يمكن اعتبار مؤتمر قمة الألفية الذي عقد تحت لواء الامم المتحدة من اهم الاشكال السياسية بل لعله كان المؤتمر الاكبر من حيث اجتماع قادة العالم وخاصة في هذه المرحلة التي تعتبر مراجعة حقيقية لما تم انجازه, خلال القرن الماضي بشكل عام, وخلال حياة الامم المتحدة بشكل خاص, وكان الموضوع الاهم في هذه القمة هو ايجاد تصورات مستقبلية واستراتيجيات جديدة قد تساعد على نهوض الامم المتحدة ومؤسساتها التي بدأت اواخر القرن العشرين بالتنحي جانبا امام ضغوطات الدول الكبرى وسيطرتها الواضحة وخاصة حينما بدأ العالم يخشى من سيطرة القطب الواحد الذي تجلى بالهيمنة الامريكية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. المفارقة الحقيقية والواضحة التي رآها العالم تكمن في آليات الامم المتحدة التي لم تستطع خلال اكثر من نصف قرن الاستقلال عن الهيمنة رغم انها تضم تحت سقفها وتحديدا في عضويتها تقريبا جميع دول العالم, ولكن فاعلية الدول كانت وما زالت تقتصر على بعضها بشكل نسبي وخاصة على الاعضاء الدائمين في مجلس الامن الذين اثبتوا قوتهم بعد الحرب العالمية الثانية وفي اثنائها, وبذلك يمكن اعتبار الامم المتحدة وبشكل اولي دول سيطرة وتحديدا سيطرة القوة التي كانت عسكرية لتصبح الآن اقتصادية في عالم يتهالك جوعا وآخر من هذا العالم يعيش رغدا. واقترابا من الامم المتحدة التي كان يتوقع لها ان تصبح الحكم العادل في معارك الانسان لكنها باتت تعاني من ازماتها الداخلية حيث حددها الامين العام السابق للامم المتحدة بمجموعة التناقضات وهي: تناقض مرحلي, تناقض هيكلي, تناقض نفسي وايديولوجي, تناقض سياسي وعسكري, تناقض اقتصادي وتنموي, تناقض اعلامي وتناقض مالي. ومن مجمل هذه التناقضات فإن الشكلين اللذين يؤثران على بنية الامم المتحدة يتحددان اولا واخيرا بالتناقضات الاقتصادية والتنموية والمالية التي تنسحب على جدول اعمال القرن الحادي والعشرين في الامم المتحدة وفي مقدمة هذا الجدول يأتي موضوع الفقر والتنمية الاقتصادية وخاصة ان العالم يضم 3.1 مليار نسمة من الفقراء والمشكلة الاكثر مفارقة ان عدد الحروب التي قامت بعد انشاء الامم المتحدة بلغت اكثر من 130 حربا راح ضحيتها اكثر من 16 مليون نسمة اكثرهم من الفقراء. نقطة الانطلاق اذا كانت المشكلات التي طرحت في قمة الالفية متعددة الجوانب فإن ما يهم (اهل الجوع) هو التنمية الاقتصادية التي حددتها لجنة المساعدة الانمائية التابعة للامم المتحدة في الجانب الاقتصادي بأهم شكل لها وهو الاسهام في التعاون الانمائي في القرن الواحد والعشرين وخاصة ان دول الجنوب التي حققت الانجاز الضعيف قابلته بتزايد سكاني هائل, فمن هذه المعادلة الثنائية نجد ان اولويات التنمية تصب في الاطار الرئيسي للاجتماع العالمي. ويمكن حصر اشكال الفقر في دول الجنوب بالميزات التي تظهر بشكل واضح ومنها ضعف مسار التنمية في هذه الدول اضافة الى تفاقمها بعد انهيار الكتلة الاشتراكية التي كانت تعتبر قدوة في الصبر كي يسيطر اتجاهها لتنقذ الفقراء من الظلم الاقتصادي العالمي كما كانت تدعي. ولكن الانهيار