حينما نتحدث عن (الشرعية الدولية) يقفز الى الكثير من الاذهان هذا المبنى الزجاجي الضخم المتواجد في (مانهاتن) بنيويورك وسط حراسة الكترونية وبشرية مكثفة, اما عند تجار المدينة (نيويورك) فإن الشرعية لا تعني اكثر من (25) مليار دولار يكسبونها سنويا من خلال وجود المبنى الزجاجي المذكور في مدينتهم وطبعا فاللاجئة الافريقية المحملة بأوزار التقاتل القبلي, وتبعة عدد من الصبيان الذين يمسكون بطرف ردائها لا تنظر الى هيئات الشرعية الدولية بمثل ما ينظر إليها قائد (الناتو) الباحث عن مظلة قانونية لتحريك آلته العسكرية نحو جهة ما في الارض, ومن هنا جاءت تناقضات المواقف ازاء الشرعية الدولية بين رافض وقابل.. ولكي نستطيع سبر اغوار الموضوع لابد من شبه استقراء ومسح تاريخي له. البدايات... والارهاصات يرى البعض ان المفكر الفرنسي (بيار دوبوا) (1250 ـ 1323) هو اول من اعمل فكره في التنظير لقانون يكون بمثابة شرعة دولية وقد وضع لذلك مشروعا سنة 1305 لتكوين (مجلس تعاهدي) و(محكمة دولية) وبعد ذلك ظهرت الكثير من التنظيرات والمشاريع لكل من (ملك بوهيميا) (1461م) والوزير سولي الفرنسي صاحب كتاب (اقتصاديات ملكية) وفي العام (1623) صدر مشروع مماثل للراهب الفرنسي اميريك كروسي وهكذا مرورا بعد ذلك بما كتبه الراهب الانجليزي (وليام بن) والمفكر الفرنسي (سانت بيار) وهكذا تدرجا الى ظهور عصبة الامم التي دامت 26 سنة من نهاية الحرب العالمية الاولى الى نهاية الحرب العالمية الثانية, وخلفتها بعد ذلك (هيئة الامم المتحدة) والتي ظهرت بصفة رسمية بتاريخ 24 اكتوبر 1945 بعد مخاض كانت بدايته سنة 1941 بتحرك كل من الرئيس الامريكي (فرانكلين روزفلت) ورئيس الوزراء البريطاني (ونستون تشرتشل). وطبعا فقد كان الهدف الاساسي من ايجاد هيئات للشرعية الدولية هو اعادة تنظيم للعالم وفق صورة تنظيم (الدولة) بعد ان ثبت ان تنظيم الدولة يساعد على تجنيب مواضيها (التقاتل) و(الفناء) و(الفوضى) .. اذن فقد كان الهم هو ايجاد (عالم مستقر وآمن) . بين الرفض والقبول والآن وبعد 55 سنة من ايجاد الامم المتحدة وما تحمله في اعطافها من هيئات كمجلس الامن, والجمعية العامة, ومجلس الوصاية, ومحكمة العدل الدولية واجهزة اجتماعية وغيرها, بدأ العالم ينقسم بشأن الشرعية الدولية التي تبقى مثالية مفقودة قسمين, بين رافض ومدافع عن هذه الشرعية. غير ان النظرة العامة لا يمكن ان تعطينا الصورة الحقيقية لهذا الانقسام بشأن هذا الامر لذلك لابد من الاقتراب اكثر للبحث في دواعي واسباب كل اتجاه ورأي. الحلم والواقع منذ قرابة (15) سنة وفي عيد ميلادها الاربعين وقف الامين العام للامم المتحدة آنذاك (خافيير بيريز دي كويار) (1982 ـ 1991) ليقول: (خلال رحلة الاربعين عاما اكتسبنا كثيرا من الخبرات, بعضها مشجع وبعضها الآخر مخيب للآمال, لقد قمنا بنشاطات كبيرة وحملنا امتعة تزيد على الحد المسموح به, وحينما ننظر الى الامام علينا ان نقدر: اي النشاط مفيد حقا واي الامتعة تلك التي لا لزوم لها والتي لابد على المنظمة ان تلقيها لتواصل الرحلة) . وفي الحقيقة وعلى طول الطريق الذي سلكته المنظمات الدولية القائمة على ما يسمى بالشرعية الدولية, كان هناك نصف كأس فارغ في مواجهة النصف المملوء وبقدر ما عملت الامم المتحدة وغيرها من الهيئات على الحفاظ على الاهداف السامية التي ظهرت من اجلها بقدر ما تورطت تحت ضغوط القوى العظمى فيما يعتبر نقيضا لأهدافها حتى اصبح الكثير من الناس يسمعون (الشرعية الدولية) ويفهمون (مصالح الكبار) كان هذا التناقض هو