرج حيث يتجاهلون - علنا على الاقل - استخدام إسرائيل للصواريخ المضادة للدبابات وطائرات الهليكوبتر الهجومية ضد الفلسطينيين المسلحين في الغالب بالحجارة والزجاجات الحارقة والاسلحة الصغيرة والبنادق. وقد انتقدت وزيرة الخارجية الامريكية مادلين أولبرايت بالفعل زعيم حزب الليكود الاسرائيلي أرييل شارون بسبب زيارته للمسجد الاقصى بالقدس الشرقية يوم الخميس الماضي. وقد وصفت تلك الزيارة التي أشعلت فتيل العنف بأنها أتت (بنتائج عكسية بلا شك) . غير أن أولبرايت لم تصل في لومها إلى حد التوبيخ الصادر عن الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي وصف زيارة شارون بأنها (استفزاز غير مسئول) . ورغم ذلك فإن أولبرايت هي التي تلقت خطابا من شارون يشكو فيه من الانتقاد الامريكي. ويتناقض بشدة الجهد الامريكي الحالي الذي يرمي للحفاظ على حياد واشنطن مع موقفها الذي مال إلى جانب إسرائيل عقب فشل محادثات السلام في كامب ديفيد في يوليو الماضي. ففي ذاك الوقت وجه الرئيس بيل كلينتون اللوم علانية للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لهروبه من توقيع اتفاق بدلا من القبول بحل وسط بشأن مطلبه بالسيادة الكاملة على القدس الشرقية. وكال كلينتون المديح لرئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود باراك ووصفه بأنه زعيم شجاع مستعد للقبول بالخيارات الصعبة من أجل السلام. أما الان, فإن أي مسئول أمريكي لا يجرؤ على انتقاد باراك علانية بسبب خياراته في أمر السيطرة على حشود جماهيرية غاضبة. وعندما طلب من فيليب ريكر نائب المتحدث باسم الخارجية الامريكية الاثنين الماضي التعليق على استعراض إسرائيل للقوة في الضفة الغربية وغزة, قال (إننا لا نسجل نقاطاً ولا نوزع اللوم) . وعندما سئل مرة أخرى في اليوم التالي عن مستوى القوة التي استخدمتها إسرائيل, قال ريكر (إننا نواصل مناشدتنا لكل من الاسرائيليين والفلسطينيين الحفاظ على الهدوء وممارسة ضبط النفس, وقبل كل شيء, تحاشي أية أعمال من شأنها إشعال مزيد من التوترات في المنطقة) . ومستوى القوة التي استخدمتها إسرائيل يمكن أن يتسبب في إحراج الولايات المتحدة لان غالبية الاسلحة الاسرائيلية مصدرها الولايات المتحدة. فقبل يومين فقط من بدء دوامة العنف الحالية, أعلن البنتاجون (وزارة الدفاع الامريكية) عن صفقة مقترحة لبيع 35 مروحية من طراز بلاك هوك إلى إسرائيل قائلا ان الصفقة ستساعد (في تحسين أمن بلد صديق كان وسيظل بمثابة قوة مهمة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في الشرق الاوسط) . وصرح مسئول بالبنتاجون قائلا ان مبيعات الاسلحة الامريكية (لا تتضمن شرطا بألا تستخدم ضد مدنيين) . بيد أن المسئول الذي اشترط عدم الكشف عن اسمه اعترف بأن الصواريخ المضادة للدبابات وطائرات الهليكوبتر الهجومية لا تعتبر في العادة أدوات لمواجهة حشود جماهيرية. وقال مسئول أمريكي آخر (لا نستطيع أن نتكهن حينما يستدعي قائد إسرائيلي كوبرا (مروحية هجومية) لان قواته تتعرض للهجوم) . وفي تصريحاتهم العلنية, لا يريد المسئولون الامريكيون أن يتكهنوا بدوافع باراك في أن يصرح باستخدام تلك الاسلحة التي يزعم الفلسطينيون أنها أججت العنف لانها أثارت غضب الحشود الجماهيرية التي أطلقت عليها نيرانها. وصرح بي.جيه. كراولي المتحدث باسم مجلس الامن القومي التابع للبيت الابيض بقوله: (لسنا في وضع إصدار أحكام على قرارات اتخذها أي من الجانبين .. فبداية, نحن نريد وقف العنف ثم إجراء مناقشات مع مسئولين أمنيين من كلا الجانبين لتحديد ما حدث) . د.ب.أ