ادى الى فضح هذه المقولات التخديرية وظهور اشكال الفقر متجلية بالحالة العامة وتضخم الدين الخارجي الذي بدأ بالتزايد بشكل ملحوظ مع بدايات التسعينيات رغم ان العقود السابقة شهدت تطورات ايجابية اعلنتها الامم المتحدة باقرار الجمعية العامة للنظام الاقتصادي العالمي الجديد عام 1974 الذي ادى الى ميثاق الحقوق الاقتصادية للدول وكانت دعوات هذا الميثاق ترتكز على دعوات معقولة نسبيا تساهم في التنمية واهمها تأميم ممتلكات الدول النامية ومساعدتها على تجاوز ديونها. ولكن ردة الفعل الامريكي جاءت سريعة حينما اعتبرت الامم المتحدة الصهيونية مساوية للعنصرية وبدأت بعض القرارات تمرر في غفلة من الفيتو الامريكي مما اظهر بعض الدعوات لانسحاب الولايات المتحدة من هيئة الامم, ولكن هذه الدعوات لم تلق اية استجابة بل كان الرد الامريكي المباشر هو ايقاف تمويل بعض المؤسسات التابعة للامم المتحدة كاليونسكو ومنظمة العدل الدولية وبعض المنظمات الخارجة عن ارادة الادارة الامريكية اضافة الى تقليص التمويل العام المقرر عليها. مؤتمرات وقرارات امام الحاجة المتزايدة لدعم الدول الفقيرة بدأت هيئة الامم المتحدة ومؤسساتها تعقد القمم والمؤتمرات الخاصة بالجوع والفقر وخاصة ان الولايات المتحدة فرضت هيمنتها بشكل كبير بعد حرب الخليج الثانية وتناست مبدأ التعاون بين الاعضاء الذي ينص في مادته 55 على ضرورة التعاون الدولي لمكافحة الفقر والتخلف والصعود نحو التنمية في مختلف المجالات الاجتماعية. من هنا جاءت اشكال مختلفة من المؤتمرات والقمم المتعلقة بالتنمية نذكر منها مؤتمر القمة العالمي للتغذية عام 1995 المنعقد في كوبنهاجن وهذا المؤتمر تناول جميع القضايا المستقبلية المتعلقة بالفقر في القرن الحادي والعشرين والتزام الرؤساء من خلاله بالقضاء على الفقر واقامة مجموعة من اشكال التعاون الدولي للنهوض الوطني في مجالات التنمية. وجاء بعده مؤتمر القمة العالمي للتغذية في روما 1996 الذي التزم تخفيض نسبة الفقر في العالم الى النصف بحلول عام 2015 رغم ان الجمعية العامة للامم المتحدة وعدت بالقضاء على الفقر بين اعوام 1997 و2006 وهذا بالطبع لم يحصل ولن يحصل امام هذا الواقع اذا بقي على حاله, بل ان الوضع يزداد خطورة من خلال بعض المؤشرات التي تدل على تدني مستوى المساعدات العالمية بشكل كبير فمساعدات اللجنة الاوروبية للمساعدة الانمائية التابعة لمنظمة التعاون والتنمية كانت عام 1992 حوالي 62 مليار دولار وانخفض عام 1996 الى 50 مليار دولار. اما المساعدات الانمائية الرسمية فقد انخفضت بين اعوام 1983 و1984 الى 4.27% وازداد الانخفاض الى 2.24 بين عامي 93 ـ 94. وامام هذا فإن لجنة المساعدة الانمائية التابعة لمنظمة التعاون والتنمية لا ترى القضاء على الفقر كاملا بل تورد في تقريرها تخفيف نسبة الفقر المدقع على البلدان النامية الى النصف بحلول عام 2015 ولكن اذا ظلت الهيئات الدولية تسير في بطء السلحفاة بينما التكاثر السكاني في هذه الدول يسير كالخيل الاصائل فإن الفقر سيستمر كالصاروخ الفضائي في سرعته وليس في تقنياته. التنمية