لا شك ان اجتماع الالفية الذي عقد في مقر الامم المتحدة, بحضور ما يقارب من مئة وثمانين مندوبا عالميا يعتبر بحد ذاته احد نتاجات بداية هذا القرن, حيث اتيح لكل القوى بعيدا عن سياساتها واحجامها الاقليمية والدولية, بأن تدلي بدلوها في هذا المحفل العالمي, الذي جمع ما يقارب علاوة على مندوبي الدول الاعضاء, ايضا 149 رئيسا وانه شكل احدى المنعطفات المهمة والواضحة للسياسة الدولية على المدى المنظور, رغم ما اكتنفها من غموض وتجاهل لبعض القضايا العالقة, التي تنتظر حلولا لها, والتذكير ببعض القضايا التي تهم الاطراف القوية والمؤثرة في صيرورة الفعل السياسي الدولي. كما فتح المجال امام العديد من الدول المتصارعة, او المتخاصمة لتبدأ جملة من اللقاءات التمهيدية التي قد تؤسس لعلاقات ومن نمط جديد تقوم على اساس من الاحترام المتوازن فيما بينها وتؤسس لبداية نمطية جديدة تعتمد حالة من التنافس الذي قد يحل شيئا ما محل الانماط والاشكال الصراعية التي كانت ولا تزال بين الدول والشعوب دون استثناء. اضف الى ذلك ـ ان اجتماع الالفية ـ شرح الكثير من الامراض الخطيرة التي تعيشها الامم المتحدة بجميع مؤسساتها, خاصة ظاهرة الاحتواء والاستقواء من بعض الدول العظمى على بعض مؤسساتها الفاعلة كمجلس الامن والتي من خلالها مررت الكثير من السياسات التي خدمت اهدافها على حساب العديد من الدول الضعيفة او الصغيرة والامر سيان. ولعل الموقف الفرنسي كان الاوضح في هذا الشأن عندما حذر الرئيس جاك شيراك من المحاولات الدائمة لاستخدام مجلس الامن لتنفيذ بعض المآرب الذاتية لبعض الدول الكبرى. وهنا على ما اعتقد خص الولايات المتحدة التي استخدمت في السنوات الاخيرة, الامم المتحدة ومؤسساتها مطية لتنفيذ مشاريعها ضد بعض دول العالم الثالث والامثلة اكثر من ان تحصى ولعل المثل الصارخ والصورة الاكثر سوداوية التي قصدها الرئيس الفرنسي هي المشهد العراقي. خاصة عندما ندد بشكل واضح بالطريقة التي لجأت اليها الامم المتحدة في التسعينيات الى (العقوبات كما تفعل سابقا) , معتبرا ان (التجربة ليست مقنعة) , لكن الاوضح من ذلك انه طالب بأن تكون (العقوبات, متناسقة مع اهدافها وليس ان تكون لها عواقب انسانية غير مقبولة اي ان يكون تطبيقها حازما لكن من دون ان يؤدي الى آثار ثانوية) , حتى الطاولة المستديرة الى جمعت على جنبات محيطها الرئيس الفرنسي شيراك ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير ورئيس الوزراء الاثيوبي ميليس زيناوي ومجموعة من الزعماء لم تقل اهمية عن خطاب الرئيس شيراك بمضمونها, وما تحملته من نقاشات ساخنة خاصة وانها تناولت القضايا الافريقية ومسألة الفقر والفجوة بين الاغنياء والفقراء والدول المتقدمة والبلدان النامية. وليس من قبيل الغزل او التحيز ان الموقف الفرنسي قد اتسم بالموضوعية والجدية التي بحثت عن حلول للكثير من المشكلات الدولية والقارية, حيث اعتبر شيراك ان العالم يمر بمنعطف تاريخي تواجه فيه الدول النامية مشكلات صعبة, واوضح ان التقديرات تشير الى وجود 200 مليون جائع و2.1 مليار شخص تحت خط الفقر ونصف سكان