بالنسبة لأي مواطن عربي لا تحتاج سياسة المعايير المزدوجة التي تتبعها الولايات المتحدة تجاه القضايا العربية الى اي براهين جديدة. فقد عانت المنطقة العربية طوال نصف القرن المنصرم من هذه الازدواجية خصوصا ما يتصل بالصراع العربي ـ الاسرائيلي. ولا شك ان ازدواجية المعايير او سياسة الكيل بمكيالين هي مسألة اخلاقية وسياسية في آن معا. وهي تخص الدول والقوى الكبرى بالدرجة الاولى لأن ممارسة هذه السياسة تتضمن معنى التحدي للآخرين. وهذا ما لا تقدر عليه الدول الصغيرة. وتبرز المشكلة بشكل صارخ من الناحية الاخلاقية فبينما ترفع الدول الكبرى والولايات المتحدة بالذات شعارات ومبادىء سياسية وانسانية نظيفة من حيث المبدأ, فانها تعتمد الانتقائية المكشوفة عند تطبيقها, مما يثير الشكوك في مدى جدية مجمل الشعارات السياسية التي يرفعها الغرب من موقع امساكه بدفة الحضارة الانسانية في هذه الحقبة من التاريخ. ولدى محاولة فحص سياسة الكيل بمكيالين التي تتبعها الولايات المتحدة لابد من ملاحظة ان ثمة نماذج مختلفة لهذه السياسة في المنطقة والعالم بعضها ظاهر جلي والبعض الآخر مضمر او اقل وضوحا. وفي جميع الحالات يبقى الموجه الاساسي هو تحقيق المصالح القومية الامريكية بغض النظر عن اتفاق ذلك او اختلافه مع الشعارات السياسية التي ترفعها واشنطن. لعل من اكثر النماذج الصارخة لسياسة الكيل بمكيالين هو الصراع العربي الاسرائيلي منذ قيام اسرائيل قبل اكثر من نصف قرن حتى الوقت الحاضر. فمنذ البداية وقفت الولايات المتحدة الى جانب ما دعته, ودعاه الغرب حق اسرائيل في الوجود, بل وفي التفوق على اهل المنطقة العرب. بينما تجاهل الجميع هذا الحق بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي قامت اسرائيل على انقاضه. ولا تزال هذه السياسة مستمرة حتى الوقت الحاضر فبينما تعترف الولايات المتحدة وتشجع وتعطي ضمانات قروض لاستجلاب مئات الآلاف ممن يدعون اليهودية في كل اصقاع العالم الى ارض فلسطين, فإنها لا تعترف وتتحفظ على حق العودة للشعب الفلسطيني الى دياره التي طرد منها عنوة منذ سنوات ليست بالبعيدة تحت بصر العالم وسمعه. كما تمارس الولايات المتحدة سياسة مزدوجة بالنسبة للشعار الذي ترفعه منذ الحرب العالمية الاولى بشأن حق الشعوب في تقرير مصيرها, وهي لا تؤيد هذا الحق الا بشكل انتقائي وبما يخدم المصالح الامريكية. وقد امتنعت حتى الآن عن الاعتراف الصريح بهذا الحق للشعب الفلسطيني, كما لغيره من الشعوب الاخرى مثل الشيشان ضمن صفقات سياسية مع روسيا والاكراد بسبب دعمها للنظام في تركيا, بينما دعمت هذا الحق مثلا في تيمور الشرقية بهدف تفتيت اكبر دولة اسلامية وهي اندونيسيا. وكانت الانتقائية في تطبيق هذا المبدأ واضحة ايضا في التعامل مع الشعوب التي كانت منضوية ضمن الاتحاد اليوغسلافي السابق. فقد دعم الغرب بقوة استقلال الجمهوريات اليوغسلافية المسيحية بينما تحفظ على دعم الجمهوريات الاسلامية, بل انه اعطى الوقت الكافي لنظام بلجراد لممارسة سياسة التطهير العرقي وتنفيذ مجازر بشعة بحق المسلمين هناك بغية الاجهاض العملي لامكانية قيام دول اسلامية مستقلة في قلب اوروبا رغم التعاطف الظاهري مع السكان والتظاهرة العسكرية لحلف الاطلسي في كوسوفو قبل عامين. وتتجلى الازداوجية الامريكية ايضا في المنطقة العربية وفي العالم اجمالا في تطبيق شعار مكافحة الارهاب فالولايات المتحدة تثور ثائرتها اذا قتل او جرح اسرائيلي او يهودي في اي منطقة من العالم وتسارع الى التنديد وربما اتخاذ اجراءات في حق الجهة التي قد تتهمها بالوقوف وراء الامر, بينما تلتزم الصمت وفي احسن الاحوال تدعو الى (ضبط النفس) في حال وقوع ضحايا من الجانب العربي على ايدي حليفتها اسرائيل. والامثلة بهذا الصدد اكثر من ان تحصى وكلنا يذكر كيف عقدت واشنطن قمة عالمية في شرم الشيخ بعد عدة عمليات لحركة حماس الفلسطينية قتل فيها بعض الاسرائيليين بينما لم تحرك ساكنا ولا حتى كلمة لوم عندما قتلت قذيفة اسرائيلية واحدة اكثر من مئة مواطن لبناني في بلدة قانا الجنوبية. وينطبق الامر ايضا على شعار حقوق الانسان الذي ترفعه واشنطن كذريعة غالبا من اجل التدخل في شئون بعض الدول وممارسة ضغوط عليها في قضايا اخرى لا علاقة لها بهذا الشعار وما يثير الاستغراب ان تمارس الولايات المتحدة هذه الازدواجية ازاء قضية واحدة, اي تؤيد هذه القضية في مكان وتعارضها في مكان آخر مجاور مثل قضية الاكراد, فهي