يعتبر الدكتور رمزي سلمان احد اكبر خبراء الطاقة في العالم العربي, وبصفته تلك احتل منصب الامين العام المساعد لمنظمة (اوبك) لمدة ست سنوات وتحديدا من سنة 1991 الى سنة 1997, وعبر هذه التجربة المهمة روى الدكتور سلمان لـ (الملف السياسي) حقيقة ما يجري الآن في (اوبك) وحولها.. واستنتج ان المنظمة في الاربعين من عمرها اصبحت راشدة وعادت الى صدارة القرار.. كما حمل المتحدث الدول الغربية مسئولية ارتفاع اسعار النفط بسبب سوء التصرف والتخطيط... وهو لا يرى من بدائل امامها سوى التزام المرونة والحوار. وفيما يلي نص الحديث: * اسعار النفط بين احتياج السوق السياسية ولعبة المصالح.. كيف ذلك؟ ـ اصرت الدول العربية والصناعية لسنوات طويلة على ان سعر النفط كغيره من السلع يخضع للتوازن بين العرض والطلب وبالتالي, فإن السوق هو الذي يحدد السعر. اما الآن وقد ارتفعت الاسعار, فهم يطالبون المنتجين بزج كميات اضافية, اي زيادة العرض لتخفيض الاسعار نتيجة للضغوط السياسية, استجابت الاوبك ورفعت السقف الانتاجي في مارس ويونيو وسبتمبر, ولم تنخفض الاسعار. * متوالية ارتفاع اسعار النفط, اين تقود؟ ـ متوالية ارتفاع الاسعار تقود الى زيادة الاستثمارات خارج الاوبك لاكتشاف وانتاج النفط والتحول الى بدائل الطاقة, وفي الوقت ذاته تقليل مستوى النمو في الطلب العالمي على النفط. فزيادة الانتاج وانكماش الطلب سيعني انخفاض الاسعار. * ما هي آلية ضبط الاسعار في ظل تنبؤات ارتفاع السعر الى خمسين دولاراً للبرميل في الشتاء المقبل؟ ـ ما دام النفط سلعة استراتيجية فهو دون شك موضوع خطط سياسية متوسطة وطويلة الامد, ولما كانت الاسعار المرتفعة حاليا هي ليست نتيجة عجز في امدادات النفط الخام, وانما سوء ادارة وتخطيط لأمور الطاقة في بعض الدول المستهلكة. فليس هناك ما يبرر زيادات كبيرة في اسعار النفط الخام, وهذا لا يمنع ارتفاع اسعار بعض المنتجات النفطية وحسب الطلب الموسمي عليها وامكانية المصافي بتوفيرها بالكميات المطلوبة. * اقتراب الشتاء ونقص مخزون الدول المستهلكة يهدد باستمرار موجة الارتفاعات التي تشهدها الاسعار وتفاقم الوضع في الفترة المقبلة. الى اي مدى يصح ذلك؟ ـ المخزون من النفط الخام ومنتجاته نوعان: المخزون الاستراتيجي الذي هو تحت سيطرة الحكومات وبمقدار اقرته منظمة الطاقة الدولية, وهذا لم يتغير عن السنة الماضية, والمخزون الاخر هو التجاري, اي ما هو تحت سيطرة المصافي والموزعين والمتاجرين والمضاربين, وكمية هذا الخزين تتغير حسبما تمليه الظروف التشغيلية للمصافي والموزعين والاعتبارات الاقتصادية التي يعتمدونها, وهذا الخزين هو المنخفض عند بعض الدول الصناعية وليس كلها ودرجة انخفاض الخزين ليست حرجة ولكن تم تهويلها اعلاميا لاسباب سياسية وللضغط على الدول المنتجة وتحميلها مسئولية اي اشكال. * التهديد الامريكي المستمر للأوبك باستخدام كل الخيارات.. ماذا يعني.. وما هي دلالاته؟ ـ ما هي الخيارات المتاحة لامريكا؟ فرض ضرائب عالية على النفط للتقليل من استهلاكه وهي عملية انتحارية في سنة انتخابات, او الزج بقسم من الخزين الاستراتيجي الحكومي لتقليل الطلب على نفط الاوبك, ولكن هذا لن يحل المشكلة, حيث انه لا يوجد عجز في امدادات النفط الخام وهو امر سيفضح اللعبة والمبرر للوم دول الاوبك والضغط عليها. فالعجز الموجود هو في توفر المنتجات في مناطق الاستهلاك وبالكميات المطلوبة, لعدم اشتغال المصافي بطاقاتها القصوى لفترات وعجزها حاليا عن مجابهة الطلب على المنتجات النفطية. * هل ضغوط المستهلكين من اوروبا وآسيا على الاوبك عامل فاعل في اتخاذ قرار زيادة الانتاج؟ ـ ضغوط المستهلكين لها دور في قرارات الاوبك بزيادة الانتاج حتى وان لم تكن هناك القناعة الكاملة بضرورة ذلك. ولكن من باب العلاقات واظهار حسن النية تتجاوب الاوبك. * يقال بأن مصافي التكرير في امريكا تعمل بأقصى طاقاتها وان مخزونها الاستراتيجي عند ادنى مستوياته منذ 24 عاما وباتت تهدد بحدوث شح في وقود التدفئة مع اقتراب فصل الشتاء... ما هي الحقيقة؟ ـ المصافي الامريكية اخذت مؤخرا بالعمل بطاقات عالية ولكن بعد فوات الأوان لان طاقاتها القصوى لا تكفي لسد الحاجة في الفصول الباردة عالية الاستهلاك, وهنا تظهر اهمية الخزين الذي يتم تراكمه اعتياديا خلال اشهر الصيف الدافئة لسد العجز في طاقات التصفية في الشتاء. الخزين المنخفض هو التجاري وليس الاستراتيجي, الخزين التجاري الامريكي من نفط خام ومنتجات يقل حوالي 10% فقط عما كان عليه في السنة الماضية ووقود التدفئة, وهو جزء من هذا الخزين يقل حوالي 20% عما كان عليه قبل سنة بسبب قيام المصافي بزيادة انتاج البنزين غالي الثمن خلال فصل الصيف الماضي على حساب زيت الوقود. * هل المضاربات التي يقوم بها التجار واستمرار نقص المخزون في البلدان المستهلكة وتقلص انتاج المشتقات في بعض الدول من اسباب ارتفاع الاسعار؟ ـ الاسعار تتأثر بعوامل عديدة منها مستويات العرض والطلب, مستوى الخزين من النفط الخام والمنتجات, التغيرات الجوية الموسمية, توفر بدائل الطاقة والظروف السياسية في المناطق الانتاجية بالاضافة الى تأثر المضاربين, والاعلام وتغطيته للتصريحات المؤثرة في البورصات والاسواق العالمية. * منظمة أوبك هل تحولت الى القوة الفاعلة الاولى على الصعيد العالمي؟ ـ اوبك وهي في الاربعين, عادت وبعد معاناة طويلة الى صدارة القرار وعلى الاخص بعد ان ازداد الطلب العالمي على النفط ليقارب الطاقة الانتاجية العالمية, ولما كانت معظم الدول خارج الاوبك تنتج بطاقاتها القصوى, فالطاقات الانتاجية الفائضة هي لدى الاوبك فقط وهي وحدها من يتمكن ان يزيد الانتاج, وهذا هو المفتاح لقوتها وتأثيرها. * الدول الاوروبية بين احتجاجات المستهلكين وضغوط تخفيض معدلات الضرائب المفروضة على الوقود كيف التوفيق؟ ـ ارتفاع الاسعار خلال الفترة الاخيرة فضح الدول الاوروبية واليابان والتي تفرض ضرائب عالية على المنتجات النفطية, فبعد ان استغلت هذه الدول فترات اسعار النفط المنخفضة لتزيد الضرائب دون رفع مجمل ما يدفعه المستهلك, اي انها كانت تحجب عن المستهلك اي فائدة من انخفاض سعر النفط الخام. بعد ان قامت الشركات بتحميل الاسعار بما يوازي زيادة اسعار النفط الخام مؤخرا, اصبحت الاسعار عالية جدا, مما فجر سلسلة الاحتجاجات في الدول الاوروبية, ولا نتوقع ان تنتهي المشكلة قريبا, لا سيما وان ايرادات خزائن هذه الدول من ضرائب البترول تمثل جزءا مهما في باب الايرادات, وتقليص هذه الضرائب قد يكون صعبا. ومن الطريف ان اول قضية كانت تخص الصيادين الفرنسيين الذين بسبب زيادة كلفة الوقود طالبوا بتقليص الضرائب والرسوم المفروضة عليهم لتساعدهم على الاستمرار بأعمال الصيد بصورة اقتصادية, الطلب لم يكن لتقليص الضرائب على الوقود حيث ان الوقود الذي يستعملوه في مراكبهم غير خاضع للضريبة لاعتباره للتصدير مثل وقود الطائرات, ولكن التخفيض المطلوب كان لضريبة الدخل وغيرها. بعد ان تم الاتفاق بين الصيادين والحكومة الفرنسية على تخفيض الضرائب والرسوم, كان الاعلام قد ربط بين الاتفاق وأسعار الوقود, الامر الذي حرك سائقي الشاحنات لطلب تخفيض ضرائب الوقود وهكذا بدأت الحركة وانتشرت في اوروبا. * عبء اعادة التوازن الى سوق النفط العالمية لم يعد يقع على كاهل منظمة اوبك وحدها, بل تشترك معها في هذه المهمة الدول المستهلكة ايضا. ما رأيكم بذلك؟ ـ عبء اعادة التوازن الى السوق العالمية مهمة ليست بالسهلة ولابد من مشاركة كافة الاطراف وتعاونها لتحقيق ذلك وليس للأمد القصير فقط وانما للأمد الطويل ايضا. اهم هذه الخطوات هي خلق الثقة بين المنتجين والمستهلكين والحوار والتعاون للحد من التأرجح في الاسعار تارة لمصلحة المستهلكين واخرى للمنتجين. استقرار الاسواق وعدالة الاسعار وكونهما مجديان سيشجعان الدول المنتجة على الاستثمار في طاقات انتاجية اضافية كافية لسد الزيادة في الطلب العالمي في المستقبل, لا سيما وان الطلب في تزايد في عالم منتعش اقتصاديا, وشعوب تواقة لرفع مستواها المعيشي. * ما هي البدائل المتاحة امام امريكا والغرب لاخضاع الاوبك على المدى القصير والبعيد؟ ـ البدائل المتاحة لأمريكا وغيرها من الدول المستهلكة هو الحوار والتعاون لاستقرار السوق وديمومة اسعار مجزية ومجدية للمنتجين وفي وقت تقترب فيه الطاقات الانتاجية المتاحة في العالم اجمع من الطلب العالمي, قد يكون من المفيد للجميع ان يفكروا لمدى ابعد من الشتاء المقبل او السنة المقبلة, فقد لا يكون بعد سنتين اي امكانية لاوبك او غيرها زيادة الانتاج. * ما هي التباينات الداخلية في اوبك ومدى تأثيرها على وحدة المنظمة؟ ـ ليس هناك تباينات داخلية ذات خطورة على المنظمة ووحدتها, فالقضية الاساسية هي الانتاج والاسعار وهي نادرا ما يختلف عليها من حيث الجوهر. بالرغم من وجود خلافات سياسية وحتى حروب في اوقات بين بعض الدول الاعضاء فإن المنظمة استمرت وجابهت الكثير من التحديات والمحن وهي الآن في الاربعين قوية ومتماسكة جوهريا. فبين الاعضاء ما يجمعهم ويخدم مصالحهم المشتركة اكثر وأقوى مما يفرقهم. حاوره في الدوحة ـ فيصل البعطوط