عمليا مضى على تسلم الملك عبدالله الثاني زمام الامور وكرسي العرش في الاردن حوالي سنة ونصف السنة, وهذه المدة لاتعادل سوى 3% من المدة التي امضاها والده المرحوم العظيم الملك الحسين على نفس العرش. ومن الصعب ان يحكم على الرجل من مقياس والده العظيم, لان في هذا ظلما له من حيث فارق الفترة, ومن حيث التفاوت في الظروف والمعايير, ولكن النقطة المهمة التي يجب ان تثار هنا هي هل بدأ الملك عبدالله الثاني يراجع بعضا من المواقف التي تبناها في بداية تسلمه للعرش وبين المواقف التي بدأت تظهر ملامحها في الآونة الاخيرة. اول التغيرات هو ان الملك عبدالله الثاني لم يضق ذرعا باصدقاء ابيه او بالذين كانوا يصنفون انهم اصدقاء عمه الامير الحسن فقد بدأ يدرك ان لخبرة عمه الطويلة فائدة كبيرة ترتجى خاصة في هذه الظروف الصعبة والعسيرة, فمن ناحية, بدأت تتضح صعوبة التفاوض السلمي على الاردن, واهمية الاستفادة من خبرات الامير الحسن في هذا الموضوع, وثانيها, ان خبرة الامير الحسن واتصالاته الطويلة والعميقة في المجال الاقتصادي مطلوبة, وبخاصة ان الامير الحسن في هذا المجال حكمة هو جاهز لوضعها تحت تصرف الملك عبدالله الثاني, ابن اخيه. والأهم من هذا وذاك, ان الملك الشاب قد ادرك ان من عملوا بجد واخلاص لتعميق الهوة بينه وبين وعمه, كانوا أساسا يبحثون عن مصالحهم الخاصة وقد اثبت الكثيرون ان ولاءهم للعرش الهاشمي هو ولاء ثابت ومستقر. وان الموالين الصادقين هم الذين سعوا للتوفيق وشد الاواصر والعرى, وليس الصائدون في المياه العكره. واما التغيير الثاني فهو اظهار جلالة الملك ان سيادة الاردن واستقلالية قراره حيال الجميع هي امر خطير بالنسبة له, ولربما تكون مرت على الاردن, بعد وفاة المرحوم ابيه, ظروف ظن البعض ان بالامكان الاستفادة منها مع الملك الجديد, وقد يكون الملك عبدالله قد غض النظر عن بعض التطاولات على الاردن واخذها كما هي على علاتها, ولكن الموقف قد مضى وعاد الحرص القديم من قبل الذين اظهروا الود للملك الابن بعد وفاة الملك الاب, وقد صار واضحا للملك عبدالله الثاني ان كلمة ابيه بعد طول الصبر والمواجهة لم تأت من فراغ, ولهذا, فان اعادة النظر في بعض العلاقات الاقليمية والدولية صارت موضوع الاعتبار عنده. واما التغيير الثالث والهام, هو ان الملك الذي صب اهتمامه ولا يزال, على الموضوع الاقتصادي, بات يدرك ان الحل ليس قريب النضوج, الا اذا استقامت الاوضاع السياسية داخل الاردن, وفي المنطقة بقفزة في التفكير سوف تبدأ من الآن وصاعدا في التأثير على اولويات الملك عبدالله, وعلى مفرداته, ولغته, وزياراته, واتصالاته المحلية والدولية, ولا يعني هذا ان الملك سيفقد اهتمامه بالاقتصاد, بل سيجعل اسلوبه في الوصول الى الاهداف الاقتصادية ليست مجرد افكار ومشروعات فنية, بل افكار مجتمعية متكاملة الوجود من حيث ادراكها لاهمية التداخل السياسي والاجتماعي مع العملية الاقتصادية. ومما لاشك فيه ان نزعة الملك التي انطوت على الاستفادة من الوجوه الشابة, والتوجهات الشابة كانت مفيدة, ولكنها غير كافية, فهمة الشباب بحاجة الى الحكمة, والحكمة لا تأتي الا بالتجربة, وهنالك الكثيرون ممن افنوا العمر في خدمة بلدهم, وتحملوا الكثير من اجله ممن ابعدوا خلال فترة الشك الماضية. ان الملك الجديد ذو اخلاق عالية ومبادرات ذكية وخلاقة, وهمة عالية, وكفاءة في تحقيق الهدف. والملك بحاجة الى انصاف جهوده, بالخبرة والحكمة, والتروي, واختبار الاشخاص الذين يتمتعون بكل هذه الكفاءات, خاصة ممن كان نصيبهم الابعاد والاقصاء ليستفيد مكانهم نفر يعيشون على الخلافات والشقوق. بقلم: د. جواد العناني