تنصب نفسها مدافعة عنهم, وتفرض اقامة منطقة آمنة لحمايتهم في شمال العراق بينما تسكت عن الهجمات التي تشنها عليهم تركيا في المنطقة نفسها. اما حقوق الانسان في علاقة الولايات المتحدة مع الصين فلها شأن آخر وهي تصعد او تضمر تبعا لتطور المحادثات الاقتصادية بين الجانبين وفي اطار السياسة الامريكية الرامية الى احتواء الصين واعاقة اكتسابها مكانة اقتصادية وسياسية كبيرة في الساحة الدولية باعتبارها من المنافسين الجديين للولايات المتحدة في العالم. وتتأثر المنطقة العربية بشكل خاص من ازدواجية المعايير الامريكية ازاء مسألة التسلح التقليدي او التدميري الشامل. فهي تقاوم كل محاولات التسلح العربية التي ترى انها تشكل خطرا على امن اسرائيل. خصوصا امتلاك العرب للاسلحة النووية بينما تغض الطرف عن امتلاك اسرائيل لكل انواع الاسلحة بما فيها النووية. وقد بات اصرارها على استمرار فرض الحصار على العراق منذ عشر سنوات بحجة التأكد من خلوه من اسلحة التدمير الشامل امرا يثير استفزاز المواطنين العرب وحنقهم, ولا احد يفهم كيف ان العراق وهو دولة صغيرة نامية وقد دمرته اشرس حرب تشن على دولة منفردة في هذا العصر واكملت ذلك فرق تفتيشية كثيرة على كل انواع اسلحته وفي ظل حصار شامل لمدة عشر سنوات, هذا العراق يشكل خطرا على امن المنطقة بينما اسرائيل التي تملك اقوى ترسانة عسكرية في المنطقة وتحتوي على اعتى انواع السلاح واحدثه, بما فيه التدميري الشامل. تستثنى وبدعم امريكي مباشر حتى من مجرد التوقيع الشكلي على معاهدة حظر السلاح النووي التي وقعت عليها جميع دول العالم تقريبا. ومن اشكال الازدواجية ايضا التي تمارسها الولايات المتحدة في العالم طريقة تقديم المساعدات للبلدان الاخرى وبينما تدعي الولايات المتحدة انها تقدم مساعداتها للبلدان المحتاجة, فإن هذه المساعدات تذهب في الحقيقة الى البلدان الحليفة لواشنطن ولا يصل منها الى الدول الفقيرة سوى الفتات. وعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة وهي اكبر دولة مانحة للمساعدات في العالم تعطي 250 دولارا على اساس الفرد الواحد للبلدان النامية ذات الدخل المرتفع مقابل دولار واحد للفرد في البلدان ذات الدخل المنخفض. وبسبب تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة تحصل اسرائيل مثلا على مساعدة امريكية تعادل نصيب ما تحصل عليه بنجلادش مئة مرة رغم ان دخل الفرد في اسرائيل يقترب من 20 ألف دولار سنويا بينما لا يزيد على 250 دولارا في بنجلاديش. وقد حصلت اسرائيل على مساعدات ومنافع من الولايات المتحدة خلال الفترة بين 1949 و1991 تبلغ قيمتها 53 مليار دولار تساوي 13% من اجمالي المساعدات العسكرية الامريكية للعالم كله, ووصلت الى 16% في السنوات الاخيرة حسب المصادر الاسرائيلية نفسها من اجمالي المساعدات الامريكية الخارجية. كما ان السلفادور التي تدعمها واشنطن تحصل على مساعدة سنوية تعادل ما تحصل عليه بنجلاديش 16 مرة رغم ان نصيب الفرد من النتائج القومي الاجمالي يبلغ في بنجلاديش خمس نظيره في السلفادور. ومن الاشكال الاخرى للازدواجية ايضا مطالبة الولايات المتحدة للبلدان النامية برفع القيود امام انتقال السلع, بينما تفرض هي قيودا شديدة على استيراد السلع من البلدان النامية, بل انها كثيرا ما تبالغ في فرض هذه القيود مما يرتب خسائر فادحة على البلدان النامية قدرتها منظمة التعاون والتنمية الدولية انها تفوق قيمة المساعدات المقدمة لهذه البلدان من البلدان الصناعية, وتبلغ ضعف هذه المساعدات وفق مجلة ( الايكونوميست) البريطانية التي قدرت الخسائر بالنسبة للمنسوجات والملابس وحدها بخمسين مليار دولار. ومن امثلة الكيل بمكيالين ايضا التهرب من تطبيق مبدأ (جعل الملوث يدفع) المطبق في البلدان الصناعية, اي ان من يتسبب في تلويث البيئة عليه ان يتحمل المسئولية المالية ويصلح ما خربه. وهذا المبدأ الذي تطبقه البلدان الصناعية داخل حدودها وعلى مواطنيها, تتهرب من التقيد به على المستوى الدولي باعتبار ان الدول الصناعية هي المسئول الاول عن تلويث البيئة في العالم وعليها تحمل المسئولية المالية ازاء ذلك. وقد سعت هذه الدول وخصوصا الولايات المتحدة الى محاولة تحميل المسئولية للبلدان النامية, او على الاقل اعتبارها شريكا موازيا في تحمل المسئولية علما بأن التقارير الامم المتحدة تؤكد ان الاغنياء يلوثون البيئة اكثر تسع مرات من الفقراء. بقلم: عندنان علي صحفي سوري