افريقيا جنوب الصحراء يعيشون تحت خط الفقر وان عشرين دولة في العالم النامي تحصل على 80 في المئة من المساعدات والاستثمارات الدولية بالاضافة الى هذه المواقف الاصوات التي تعالت في اروقة المبنى وردهاته, والتي انصبت في غالبيتها على خلق حالة من العلاقة بين دول الشمال المتخمة ودول الجنوب المجوفة بطونها والتي عبرت عنها لائحة التواقيع التي جمعها تحالف (يوبيل 2000) برئاسة الرئيس النيجيري اولو سيجون او باسانجو والمغني من فرقة الروك الايرلندية (يو2) وقد دارت المذكرة على 155 بلدا والتي طالبت بتخفيف الديون عن الدول الاكثر فقرا ولعل هذه التواقيع جاءت لتذكر دول مجموعة الثماني التي تعهدت في عام 1999 بإلغاء ثلث الديون البالغة 100 مليار دولار المستحقة على دول العالم الثالث لكن الخطى في هذا الاتجاه كانت بطيئة بحسب تحالف (اليوبيل 2000) كما انها طرحت وبشكل لا يقبل اللبس سباق التسلح المحموم الذي يهدد السلام العالمي ويضع العالم من جديد على حافة دورة من العنف, الغير مبرمج والغير مضبوط والذي اذا ما وقع فعلا سيخرج عن نطاق الماء واليابسة الى السماء وهذه المطالبة جاءت للرد على منظومة الردع الصاروخي التي تسعى الولايات المتحدة للقيام به. بموازاة ذلك حزمة المطالب التي نادت بإصلاح مؤسسات الامم المتحدة, وتقديم الدعم لها لكي تكون قادرة على القيام بمهماتها الانسانية. قياسا بحجم المتغيرات المبنية على زيادة الحصص, خلاف ما كان قائما. لكن علينا بعيدا عن التشكيك وتقزيم الاشياء ان نعلم جيدا ان الشعار شيء والاهداف المتوخاة بالنسبة لبعض الدول العظمى كانت شيئا آخر تماما فالصين جاءت هذه المرة على عكس سابقاتها لتعلن بشكل او بآخر انها اصبحت بجدارة الشريك الفعلي للولايات المتحدة مغتنمة بذلك تراجع الدور الروسي الذي كان في وقت مضى يقتسم العالم مع الولايات المتحدة وانها سلطت الضوء على امكانية تقاسم الكعكة, حتى ولو كان ذلك بشكل غير متساو, كما حصل مع ستالين وروزفلت بعد الحرب العالمية الثانية, وتذكير الامريكان بالحاجة الماسة الى البقاء في منطقة اسيا عموما وجنوب شرق اسيا على وجه الخصوص وقد ظهر هذا من خلال نداء الرئيس كلينتون الذي وجهه الى الرئيس الصيني جيانج زيمين, ببدء الحوار السلمي مع تايوان والذي يعتبر اذا ما نجح سلميا تخليص الولايات المتحدة من الحرج الكبير الذي يمس بسياسة الولايات المتحدة على المستوى الدولي بل ويضرب مصداقيتها, امام كل حلفائها على المستوى العالمي بعامة والشرق اسيوي بخاصة. بالمقابل حاول الجانب الامريكي وعن سابق قصد اعطاء الصينيين دورا مميزا في العملية الجارية ازاء توحيد شطري شبه الجزيرة الكورية وهذا الامر بكل تأكيد يعتبر رشوة تمنح للصين على حساب اليابان التي تسعى جاهدة من اجل الحصول على مقعد دائم في مجلس الامن. اما اوروبيا فقد حاولت الولايات المتحدة وردا على المطالب الفرنسية الاوروبية التي تسعى الى نقل فرنسا من مرحلة التابع الى مرحلة الشريك والى اعطاء بريطانيا دورا مميزا اي انها البوابة الاوروبية التي توصل شركاءها الى الولايات المتحدة ولعل حمل الرئيس بيل