تشغل القضايا المصيرية ومشاكل الشعوب اذهان العالم من افراد وحكومات ومؤسسات دولية.. ففي الوقت الذي وصل فيه سكان المعمورة لقرن جديد كان ولا يزال هدف البحث عن وسائل فعالة لوقف, نزيف الدماء في العالم ووضع نهاية للحروب هو واحد من اهم الملفات.. كما ان مشاكل الفقر والجوع وتلوث البيئة والحريات وغيرها تحظى باهتمام هيئة الامم المتحدة, لكن السؤال دائما هل من الممكن التوصل لحلول لهذه القضايا الحساسة؟ للإجابة عن هذا السؤال وطرح مزيد من الاستفسارات كان لـ (الملف السياسي) في هولندا لقاء مع (ايركو دي رووي) باحث في قضايا الحريات والتنمية الدولية والناشط في مجال حقوق الانسان, وبمناسبة عقد قمة الالفية التاريخية التي ضمت 159 رئيس حكومة وزعيم دولة في نيويورك بالولايات المتحدة الامريكية كان هذا الحوار: * هل نفهم من قمة الالفية ان كثيرا من مشاكل الانسانية ستطرح على بساط البحث؟ ـ قمة الالفية مع تحفظاتي على هذا الوصف لم تأت بحلول, فقادة وزعماء العالم ليس بوسعهم ايجاد حلول صادقة لمشاكل الانسانية, فمعاناة شعوب الارض اكبر بكثير من القمة,, وهذا ليس معناه عدم الثقة في هؤلاء الرؤساء.. ابدا.. لكن فقط الحلول تأتي من القواعد التحتية اي من القاعدة وليس من القمة, بمعنى انه لابد من وجود قناعات لدى المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلاد هؤلاء الرؤساء مؤمنة بضرورة ايجاد حلول صادقة وامينة لمشاكل البشرية, والا فإن قمة الالفية فلا ولن تختلف عن اي جمع لرؤساء وزعماء دول, ودعني اتساءل ماذا فعلت قمة البيئة التي انعقدت في (ريو دي جانيرو) ..؟ وهل اتت قمة كوبنهاجن بحلول للمشاكل الاجتماعية في العالم..؟ اكثر من ذلك عقدت قمة دولية في القاهرة واخرى في بكين من اجل حقوق المرأة, فما الفعاليات الحقيقية لهذه المؤتمرات او القمم الدولية؟ واجابات هذه الاسئلة هي باختصار شديد: لو كانت هذه المؤتمرات لها حتى بعض الفوائد او حتى اتت بحلول جزئية لما كانت هناك ضرورة لعقد قمة الالفية, حيث ان ذات الموضوعات طرحت في القمة التي عقدت يومي السادس والسابع من الشهر الجاري في نيويورك تحت مظلة الامم المتحدة تلك المؤسسة التي تنخر قواها المشاكل التنظيمية وتعاني من نقص في الموارد المالية, فمن ينظر للقضايا المطروحة في قمة الالفية التي حضرها 159 من رؤساء دول وحكومات العالم ليس بوسعه الا ان يعتقد باقتراب موعد حلول مشاكل الانسانية في جميع انحاء المعمورة.. فبنود الاجندة التي وضعت لتكون محاور يلتف حولها زعماء العالم تتسم بالمثالية العالية لدرجة تجعل المراقب يعتقد بأن الجنة التي وعد بها الخالق عباده الصالحين قد تغير موعدها ومكانها.. وهذه ليست دعوة للتشاؤم, كما انها ليست عدم ثقة في (المصداقية الفردية) لرؤساء الدول, لكنها عدم ثقة في صدق نوايا وخطط المؤسسات التحتية الادارية لشئون الملفات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كما ذكرت من قبل وتصوري ان قمة الالفية تبحث عن لغة جديدة لمخاطبة الشعوب لكي تستعيد الحكومات مصداقيتها التي فقدتها بسبب الحروب والفقر واهدار حقوق الانسان. * انت لم تذكر لي فائدة واحدة من عقد قمة الالفية واضفت بأن المؤتمرات الدولية ايضا تعقد بدون جدوى, افهم من ذلك ان الحوار ينتهي عند هذا الحد؟ ـ من ناحيتي انا لا ينتهي الحوار هذا ولا اي حوار, حيث وظيفتي كباحث ومراقب سياسي اشترك مع الصحافة في وضع هذه القضايا وغيرها تحت الاضواء, وهي مهمة تدخل في اطار مسئوليتنا جميعا, فعندما تحدثت عن جدوى القمم من عدمها ذكرت شرطا يتمثل في ان الحلول لمشاكل الشعوب تأتي من المؤسسات التحتية, فمثلا احد عناصر اجندة القمة الالفية هو بحث قضية الحرية الانسانية الاساسية, بداية يحتاج بحث هذا الملف لاعادة تعديل وثيقة الامم المتحدة لحقوق الانسان, واتصور مثلا ان يضاف لبنودها بند الزامي يفرض على حكومات دول العالم ـ ومعظمهم اعضاء في هذه الهيئة الدولية ـ توفير وحماية المناخ اللازم لممارسة الحريات السياسية واهمها حرية التعبير عن الرأي وممارسة الديمقراطية, وان يكون للمنظمات الشرعية (اي التي سمحت لها القوانين الاقليمية ان تعمل فوق الارض) سواء الاحزاب السياسية او الجمعيات ذات الاهداف الاجتماعية, الاتحادات التي تهدف لتنمية الديمقراطية الحق في اقامة الدعاوى القضائية امام محكمة دولية ضد حكومة بلادها حال وضع العقبات التي تعيق القيام بمهامها التي انشئت من اجلها, وان يكون لهذه المحكمة الحق في اصدار احكام لمعاقبة الحكومات بفرض حظر اقتصادي او مقاطعة رئيس حكومة هذه الدولة او تلك. * أليس في هذا مبالغة ومن ناحية اخرى يعتبر تدخلا في الشئون الداخلية للدول؟ ـ وأليس من الظلم ان تكون في بعض دول العالم اكثر من عشرة احزاب سياسية تعمل فقط كديكور سياسي لحزب حاكم, يمنعها بسلطاته ونفوذه في الجيش والسلطات الامنية من ممارسة انشطتها السياسية, وحتى حق عقد الاجتماعات العامة لعرض افكارها وبرامجها الانتخابية, فكيف يشترك رئيس لدولة ـ تحدث فيها هذه الممارسات اللاشرعية ـ في قمة تدعو للحريات الاساسية الانسانية, وماذا سيقول عن الحريات في بلاده؟ وما مصداقيته امام رؤساء وزعماء الدول الاخرى؟ أليس هؤلاء شركاء في مسرحية سياسية هزلية, فبعض من رؤساء قمة الالفية يوجد في بلاده مئات المساجين لم تتوفر لهم محاكمات عادلة امام القضاة المدنيين الطبيعيين, ومنهم من يوجد في المعتقلات بدون محاكمات من الاساس. * قلت ان قمة الالفية تبحث عن لغة جديدة لمخاطبة الشعوب فماذا تقصد بذلك؟ ـ حكومات الدول لديها مؤكدات بأن الشعوب اصابها الملل بسبب تكرار رؤساء البلاد والحكومات لذات العبارات, واطلاقهم لوعود كثيرة يثبت مع مرور الزمن عدم تحقيقها, فمشكلة مثل توفير البيئة النظيفة للمواطنين تعد كثير من حكومات العالم بتحقيقها, لكن هذا لم يحدث بسبب ان كثيرا من اصحاب المؤسسات الاقتصادية الكبيرة ومن في حوزتهم رؤوس اموال طائلة هم اصدقاء الحكومات وتتحقق لأصحاب السلطة فوائد ومصالح شخصية, هل لا تستطيع مثلا مصافي النفط الخام صناعة فقط وقود للسيارات يخلو من الرصاص؟ هذا ممكن.. لكنه لا يحدث.. ثم من يملك معامل تكرير البترول خاصة في الدول التي تعاني من نسب عالية في تلوث البيئة؟ أليست الحكومات في دول العالم الثالث, مثال آخر: في دول كثيرة يتم تشغيل الاطفال صغار السن وتحرم ملايين الاطفال من حياة الطفولة الكريمة, وقادة هذه الدول في المحافل الدولية ينادون بعدم تشغيل الاطفال دون السن القانوني, كل هذه المفارقات وتضارب الافعال مع القول يفقد مصداقية حكومات العالم مع مواطنيها, ومن هنا فإن هذه الحكومات تبحث عن لغة جديدة تخاطب بها شعوبها. * هل هناك دور لمؤسسات غير حكومية تساهم به في حل مشاكل البشرية؟ ـ بالطبع توجد ادوار كثيرة وتقوم كثير من المؤسسات في مختلف انحاء العالم بأدوار يشهد لها بالتفوق كما ان رجالات الدين والمؤسسات الروحية لهم ايضا انشطة ملحوظة فبالأمس 6 الجاري واثناء انعقاد القمة الالفية في نيويورك شاهدنا عدداً اكثر من الف شخص لرجالات الدين ممثلي الهيئات والمؤسسات الدينية في بلادهم حضروا لامريكا على هامش القمة الالفية لعقد لقاءات وحوارات حول القضايا المصيرية لشعوب العالم, فقد كان هناك: كردينال من روما يمثل المسيحية والمفتي من سوريا يمثل المسلمين في بلده, وزعيم روحي للبوذية اتى من كمبوديا, وحاخامات اليهود من القدس, والملفت للنظر كان اشتراك كل هؤلاء ـ بإختلاف اديانهم ومعتقداتهم ـ في صلاة واحدة لوقف الحروب وسيل الدماء ومكافحة الفقر في العالم, وتجدر الاشارة لأحدث الاحصائيات التي تؤكد بأن نسبة 83% من شعوب العالم لهم انتماءات ومعتقدات دينية, وان الانتماء للمعتقدات الدينية والروحية يأخذ ابعادا وعمقا جديدا يتزايد يوما بعد يوم, ولعل نتائج هذه الاحصائيات والدراسات هي من الاسباب التي ادت لبحث قادة وشعوب العالم عن لغة جديدة للتخاطب تتلاءم وتطورات العصر الحديث. * هل عقدت لقاءات ثنائية بين قادة دول بينها خلافات على هامش قمة الالفية؟ ـ هذا السؤال كان محل مناقشات اثناء القمة, لكن اتضح العكس حيث ان عددا من رؤساء الدول كان يشدد على اصدار توجيهاته للجهات التي تنظم بروتوكولات المقابلات وحفلات الاستقبال للتوصل لأسماء قائمة الحاضرين من نظرائه حتى يتخذ قرار تواجده من عدمه بسبب عدم رغبته في لقاء طرف ما, وقد غاب نهائيا عن قمة الالفية كل من: الرئيس العراقي صدام حسين, العقيد معمر القذافي رئيس ليبيا, الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش, لكن من الملفت للنظر ان عددا من رؤساء دول غير موجودة على قائمة اصدقاء امريكا قد حضروا مثل: رؤساء السودان وافغانستان, وكذلك (هوجو شافيز) رئيس فنزويلا الذي اثار غضب امريكا مؤخرا بسبب استعدائه لدول منظمة الاوبك على عدم زيادة انتاج النفط والتمسك بزيادة الاسعار, وزيارته للرئيس العراقي صدام حسين, ايضا حضر الرئيس الكوبي (فيدل كاسترو) ولقد واجهت ادارة تنظيم البروتوكول الخاص بالقمة مشاكل تنظيمية خاصة: السؤال منْ يقف بجوار منْ اثناء التقاط الصورة التذكارية الختامية للقمة, هل بالترتيب الابجدي؟ ام يقف رؤساء الدول التي لا توجد بينها خلافات؟ واين سيقف رئيس النمسا؟ الآن اذا كانت هذه هي الصورة التي توضح مناخ القمة وتصرفات الزعماء وقادة الدول فهل ننتظر اتفاقهم على حل مشاكل البشرية؟ أجرى الحوار في لاهاي: سعيد السبكي