ليس نوعا من الحنين الرومانسي الى الماضي حين اروي هذه الحكايات السياسية الصغيرة, الكبيرة بمغزاها, فالماضي ليس اجمل من الحاضر دائما وفي كل مسارح العيش, غير انه في المسرح السياسي كان اجمل وأنبل بالتأكيد. أتذكر مثلا الايام التي سبقت نكبة الـ 48 حين كانت احلامنا ومن مختلف الاعمار تكاد تنحصر في ان تتاح لسعيد الحظ منا فرصة ان يحمل بندقية ويعتمر كوفية بعقال, ثم ينطلق الى ارض فلسطين كي ينضم الى المجاهدين هناك ضد المحتلين البريطانيين والمغتصبين الصهاينة. كنت وقتها ما أزال طالبا في صف شهادة الثانوية العامة وكان الهياج للجهاد قد اخذ منا نحن معشر الطلاب كل مأخذ, فثارت جموعنا ضد الحكومة الوطنية ونحن بعد في السنة الاولى او الثانية بعد الاستقلال عقب جلاء القوات الفرنسية عام ,1945 معتقدين ان الحكومة التي كان يرأسها آنذاك السياسي البارع جميل مردم بك تعرقل عمليات التطوع للراغبين في الالتحاق بصفوف الثوار العرب على الارض المقدسة, وعبرنا عن ذلك بمظاهرة طلابية كبيرة تجمعت كما كانت العادة من مختلف المدارس امام مدرستنا الثانوية الاكبر في العاصمة وكان اسمها تجهيز البنين الاولى ـ واسمها الآن ثانوية (جودة الهاشمي) , والى جوارها ثانوية (ابن خلدون) بعد تقسيمها الى مدرستين. وصلت جموعنا الغاضبة الى ساحة (المرجة) وهو الاسم الشعبي لساحة (الشهداء) ـ قبل الظهر بقليل حيث احتشدنا قبالة مبنى السراي الكبير ـ مركز رئاسة مجلس الوزراء عهدئذ, ومقر وزارة الداخلية حاليا ـ وشرعنا نطلق هتافاتنا القومية الحماسية ضد الحكومة وضد شخص رئيسها بالذات مطالبين بمساعدة الدولة على تجنيدنا بأسرع وقت وتدريبنا على القتال ثم ارسالنا على جناح السرعة الى فلسطين كي نفديها بأرواحنا! يا إلهي.. لكم كانت هتافاتنا عالية يومئذ وصادقة! وبعد دقائق من وصولنا لمحنا مجموعة من الاشخاص المهندمين يخرجون الى الشرفة المطلة من الطابق الثاني على جموعنا الصاخبة, يتصدرهم جميل مردم بك ملوحا بيده, فهدأت الاصوات فضولا وترقبا ولم يلبث الوزير الاول والمشهور جدا في ذلك العهد بإلقاء خطاب مرتجل لم نفهم كلماته جيدا بسبب بعده عنا, فصرخنا به اننا لا نسمع فما كان منه الا ان قطع خطابه واختفى مع من كانوا معه عن انظارنا, ولكنه لم يلبث ان ظهر امامنا بغتة خارجا من الباب الرئيسي في الطابق الارضي حيث وقف مع حاشيته من الموظفين والوزراء ـ فوق فسحة الدرج العليا حيث صار ممكنا مشاهدته وسماعه بوضوح. كانت المفاجأة أخاذة مبهرة سرعان ما اخمدت صياحنا كي نلتهم الخطاب الناري الذي انهال به علينا كالحمم الملتهبة فبدونا ازاءه ساذجين عاجزين عن بلوغ مستواه الرفيع من الوطنية وهو يثني على حماستنا واخلاصنا مباركا جهودنا وطموحاتنا, لمناصرة (الثورة العربية) بالروح والدم في مواجهة الاخطار الكبرى التي تهددها.. وكلمة بعد اخرى تحول الرجل الذي كنا غاضبين عليه الى بطل وطني عملاق يدعونا للفداء ويحثنا على تسجيل اسمائنا لدى الموظفين الذين فرزتهم الحكومة لهذه الغاية المقدسة بعد فراغه من خطابه مباشرة. وبالفعل.. فلقد بادرنا في اليوم التالي الى السرايا حيث خصصت لاستقبالنا قاعة واسعة حافلة بالموظفين الذين راحوا يسجلون رغباتنا, واسماءنا وكان السؤال الاساسي الموجه الينا هو: (هل ترغب في ان تكون في عداد الفدائيين ام المجاهدين؟) . وحين سألنا عن الفرق بين المصطلحين قيل لنا ان الفدائيين هم الذين يكلفون عادة بالمهام الصعبة المعرضة لخطر الموت اكثر من غيرها اما المجاهدون فهم المقاتلون الذين يشاركون في المعارك النظامية الجماعية عند الحاجة. وكان جواب معظمنا هو التعبير عن الرغبة في الانخراط مع الفدائيين ـ طبعا! ومرت الايام بعدها, وتلتها الاشهر ـ بل السنون ايضا ـ ولم يستدعنا احد للفداء او الجهاد, ثم وقعت الواقعة بعد امد في اواسط عام 1948 اذ دخلت الجيوش العربية مجتمعة المعركة لتحرير فلسطين من الغاصبين وهزمت بأساليب مختلفة, فحلت النكبة وخسرنا الارض ولم يظفر اي من جيلنا بشرف حمل السلاح كما كان يتمنى ونسي الجميع بالطبع غضبهم بعد حين على الحكومة التي نكثت بوعودها, ولم يبق من مشاعرنا سوى تلك النكهة