انتهت المناظرة التلفزيونية الأولى بين المرشح الجمهوري جورج بوش ومنافسه الديمقراطي آل جور دون ان يتمكن أحدهما من ترجيح كفته على نحو يقلل من صعوبة التكهن بالنتيجة النهائية لتصويت الثاني من نوفمبر المقبل, وسيطرت القضايا الاجتماعية الداخلية على مسار الحوار باستثناء لحظات قليلة عرج فيها هذا المسار إلى قضايا يوغسلافيا والعلاقة مع أوبك. أما من حيث أسلوب المرشحين في عرض آرائهما فقد كان الفارق واضحا فقد اتبع جورج بوش أسلوبا متحفظا, فأجاب على الأسئلة التي طرحها الصحافي المعروف جيم ليهرر الذي أدار الحوار, وانتقد خصمه في حدود, وبدا أكثر تلقائية من آل جور وربما أقل اصرارا على محاصرة المرشح الديمقراطي, أما آل جور فقد بدأ بالهجوم من اللحظة الأولى, ونظرا لقدرته الكبيرة على تذكر الأرقام والتفصيلات فقد شدد الخناق على جورج بوش على نحو ربما يكون قد زاد قليلا عن الحدود المألوفة, مما أدى إلى أثر عكسي, إذ تعرض ذلك لانتقادات من كثير من المشاهدين الذين رأوا ان جور أفرط في محاولة محاصرة جورج بوش إلى حد كبير. وأما من حيث محتوى القضايا التي عرضت فإن المسألة الرئيسية تلخصت في: كيف يمكن توزيع فائض الميزانية الذي يتحقق الآن بمعدلات قياسية, والمعروف ان المورد الأساسي للميزانية هو الضرائب, فبينما يرى جور انه لا ينبغي تخفيض الضرائب إلا بقدر محدود, وعلى أصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة فحسب, فإن جورج بوش يعتقد بضرورة تخفيضها على الجميع, لأن من شأن ذلك ان ينعش الاقتصاد أكثر, ومن ثم يزيد موارد الخزينة من الضرائب حتى بعض تخفيض نسبتها على الدخل. واستخدام آل جور ذلك الفارق في البرنامج الانتخابي للحزبين كي يعزز قاعدته الانتخابية في صفوف الطبقة الوسطى, فاتهم بوش بأنه يسعى لاعادة جزء من فائض الميزانية للأغنياء ممن يزيد دخلهم على مليون دولار في العام الواحد, وهم يشكلون 1% فقط من المجتمع حسب قول جور. وساعدت ذاكرة آل جور في حفظ الأرقام على إغراق المرشح الجمهوري في تفصيلات دقيقة لم يتمكن من الرد عليها في أغلب الأحيان. كما ساعد تردد بوش في تقديم برهان مفصل على جدوى برنامجه الاجتماعي بالنسبة لكل الأمريكيين على دعم حجج المرشح الديمقراطي, وأدى ذلك إلى قدر من التقدم حققه جور على صعيد المواقف والخطط الاجتماعية للحزبين الكبيرين. إلا ان أسلوب آل جور الهجومي وآداءه المبرمج, أدى إلى تعاطف الناخبين إلى حد ما مع تلقائية منافسه, بل وتعثره أحيانا, وكانت نتيجة الاستطلاعات الأولية التي أجرتها أجهزة الإعلام الأمريكية بعد المناظرة مباشرة تدل على ترجيح كفة بوش من حيث الأداء وذلك بسبب افراط خصمه في محاولة محاصرته ومهاجمته بلا كلل, إلا ان هذه الاستطلاعات تدل أيضا على ترجيح كفة جور من حيث محتوى برنامجه الاجتماعي والنتائج المتوقعة منه بالنسبة لأغلبية الأمريكيين. وكانت استطلاعات الرأي العام التي جرت قبل المناظرة تظهر تقاربا كبيرا بين المرشحين إلا ان هذا التقارب لم يختلف على ان نمواً جوهرياً بعد المناظرة التي تابعها 75 مليون مشاهد واستغرقت 90 دقيقة. أما فيما يتعلق بالقضايا الخارجية فقد قال بوش انه يحبذ اشراك روسيا في حل المسألة اليوغسلافية, ولا يحبذ ان تلعب الولايات المتحدة دور شرطي العالم, أو ان تتدخل عسكريا في أية بقعة من بقاع الأرض إلا حين التأكد من ان مصالحها المباشرة تتعرض للخطر, وقد وافق جور على ذلك بصفة عامة, ولكنه فضل ألا يلعب الروس دورا في المسألة اليوغسلافية إلا بعد التأكد من ان هذا الدور لن يتعارض مع المصالح الأمريكية في البلقان. وبشأن أوبك ومصادر الطاقة على وجه العموم كرر المرشحان خلافهما بشأن الاستكشاف في المناطق البرية من آلاسكا, حيث دعا بوش إلى ذلك فيما عارضه جور, إلا ان الجانبين اتفقا على ضرورة تقليل اعتماد الولايات المتحدة على مصادر النفط الأجنبي وان اختلفا في كيفية تحقيق ذلك, فقد ركز بوش على استخراج النفط والغاز والفحم من الأراضي الأمريكية, فيما ركز جور على تقليل استهلاك الطاقة عن طريق تطوير تقنيات جديدة. الحوار لم يحسم شيئا, والمنافسة لا تزال محتدمة, ونتائج التصويت العام في الثاني من نوفمبر لا تزال ـ بالتالي ـ معلقة حتى مناظرة أخرى. واشنطن ـ عصام عبدالعزيز