الذي قسم العالم الى قسمين احدهما رافض لاستمرارية الهيئات الممثلة للشرعية الدولية لكون هذه الهيئات اصبحت مجرد غطاءات بيضاء لمآرب استعمارية سوداء, والآخر مدافع عن هذه الهيئات مذكرا بما قدمته من السلم, والمساعدات والامن في خلال عقودها. في أمريكا ففي امريكا مثلا يظهر هذان التياران في التشكل الانعزالي المطالب بوجوب توجيه الاهتمام الامريكي فقط الى الداخل, وعدم اقحام المقدرات الامريكية في امور دولية لا فائدة منها لامريكا لذلك يرتفع عند هؤلاء شعار (لا فيتنام اخرى) وهو شعار يجسد فكر شريحة واسعة في امريكا ترى ان الواجب هو السير نحو (عالم بدون امم متحدة) وهي الفكرة التي تتبناها شريحة واسعة في الحزب الديمقراطي, اما الضد الذي يرى اهمية الامم المتحدة فإنه يرى وجوب اعادة النظر في كثير من جوانب سيرها ومعالجتها للأمور الحادثة في العالم, غير ان اللافت للانتباه هو ان هذا الطرف يرى ان الامم المتحدة يجب ان تكون (تابعة) لوزارة الخارجية الامريكية لذلك فهم يدقون ناقوس الخطر مما اسموه حسب زعمهم (ابتلاع الامم المتحدة للسيادة الامريكية) وهو الرأي الذي يتبناه بعض اعضاء الكونجرس وقد تردد كثيرا من بعض المرشحين للرئاسة الامريكية في ابريل 1996. غير ان الحقيقة هي ان امريكا برمتها تعيش تناقضا موقفيا رهيبا, فهي من ناحية تمتنع عن دفع مستحقاتها للامم المتحدة, وهو ما يعني غسل اليد من الالتزام بالواجب المالي تجاه هذه الهيئة الامر الذي يعرضها للضعف والزوال, خاصة اذا عرفنا ان بعض البنوك الامريكية اصبحت تمتنع عن اقراض الهيئة خوفا من عدم مقدرتها على سداد ديونها, ولجوئها الى المطالبة باسقاطها غير ان امريكا من ناحية اخرى تريد الابقاء على هذه الهيئة لتمرير مقدراتها ومشاريعها التركيعية المصلحية بإلباسها ثوب الشرعية الدولية, ومعنى ذلك ان الشرعية الدولية عند الامريكان شرعيتان: 1ـ شرعية دولية لصالح امريكا ضد الآخر, فهي مدعومة ومدافع عنها. 2ـ وشرعية دولية لغير صالح امريكا ومن دار في فلكها كإسرائيل مثلا, وهي شرعية متجاوزة يلتف عليها بطرق تحايلية احيانا, وتقنية مادية في اوقات اخرى, وبعنجهية ان لزم الامر في صورة ثالثة. لكن المشاهد ان الدور الامريكي المتناقض والذي عمل على استعمال الامم المتحدة كأداة (بل الشرعية الدولية) هذا الدور يشهد جذبا قويا نحو تخلي امريكا عن دور (المتدخل) في كل المشاكل لاسباب عدة اهمها: ضغط شريحة كبيرة في مصدر القرار الامريكي وفي الشارع لتقليص الدور الامريكي في الساحة العالمية (لا فيتنام اخرى) .. كما ان كثرة وانتشار وتسارع المشاكل والتفكك العالمي والذي تحدث عنه (نايزبيت) في نظريته سيجعل الحرائق فوق قدرة امريكا على المحاصرة. وآنذاك فستظهر الكثير من البؤر التي تدور احداثها خارج مظلة الشرطي الامريكي, كما ان ظهور قوى عالمية واقطاب دولية اخرى تنازع امريكا طرف القرار والتدخل, ومن ذلك عزم اوروبا على تحقيق حلم (شارل ديجول) بالانسحاب من (الناتو) وتكوين قوة دفاع بحتة, سيفت من عضد الدولة العظمى, ويعطي عملها وتدخلها الطابع الفردي, وهو ما يعني منافاة (الشرعية الدولية) . وقد قرأت منذ مدة تصريحا (لجيليان سورينسين) مساعدة الامين العام للامم المتحدة (السابقة) تقول فيه: (ان ما يقلقني هو ان امريكا توشك على التنازل عن عرش دورها القيادي التاريخي, وسيخلق هذا فراغا, سيملأه على الفور غيرها, مثل (الاتحاد الاوروبي) . الصورة المكبرة ان صورة ما هو موجود في امريكا من التجاذب بين رفض وقبول الشرعية الدولية يمكن ان توسع لتكوين صورة العالم