يثير اسم آية الله العظمى حسين منتظري المخاوف والرعب في نفوس المتشددين الايرانيين, فيما يحظى بتقدير واحترام الاصلاحيين, فضلا عن الدهشة والهالة التي تحيط باسمه في اوساط المراقبين لشأن الثورة الايرانية وتقلباتها, فهو من جهة الرجل الذي كان مرشحا لخلافة الخميني, وهو صاحب اجرأ فتوى تخلع صفة القداسة والسلطة المطلقة عن رئيس الجمهورية, وهو القادم من الصفوف الاولى للثورة الى الاقامة الجبرية في منزله.تاليا اخطر حوار اجري مع خلال ابنه الذي بذل هو الآخر كل ما في وسعه كي يوصلها إلى والده. أما الأجوبة الموقّعة والمصدّقة من منتظري نفسه, فسلكت تقريبا الطريق عينها لتعود إلى مجري المقابلة. * في رسالة وجهها أخيرا آية الله خامنئي القائد الروحي للثورة إلى رئيس البرلمان, طالب فيها بسحب مشروع القانون المتعلق بإعادة النظر في القانون الخاص بالصحافة الذي كانت تقدمت به مجموعة من النواب الإصلاحيين. في رأيك, هل أن رسالة من هذا النوع تأتي ضمن صلاحيات ولاية الفقيه. ـ من وجهة نظر الشريعة, إن الجدل على موضوع وصاية الولي الفقيه ومدى صلاحية سلطات المستشار القانوني لا يتفقان وهذه الرسالة. المسألة تتطلب رأي علماء. يمكنك مراجعة الأجزاء الخمسة التي تتناول قواعد التشريع الديني للحكومة الإسلامية. إضافة إلى ذلك, إن القرارات لها حالاتها الخاصة وشروطها, بحيث أن الولي الفقيه لا يمكنه إصدار قرارات في أي قضية تحلو له أما فيما يتعلق بقضية الصحافة, فرسالته أولا, لم تكن قرارا بل تحذيرا. ثانيا, ليس هناك من ضرورة لقرار إذ أن أعضاء البرلمان هم أشخاص ملتزمون وأتقياء, وهم على إطلاع جيد على النهج الإسلامي والقواعد. وفي النهاية, هناك مجلس وصاية على البرلمان يعطي رأيه في الموضوع وفي أي وثيقة يوافق عليها ممثلو الشعب. معايير سلطات الفقيه * ما هي المعايير العقائدية التي تحدد مجموعة سلطات ومسئوليات ولاية الفقيه؟ واستنادا إلى التفسير الرسمي, هل تتمتع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بأي استقلالية في الجمهورية الإسلامية في إيران؟. ـ إن تعبير الوصاية المطلقة لولاية الفقيه لم يرد أصلا في المادة 57 من أول دستور للجمهورية الإسلامية في إيران. بل أضيف إليها أثناء مراجعات عدة للدستور, على رغم ظهور اختلاف في الرأي حول هذه النقطة بين أعضاء البرلمان وعدد كبير من الناس والعقلاء الذين لم يصوتوا عليه. ما عُرض على الشعب للتصويت عليه من جانب الصحف, لم يتضمن عبارة (مطلقة) . وفي وقت لاحق, أعلن أحد أعضاء هيئة مراجعة الدستور في إحدى المقابلات أن تعبير (وصاية مطلقة) وافقت عليه الهيئة بالذات, إنما حصل خطأ في إسقاطه من النص الذي عُرض على الشعب, وتاليا لم يصوت الناس عليه. وفي الواقع تمت إضافته كما هو إلى الدستور. ولسوء الحظ, إن أرشيفي الذي كنت أحتفظ فيه بكل الصحف الصادرة آنذاك, تعرض للنهب, ولم يعد في إمكاني مراجعته. إن تفسيرات هؤلاء الأشخاص للوصاية المطلقة لولاية الفقيه تتناقض (بشكل مباشر) مع مواد عدة من الدستور. فاستنادا إلى الدستور, ولا سيما منه المادتان 6 و,56 يجب أن يستند حكم الجمهورية الإسلامية في إيران إلى تصويت الشعب. كلمة جمهورية تحمل هذا المعنى بشكل محدد, وعلى نحو يتلاءم طبعا مع تعاليم الإسلام والشريعة. ينتخب الشعب أعضاء البرلمان كي يشرّع والرئيس كي ينفذ القوانين وينجزها. لكن التفسير الذي يعطيه هؤلاء المعنيون للوصاية المطلقة لولاية الفقيه هو طغيان رأي الولي الفقيه إلى حدّ الاستبداد, بحيث تصبح جميع المؤسسات المسئولة غير ذي فائدة وتبدو كأنها في حالة ترهل.. إن الواقع القاضي بأن يكون البرلمان والسلطة التنفيذية مسئولين تجاه الشعب, إنما غير مستقلين أو ممتلكين لمركزية السلطة, هو واقع غير منطقي أو عقلاني على الإطلاق. * التفسيرات الراهنة الصادرة عن مراكز السلطة المتعددة, لا تترك مجالا للأجسام المنتخبة ديمقراطيا كي تمارس مسئوليتها. ألا يتعارض ذلك والمبادىء عينها التي أطاحت الملكية المطلقة ووضعت حداً لحكم الشاه قبل 21 عاما؟ ـ في عصر كعصرنا اليوم, تجد فيه الناس يقرأون السياسة ويهتمون بها, يتثقفون فيبلغون مستوى ذهنيا رفيعا, ويتصلون بالعالم الخارجي اتصالا كليا وكاملا, بحيث تُتاح لهم معاينة الحرية السائدة في بلدان أخرى. أمام هذا الواقع لا يمكن تجاهل الحريات المشروعة للناس وكمّ أفواههم وخنق الصحافة والتركيز على استسلام كامل وغير مشروط من الشعب, ولا سيما منه النخب المثقفة والعلماء والخبراء في العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وكل ذلك يتم بتحريض من شخص واحد غير معصوم عن الخطأ وقادر على ارتكابه خصوصا تحت راية الإسلام والدين. إن ذلك لن يؤدي سوى إلى ثورة الشعب غير الراضي ضمنا عن التفسيرات التي تُعطى للإسلام والدين. عالم اليوم لم يعد يقبل بالدور المطلق للفرد. حكومتنا لا يمكن مقارنتها بالحكومة البسيطة التي قامت في بدايات الإسلام والتي كان يرأسها شخص منزه عن أي خطأ أو عيب, يُضاف إلى ذلك, على صعيد المواضيع الاجتماعية والسياسية أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يتخذ قرارات بنفسه. فالله تعالى يقول في القرآن الكريم: (وشاورهم في الامر) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطلب من الناس في كل وقت أن يوجهوه. والمقصود في العبارة المستخدمة الإصلاح والسمو والنبل, وتاليا ما يعنيه النبي صلى الله عليه وسلم بكلامه هو: (أشرف على عملي وأرشدني) . إن الشعب هو الأساس الذي تقوم عليه الحكومة. وشعبنا يعيش بالإسلام لكنه يرفض الاستبداد, التصرفات الفردية ستؤدي إلى زعزعة النظام وضعف مؤسسات الحكومة وركائزها. لقد تعرض الإسلام والحكومة الإسلامية في إيران لأذى وضرر يتعذر إصلاحهما فيما يتعلق بالحياة الاقتصادية والسياسية نتيجة قرارات فردية وأفكار مطلقة. إن قيام مدرسة فكرية لدى الجيل الجديد تنادي بفصل الدين عن الدولة هو نتيجة مباشرة لهذا الأمر. * تمثلون السلطة الشيعية العليا في إيران والعالم. هل تعتقد أن الإقامة الجبرية التي فُرضت عليك وقتل مؤيديك يشكلان تناقضا صارخا مع الاحترام الواجب أن يُقدّم في الإسلام للعلماء والحكماء؟ ـ ردا على سؤالك المتعلق باحتجازي وعواقبه, أود الإشارة إلى أن احتجازي, ويا للأسف, والاعتداءات المتكررة والمستمرة على تلاميذي ومعارفي, إضافة إلى اعتقال وتلفيق تهم إلى عدد من الأشخاص الكتّاب والمتكلمين الذين هم من الأتقياء والملتزمين بتعاليم الإسلام بحجة الدفاع عن الدين والنظام, إضافة إلى إرغام بعض المؤسسات على تقديم التملق والثناء الرخيصين, وعدم التسامح مع أي شكل من أشكال التوجيه الهادف إلى نشر الخير والدفاع عن الإسلام, كل هذه الأمور والممارسات تدخل في المسائل العامة. ألا تعني أن المسئولين وحدهم هم الذين يفهمون والشعب لا يُحسب له حساب؟ إن الإمام علي كرم الله وجهه . قال في نهج البلاغة ما مفاده أن تعاطي الناس معه لا يريده أن يكون من منظار المسايرة والمساومة. ويشدد على أنه ليس صعبا عليه أن يسمع ما هو حق, وأنه لا يتوقع من الناس أن يعتبروه عظيم الشأن, لأنه سيكون من الصعب على شخص لا يمكنه الاستماع إلى رأي الآخرين أن يقودهم بطريقة صحيحة. ودعا الناس إلى عدم التواني عن قول ما هو حق وما يؤدي إلى العدل لأنه لا يعتبر نفسه فوق الخطأ ومنيعا تجاهه إلا إذا شاء الله تعالى له ذلك. ما هو مهم عندما يُحكم على الأشياء في الإسلام, هو الأخذ في الاعتبار حقوق الناس واحترام قوانين الله وعدم الدمج بين القضايا السياسية والحزبية أو حفظ ملفات ضد أشخاص من جانب مدّعين محترفين خاصين. لا تجد أيا من المحاكمات السياسية التي أصبحت شائعة اليوم في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو في سيرة أمراء المؤمنين. * في الأسابيع القليلة الأخيرة كانت الصحافة عرضة لهجمات عدة بلغت حدّ إسكات أي صوت معترض. ألا تعتقد أن إقفال صحف واعتقال صحافيين هما مقدم لهجمات عامة على أي نوع من الإصلاح؟ ـ هذه الاعتداءات تشكل انتهاكا واسعا لمسار البحث عن الحرية والإصلاح. طبعا الدلائل تشير إلى الهدف الكامن وراء هذه الأعمال. إن سبب إلغاء المادة 24 من الدستور هو حرية الصحافة إلا حيث يتعارض الأمر ومبادىء الدين الإسلامي أو الحقوق العامة. لكن في المقابل, وفيما تتمتع المنشورات التي تدعم تصرفات المسئولين بحرية كاملة, نجد أن الصحافة المنتقدة أخطاء الحكم والمنشورات التي تتضمن مطالب الناس أو أخبارا لا ترضي المسئولين قد تم حظرها بأعذار خاطئة, بما فيها اتهام تلك الوسائل بـ (تسلل العدو إليها) وبدلا من اتهام الناس الأبرياء ووقف الصحافة الوطنية, من الأجدى بالسلطات أن توقف الأعداء المحتملين. وكما قلت في السابق, فإنه يجب عدم وقف شبكة المياه التي تعتمد عليها حياة الأمة لمجرد الاعتقاد بأن العدو قد دس السم فيها. الأمر نفسه ينسحب على الصحافة. هؤلاء السادة يريدون حكم بلاد صامتة صمت القبور, ولا يرغبون في الاستماع إلى أي نوع من أنواع الانتقاد. في بداية الثورة الإيرانية كان شعارها يرتكز على ثلاث ركائز: الاستقلال والحرية والجمهورية الإسلامية. ومن أجل هذه المبادىء يواصل شعبنا اليوم نضاله. لا وصاية على الشعب * إن مجرد التفوه باسمك يكفي لتحويل أحلام الرجال الأقوياء في طهران إلى كابوس. ألا تخشى على حياتك؟ ـ أود الإشارة إلى أنني لا أسعى إلى منصب ولست في المقابل عدوا للثورة أو جاهلا لقواعد الشريعة الإسلامية وواجباتها, لكن استنادا إلى واجباتي الدينية وضميري لا يمكنني أن أقف متفرجا. أوجه تنبيهات أخوية إلى المسئولين والذين هم في السلطة مبينا أن الطريقة التي يتعاطون من خلالها مع الشعب ستبعده عن الإسلام وعن القيادة. وأدعو متولّي الشأن العام إلى عدم تصديق الشعارات التي تطلقها جماعات معينة تتقرب منهم بخداع ناعم أو فاضح وهي لا تمثل معظم الناس. فعلى المسئول أن يعيد تقويم طرقه قبل أن يفوت الأوان. أما تصرف القضاء حيال الصحافة وأصحاب القلم فليس عادلا وكذلك قرارات ولاية الفقيه التي تنطلق من وصاية كاملة على البرلمان والشعب. ففي مجلس نيابي مؤلف من 290 نائبا هم من أفضل ما أنجبتهم الأمة, ولديه خبراء وعقلاء, هل يُعقل أن يكون جميع هؤلاء متنكرين لدينهم ولا مبالين بالقواعد الإسلامية ومبادىء الدين؟ هل حفنة قليلة من الأشخاص ـ بمن فيهم الولي الفقيه- هم وحدهم حماة الإسلام؟. رأينا كيف أن ولاية الفقيه حازت من خلال استغلال ادّعاء خاطىء حقا في الرقابة والوصاية على الانتخابات الأخيرة ولا سيما منها تلك التي أجريت في طهران, وكيف حركت أشخاصا صعودا أو نزولا على اللوائح! يتحدثون في شعاراتهم عن الحرية, في حين أنني, بسبب توجيه خطاب ناقد, تعرضت للاعتقال المنزلي لمدة ثلاثة أعوام وما زلت محتجزا, فيما وُضعت مكاتبي في قمّ ومشهد تحت سيطرة أجهزة النظام. حسينيتي التي تحتوي آلاف نسخ القرآن الكريم والكتب العلمية والدينية والمقتنيات التي أملكها أو تلك التي استعرتها تمّ احتجازها. وعلى رغم أنني أحد مؤسسي الثورة الإسلامية, فإن أي كتاب صدر عنها أو منشور أتى على ذكر اسمي, ناهيك بنشر أفكاري, ونتيجة لذلك لا يمكنني أن أجري مقابلات إلا مع مطبوعات من خارج البلاد. لكن على رغم كل ذلك آمل في أن يساعدني الله العلي القدير على مواصلة تحمل واجباتي الأخلاقية والدينية على أفضل ما يرام. حوار: احمد رأفت القاهرة ـ حوار: ماجدة معمر