ماذا يجري في الاسواق العالمية للنفط؟ ولماذا تصر الدول الصناعية الكبرى على ملء خزائنها من ضرائب الوقود؟ ومن يتحكم اصلا في اسعار النفط الخام؟ وسيل من الاسئلة الكثيرة التي لم تجد اجابة شافية في عواصم القرار سواء كانت منتجة او مستهلكة, بالرغم من التحليلات العديدة الصادرة منذ انعطافات السوق نحو الارتفاع غير المفهوم. ولان الهستيريا قد اصابت الجميع بسبب المعطيات الدافعة لمستويات عالية من الضغط النفسي و(المالي) فان محاولة فهم ما يجري في الاسواق, قد يؤسس لتسليط الضوء على ما يجري. في نهاية العام 1997م قررت منظمة الاقطار المصدرة للنفط (اوبك) في اجتماع تاريخي زيادة الانتاج بنسبة عشرة بالمئة, ولم يكد الوزراء يعودون الى بلدانهم, حتى بدأت الاسعار بالتهاوي ابتداء من نهاية نوفمبر من ذاك العام حى مطلع شهر ابريل من العام الماضي, حيث بلغ سعر برميل النفط اقل من عشرة دولارات امريكية, الامر الذي انعكس سلبا على موازنات الدول المنتجة التي راحت تشد الاحزمة عبر تجميد المشاريع الرئيسية (الدولة هي الرأسمالي الاكبر في البلدان المصدرة للنفط), وقلصت موازنات المرافق العامة وجمدت التوظيف الحكومي, واعلنت عن وجود عجز في موازناتها كذاك الذي اصابها في العام 1986م. وحتى الآن لم يستطع احد الدفاع عن خطوة اوبك تلك, خاصة وانها جاءت في اعقاب الانهيار الاقتصادي والمالي المدوي الذي شهدته دول النمور الآسيوية في النصف الثاني من العام 1997م, الا ان شعور الدول المنتجة بضغط تراجع العائدات النفطية والتي تشكل ما بين 35 بالمئة الى اكثر من 90 بالمئة من عوائد تلك الدول, قد حرك الاعضاء الرئيسيين في (اوبك) كي يوقفوا هذا التدهور وظلت الدول المنتجة وحدها تصارع الوضع القائم, وكانت الدول الصناعية الكبرى ترفض اية مساهمة في اعادة السوق الى شيء من طبيعته تحت ذريعة وشعار: (لنترك قوى السوق تحدد السعر) . لقد ذاقت الدول المنتجة للنفط مرارة الانهيار السعري, ولم يكن امامها سوى اتخاذ خطوات جريئة في سبيل فرملة الانهيار واعادة الاسعار الى طبيعتها فاتخذت قرارا بتخفيض الانتاج ابتداء من الاول من ابريل العام الماضي, لتبدأ الاسعار في النهوض من كبوتها مجددا ابتداء من ذات الشهر ولم يتوقف ارتفاع سعر البرميل حتى الآن, ليصل الى اعلى سعر له منذ ازمة الخليج في صيف العام 1990م حين كسر سعر البرميل حاجز الـ 35 دولارا ارتفاعا. بالمقابل, وحين بدأت الاسعار في الانتعاش, بدأ الصراخ يدب في العواصم الغربية, وخاصة الولايات المتحدة التي قرر مجلس شيوخها فرض عقوبات على الدول المنتجة للنفط تشبه العقوبات التي تفرضها واشنطن على الدول التي تسميها مارقة ومساعدة ومحتضنة للارهاب! وبين فترة واخرى, تهدد الادارة الامريكية باغراق سوق النفط عبر ضخ المزيد من البراميل من المخزون الاحتياطي, الا ان الاسواق التي كانت تتأثر سابقا بتصريحات وتهديدات كهذه لم تصغ لا الى تهديد الادارة الامريكية ولا الى زيادة انتاج اوبك الاخيرة والتي بلغت رسميا ثمانمئة ألف برميل يوميا, عدا الزيادات غير الرسمية التي سبقت قرار وزراء المنظمة النفطية, فواصلت الاسعار ارتفاعها الجنوني, لدرجة ان خبيرا مثل احمد زكي اليماني وزير النفط السعودي السابق اعتبر ان خطوات اوبك جاءت متأخرة, وتنبأ بانهيار مقبل للسوق النفطية, بينما يؤكد صندوق النقد الدولي على ان احتمالات بقاء الاسعار مرتفعة سوف يمتد الى نهاية العام المقبل على الاقل. والآن, تتضح الصورة اكثر (فأوبك) غير قادرة على كبح جماح الاسعار رغم ان المعروض من النفط اعلى