برمته فالكثير من الدول الضعيفة والتي ترى ان مهمة الامم المتحدة وغيرها من الهيئات هي استعمال الشرعية الدولية لحمايتها من مخالب الدول الكبرى ومن ضغوطها السياسية والاقتصادية خاصة اصبحت يوما بعد يوم تسير نحو قناعة ان الشرعية الدولية ليست في الاخير سوى غطاء تستعمله الدول الكبرى لتبرير وتمرير مشاريعها ورؤاها, لذلك كان البحث جاريا عن احداث اطر جديدة او على الاقل اعادة النظر في الاطر القديمة للشرعية الدولية, ومن ذلك المطالبة بإعادة النظر في قضية (حق الفيتو) واعطاء استقلالية اكبر للهيئات المجسدة والممثلة للشرعية الدولية, والمطالبة بتوسيع مجلس الامن, بل وتجاوز بعض الهياكل تجاوزا كليا مثلما حدث في استحداث (محكمة الجزاء الدولية) التي تم التوقيع على ميثاق انشائها في 12 يوليو 1998 وما يعنيه ذلك من النية في تجاوز (محكمة العدل الدولية) وهو الامر الذي اثار حفيظة الجانب الاسرائيلي الذي رفض التوقيع على ميثاق المحكمة, كما اثار اعتراض الجانب الامريكي الذي يريد ان تكون المحكمة صورة مطابقة لتصوراته وممارساته بإبقائها تحت وصاية مجلس الامن اثار الدول الضعيفة التي كانت ترى ان ابقاء او انشاء (محكمة الجزاء) تحت جناح مجلس الامن معناه امركتها, ومعنى ذلك ان هذه الدول ما عادت ترغب في النسج على منوال الشرعية الدولية بالمعنى القديم الذي تمثله الامم المتحدة وهياكلها الداخلية, مجلس الامن ومحكمة لاهاي.. وغير ذلك. ان الدول الضعيفة ترفض الشرعية الدولية من منظور انها اصبحت شرعية امريكية بحتة, بل قد تتوسع شيئا ما لتكون شرعية لصالح القوى العظمى, وهذا ما هو ملاحظ ,فخلال مسيرة عقود الامم المتحدة كانت القرارات التي تطبق وتخرج الى النور هي تلك التي تخدم المصلحة والمشروع الغربي, وفي حوار اجرته (المشاهد السياسي) في عددها (169) لشهر يونيو ,1999 قال الامين العام السابق للامم المتحدة, بطرس بطرس غالي: (هناك قرارات تتماشى مع مصالح الدول الكبرى, او بعضها فقط فتنفذ وتتخذ التدابير اللازمة لها, وبالمقابل هناك قرارات لا تتماشى مع مصالح الدول الكبرى او مع بعض الدول المحسوبة على الدول الكبرى وحينئذ لا تنفذ) ويقول عن اساليب الدول الكبرى في دعم مواقفها في اطار الشرعية الدولية: (ضغوط متبادلة تختلف باختلاف الظروف مرة الضغط اقتصاديا ومرة سياسيا ومرة عن طريق فضائح تنشر في الجرائد.. نعم الولايات المتحدة نفذت القوة بالدبلوماسية وهي بالتالي قادرة على تحقيق اهدافها وبلوغ ما تريد) . ان هذا الواقع قد ولد نفورا كبيرا عند الكثير من الدول من مسمى (الشرعية الدولية) غير ان الذي يجب ان يقال هو ان هذه الكلمة انما وقع الاختلال فيها وحولها لانها وبكل بساطة لم تكن مجسدة لمعناها الحقيقي, لذلك يصر بعض السياسيين والمثقفين على وصفها (بكلمة حق اريد بها باطل) . ان القوى العالمية تنطلق في فهم والتعامل مع الحدث والهيئة والقرار من مصالحها ومنظورها لذلك فالشرعية الدولية لابد ان تتعرض للخرق وهي تطالب بعالم دون سلاح فتاك عند الدول التي انفقت جبال اموال في انتاج تكنولوجيا او صناعة هذه الاسلحة, كما ان الشرعية ستتعرض للخرق من قبل السفاحين العالميين حين تدعوهم الى احترام حقوق الانسان, وهكذا.. وامام هذا يبقى حلم الكثيرين في العالم هو تحقيق شرعية دولية تحكم الجميع, ويتساوى عندها الكبار والصغار وهو امر سيبقى مجرد حلم جميل في عالم تحكمه موازين (التنافس المصلحي) وعقلية (البقاء للافضل) وعولمة تحتكم الى عنصر القوة... وفقط عنصر القوة. بقلم: محمد جربوعة كاتب جزائري مقيم بدمشق