الساخرة اللطيفة التي تذكرنا بعهد سياسي كان اللقاء فيه سهلا بين المتظاهرين ضد الدولة ورئيس تلك الدولة شخصيا وفي الشارع والساحات العامة من دون ان يطلق رجال الامن الرصاص على المتظاهرين المتجاسرين على المقامات العليا كما آلت الامور اليه فيما بعد! وشبيه بتلك الاحداث ما جرى بعدها, وكنا قد غدونا طلابا جامعيين حين خرجنا من جامعتنا ـ الثكنة الحميدية العسكرية ايام العثمانيين ـ باتجاه القصر الجمهوري في مظاهرة حاشدة مطالبين ببعض الاصلاحات في النظام الاداري الجامعي وبعض البرامج الدراسية على ما اذكر. وحين وصلنا الى حي (المهاجرين) حيث القصر الرئاسي, اكتفى افراد الحرس الجمهوري بسد المدخل الخارجي, فتجمهرنا في وجوههم صائحين منددين وهم هادئون وعلى وجوههم ما يشبه الابتسامة المتعاطفة. وبعد قليل لمحنا رجلا مدنيا يخرج الينا ويقول بصوت مسموع ان رئيس الجمهورية على استعداد لسماع مطالبنا شخصيا والحوار معنا شريطة ان نختار لهذا اللقاء لجنة مؤلفة من عدد محدود من الطلاب اذ ليس من المعقول ـ كما قال الرجل ـ ان تدخلوا جميعكم الى القصر الذي لا يتسع لاعدادكم الكبيرة. قالها الرجل ـ وهو رئيس التشريفات كما قيل لنا فيما بعد ـ مازحا ملاطفا فضحكنا لمزاحه واخترنا اعضاء اللجنة على الفور وكنت واحدا منهم ودخلنا الى البهو الارضي حيث طلب الينا الجلوس على المقاعد المنتشرة بانتظار الرئيس (شكري القوتلي) ! ولم تمض لحظات حتى رأيناه بقامته الفارعة يهبط الينا الدرج وهو يرحب بنا قبل وصوله الينا بصوته الاجش المعروف, وحين وصل صافحنا فردا فردا ثم جلس على احدى الارائك وجلسنا حوله وبدأ حوار لن انسى محتواه الممتع ما حييت. اتذكر مثلا ان الكاتب والاديب المعروف فؤاد الشايب كان حاضرا الى جواره اذ كان موظفا كبيرا في القصر وقتئذ, وقد دار الحوار حول عدد من الموضوعات العامة قبل ان نعرض عليه مطالبنا فقال له احدنا وقد تأثر بكلام الرئيس: لماذا لا تكتب مذكراتك وتنشرها؟ فأجاب على الفور: كثيرا ما توجه الي الاستاذ الشايب بهذا الطلب ذلك لأنه هو الذي سوف يصوغ ببيانه الناصع ما سوف اسرده عليه من ذكريات وكنت اجيبه دائما ان لا احد يكتب مذكراته الا اذا شعر ان دوره قد انتهى في الحياة وانا لم اشعر بذلك حتى الآن! قالها ضاحكا وضحكنا معه جميعا. في هذا الجو الحميم عرضنا عليه مطالبنا فحقق لنا بعضها بعد ايام قليلة ولم نكن ناقمين بسبب انه لم يحققها كلها, فلقد كان اللقاء الحميم بين طلاب الجامعة المتظاهرين ورئيس البلاد كافيا لتهدئة خواطرنا واليوم وبعد ما يقارب الخمسين عاما او اكثر على تلك الذكرى لا استعيدها الا مصحوبة بانفعال عميق لا يزال قادرا على امتاعي وتذكيري بأيام زمان التي نفحت حياتنا بأنسام من الحرية الجديدة بعد الاستقلال والتي لم تلامس ارواحنا فيما بعد الا نادرا) . وفي الانتخابات لمجلس النواب التي جرت في اواسط الخمسينيات واشرفت عليها حكومته كان يرأسها (سعيد الغزي) اذكر ان تلك الانتخابات الديمقراطية النزيهة الى حد كبير حملت وقتئذ الى المجلس عددا لا بأس به من نواب المعارضة (البعثيين) بشكل خاص ـ كما حملت نائبا شيوعيا واحدا ـ وكانت المفاجأة الكبرى للجميع ان رئيس مجلس الوزراء سيعد الغزي لم ينجح في الدورة الاولى من الانتخابات ـ وكانت تجري على مرحلتين في حال عدم اكتمال النصاب بالنسبة المطلوبة من الاصوات ـ وكان حدثا هو الاول من نوعه في تاريخ البلاد ان رئيس الحكومة المشرفة على الانتخابات لا ينجح فيها وهكذا اضطر الى خوض معركة (البالوتاج) اي الدورة الثانية المكملة, واذكر ان كثيرا من المواطنين ومنهم انا ممن ينتسبون الى تيارات سياسية مختلفة عن سياسة الحكومة تطوعوا ليكونوا وكلاء ـ بلا اجر ـ لسعيد الغزي على صناديق الاقتراع فنجح السياسي النزيه بنسبة (عالية جدا) من الاصوات وقد تأكد سكان دمشق من اخلاص الرجل ونزاهته. استطيع ان اروي حكايات كثيرة من هذا النوع ولكن المجال لا يسمح والمغزى قد صار واضحا.. فلأترحم على ذلك الزمان بقول بسيط يكاد يلخص كل المرارة والشعور بالفقدان: الله.. الله.. على السياسة في تلك الايام! يرويها: شوقي بغدادي أديب سوري