بكثير من الاستهلاك العالمي, ودول اوروبا التي شهدت اضطرابات واحتجاجات لم تتمكن حتى من فرملة السعر. فكأنما هي هستيريا تلك التي تشهدها الدول الاوروبية قبيل دخول الشتاء, وكأنما سائقو الشاحنات هناك قد اعادوا للاضرابات والاحتجاجات وهجها الذي قضت عليها في بريطانيا رئيسة الوزراء السابقة (مارجريت تاتشر) حين تمكنت من ضرب القدرة التفاوضية العمالية وشطبت خيار الاضراب من القاموس النقابي, فالمفردات التي استخدمها اكثر من مسئول اوروبي, تنبىء بان الاوضاع لم تعد تطاق, مفردات مثل اجتماعات عاجلة, واجراءات جديدة, وان الجيش سيؤمن وصول الصهاريج الى محطات الوقود, كلها مفردات طرأت مع تحرك سائقي الشاحنات الذين شلوا الحركة في العديد من العواصم الاوروبية. والحكومات هناك حملت دول اوبك المسئولية, الا ان الوقائع تكذب هذه الادعاءات ففي بريطانيا تحصد خزينة الحكومة مابين 70 ـ 80 بالمئة من اسعار الوقود بسبب ارتفاع الضرائب في حين لايشكل سعر النفط الخام الا نسبة تحوم حول 16 بالمئة ويذهب الباقي للتوزيع. وبريطانيا نموذج ساطع على جشع الخزائن الحكومية في اوروبا فالاسعار تعتبر اعلى من اوروبا بنسبة تصل الى 40 بالمئة وهي اكثر من ضعف السعر المتداول في الولايات المتحدة. وبريطانيا نفسها تفرض ضرائب بشكل مستمر على الوقود كأولوية ثم على السجائر ثم المشروبات الكحولية. الآن وبعد ان تمكنت الهستيريا من السوق والمضاربين والحكومات الغربية, فان الحديث عن مسئولية اوبك هو ضرب من الهرطقة خاصة بعد ان تجاوبت الاخيرة ووضعت آلية لضبط السعر تفيد بضخ نحو 500 ألف برميل يوميا اذا زاد سعر البرميل على 28 دولارا لمدة اكثر من عشرين يوما متتالية, وقد نفذت المنظمة النفطية قرارها وزادت باكثر من ذاك الذي حددته. لذلك فان المشكلة تقع في مكان آخر فهي تقع في احجام الشركات النفطية الكبيرة المسئولة عن تخزين النفط, وفي عدم قدرة مصافي العالم على تلبية الطلب المتزايد حيث انها تعمل بكامل طاقاتها القصوى. الا ان المشكلة الاكبر هي في نسب الضرائب الخرافية التي تفرضها الدول الصناعية على استهلاك النفط, فالمستهلك هناك هو المتضرر الاكبر, بينما تتسلى مصلحة الضرائب في جني المليارات من الدولارات كلما ارتفع السعر. وهذه معادلة يجب التوقف عندها طويلا, كون المعطيات التي افرزتها الاحتجاجات في الدول المستهلكة خلقت انطباعا عاما, بان الدول المنتجة هي السبب في ازمة الوقود, ما يعني تسهيل تمرير اجراءات ضد هذه الدول وفرض (عقوبات) عليها. ولكن هل تستمر اوبك في زيادة الانتاج اذا لم تتراجع الاسعار؟ المعلوم ان ثلاث دول فقط من اعضاء اوبك هي التي تملك القدرة على زيادة الانتاج وهي السعودية والامارات والكويت, اما البقية فانها تنتج بطاقاتها القصوى, وبالتالي فان الضغط الغربي سوف يتركز على الدول الخليجية الثلاث اكثر من غيرها, الامر الذي يهيىء الى تطورات قد لاتكون محسوبة ان في الجانب النفطي حيث الاسواق بدأت في التشبع وبدت مؤشرات ذلك من خلال الضغط الذي يتعرض له نفط بعض الدول الاعضاء من اجل الحصول على خصومات سعر للمشترين, او في الجانب الاقتصادي والسياسي, اذ ان الدول الغربية لن تصمت على المداخيل الاضافية التي حققتها الدول المصدرة للنفط وخاصة دول مجلس التعاون التي تنفق سنويا على الجانب العسكري وحده مايزيد على العشرين مليار دولار. ان الدول الصناعية الكبرى تتهيأ لاستعادة العوائد النفطية, من خلال عقود تجارية وعسكرية قد نسمع عن بعضها في الايام القليلة المقبلة. بقلم ـ رضي الموسوي كاتب بحريني