كلينتون لـ (ليو بلير) المولود الجديد لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير بين ذراعيه والصعود به الى الدرج في فندق ولدروف استوريا في نيويورك للقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك, لم يكن عفويا انما هو تعبير سياسي على ان بريطانيا هي صنو الولايات المتحدة اوروبيا, ولا يمكن تجاهلها وان الفرانكفونية وان اتسعت نطاقها ستبقى اضعف فعلا واقل تأثيرا على كل المستويات, ولا يمكنها ان تتجاوز الانجلوسكسونية. خاصة وان هذه الرسالة حمل (ليو بلير) وتقديمه للرئيس شيراك, جاءت بعد اجتماع رؤساء الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن وبداية اجتماع ثنائي معه وعلى ما يبدو ان هذه القضية ذات دلالات سياسية, تتجاوز الصداقة والعلاقات الشخصية التي تربط كلينتون وزوجته هيلاري مع توني بلير وزوجته شيري وقد تكون اقرب للتحذير منها الى المداعبة, حتى شيراك فهم هذا جيدا على ما اعتقد, اي ما اردت قوله ان الولايات المتحدة صاحبة الكعكة هي المعنية بتوزيع الحصص وليست فرنسا التي انطلقت من تحالفها الاوروبي, وان التقاسم يجب ان يتم بالتوافق معها ودون ذلك يعتبر تحديا للارادة الامريكية, لكن صراع الارادات هذا ليس بالضرورة, ان يؤدي الى طلاق فرنسي ـ امريكي بقدر ما هو عملية تهذيب لطرح القضايا الاوروبية والدولية من قبل فرنسا دون ان نسقط من حساباتنا ان الولايات المتحدة ستبقى محافظة على ايصال الحصة لفرنسا على اكمل وجه لكن من خلال الرؤية الامريكية وحسب, خاصة وان جل هذه الحصة تدفع من جيوب ابناء دول الجنوب الذين يئنون من الجوع والفقر والعوز. وهنا ما اردت قوله, ان الشعارات التي رفعت في اجتماع الالفية شيء والاهداف والغايات شيء آخر تماما فهي من جهة اشركت دول العالم في الاستراتيجية المقبلة التي ترتئيها الولايات المتحدة على كل المستويات, وارضت الكثير من الغرور لدى قادة دول الجنوب على انهم شركاء فعليين وعلى قدم المساواة وبالمقابل اعادت الى فكرة المحاصصة, بالنسبة الى دول الشمال مع بعض القوى الناهضة مثل الصين, لكن هذه المرة كمحاصصة الحيتان كل حسب وزنه المترافق مع فعله وتأثيره وانسجامه مع الرؤية المطروحة ايضا وبعيدا عن النوايا بشقيها الخبيثة والطيبة, وستشهد الايام المقبلة بكل وضوح عملية توزيع الحصص بين كل الحيتان بعيدا عن ألوانها ومسمياتها انطلاقا من ان هذه القمة لم تحترم ولا قرار من قرارات الامم المتحدة الخاصة بمنطقة الشرق الاوسط, وهي المنطقة الاكثر سخونة فلم تقترب الاطراف الفاعلة من القرارين 242و 338 القاضيين بانسحاب اسرائيل من كافة الاراضي العربية التي احتلتها في العام ,1967 كما انها لم تتطرق الى القرار 687 الخاص بالشأن العراقي وقس على ذلك القرارات المتخذة بالشأن الافريقي وغيره وجل ما طالبوا به خاصة الطرف الامريكي هو تقزيم هذه القرارات من خلال مساعدة باراك في التوصل الى سلام دون ان تحدد الاسس التي تقوم عليها هذه العملية وديمومة الخضوع العراقي لمحاكم التفتيش الجديدة. بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم بدمشق