الحقيقية هناك قاعدة تعتمدها الامم المتحدة وشتى المؤسسات المتخصصة تقول كلما انخفضت الامية ازداد المردود الاقتصادي, ومن هنا يبدو ان القاعدة التنموية التخطيطية لابد من ان تنظر الى مجموعة من المسائل اولها القضاء على الامية وثانيها الحفاظ على البيئة فالبيئة الصالحة تنجب تنمية صالحة وخاصة في الريف الذي يعتبر اشد فقرا من المدينة رغم ان المدينة بدأت تعاني بشكل ملحوظ في الفترة الاخيرة من الفقر ايضا, ولكنه فقر مبطن فهناك 600 مليون نسمة يعيشون دون المستوى المطلوب في السكن والصحة وهناك 800 مليون نسمة في الدول النامية يعانون من قلة التغذية ان لم نقل ندرتها و200 مليون طفل يعانون من نقص في الطاقة وخاصة من البروتينات وبذلك نرى العالم مشحونا بالفقر والفقراء, والعالم يدخل قرنا جديدا سمته التكنولوجيا التي تبعد المجتمعات الفقيرة اكثر واكثر عن العالم الغني الذي يسعى باستمرار الى نهب خيرات الفقراء لمصالح تطوره ورفاهيته بل لعل دول القوة وعلى رأسها الولايات المتحدة بدأت بالضغط الشديد على الدول الفقيرة وبحجج متعددة وبأشكال متنوعة منها العقوبات الاقتصادية التي انهكت العراق على سبيل المثال وكادت تنهك ليبيا ولم تقف الولايات المتحدة في وجه التنمية بل ساهمت في اماكن متعددة من العالم على التخلف الاقتصادي باعتماد الضغط على الدول المديونة من خلال سيطرتها وقوة وجودها في البنك الدولي وصندوق النقد اضافة الى تهميش دور المؤسسات الاقتصادية كونها ما زالت تعاني من تبعية واضحة للبيت الابيض ورجالاته. وانطلاقا من هذه الصورة القاتمة للجوع والفقر في العالم نتساءل: هل استطاعت قمة الالفية ان تحقق فاعليتها في هذا المجال؟ بكل بساطة اذا ما استمرت القوة المهيمنة دون ايجاد الرادع الحقيقي لها والذي لا يمكن ان يتم الا من خلال الوقوف الحقيقي في وجه هذا المسيطر فإن مجالات التنمية التي تدعيها الامم المتحدة والتي ناقشتها في مؤتمر القمة ستبقى حبرا على ورق لأن عالم الجنوب اصبح بحاجة ماسة وسريعة لانقاذه من الموت جوعا, ومن ذلك يجب ان تحظى قضية التنمية باهتمام كبير ومجموعة من النقاط التي تساعد على الخروج من المأزق واهمها مصداقية الامم المتحدة واستقلالها, ومن خلال هذا الاستقلال يمكن طرح مشاريعها وآليات تنفيذها باعتماد التنمية المتكاملة والسريعة جدا ودمج الفقراء في هذه التنمية دون بقائهم شاهدا عليها بل تقديم فرص العمل لهم ومنحهم القروض الصغيرة والضمان الاجتماعي والتوعية الصحية وآلية تنفيذها اضافة الى تقديم الدراسات المنفصلة لكل منطقة فليست تنمية الغرب الافريقي تطابق شرقه وليست تنمية الامريكي الجنوبي تطابق الاسيوي فلكل منطقة اساليب تنموية تختلف عن الاخرى وحتى في المنطقة الواحدة نجد تباينات في الاساليب لذلك فالدراسات الدقيقة لكل منطقة هي المجال الاسرع والظاهرة الصحية للوصول الى الهدف الذي بات العالم يرجوه وهو في رمقه الاخير وهل سيسمع القوي والغني صوت الفقير والضعيف بعد كل صراعات البشرية وصداماتها؟! بقلم: محمد أحمد يوسف كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في دمشق