بعد مضي ما يقرب من 12 سنة على انتهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية ظهرت في الأفق احتمالات لتجدد التوتر بين الجانبين في ضوء تلويح إيران بتوغل عسكري داخل أراضي العراق, واتساع الاشتباكات بين الجيش الإيراني ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة التي تتهم طهران بغداد بدعمها عسكرياً.وتتسم العلاقات الإيرانية العراقية بسمة غريبة قلما تتوافر في علاقات الدول بعضها البعض, إذ لا يمكن التنبؤ بمنحنى صعودها أو هبوطها فتارة يبدو البلدان وكأنهما على مقربة من تطبيع العلاقات وإغلاق ملف الحرب وفجأة تنقلب الأمور رأساً على عقب وتتسمم الأجواء ويتبادل حكام بغداد وطهران التهديد والوعيد. واعتبر مراقبون سياسيون أن العلاقات الإيرانية ـ العراقية تشهد الآن حلقة من حلقات التوتر, كما أنها ـ أي هذه العلاقات ـ مرشحة للمزيد من التوتر مع زيادة الملفات المفتوحة بينهما خلال الآونة الأخيرة والتي يأتي على رأسها دعم كل منهما لمعارضة الطرف الآخر,وقضية الأسرى, وتعويضات الحرب العراقية ـ الإيرانية, والموقف الإيراني من حصار العراق لا سيما في ضوء التقارب الإيراني ـ الأمريكي والإيراني ـ العربي. ويرى المراقبون أنه فضلاً عن الملفات الخلافية العديدة فإن الصورة الخاصة لحال العلاقات تتضح فيها عدة ملامح سلبية يأتي على رأسها أن البلدين لم يتوصلا بعد إلى معاهدة سلام دائمة تضع نهاية لحال الحرب بينهما, وإنما بقيت صلاتهما محددة باتفاق وقف إطلاق النار وفقاً لبنود قرار مجلس الأمن رقم 589 التي أنهت حال الحرب بينهما, فيما بقيت عدة بنود جوهرية غير منفذة, لاسيما فيما يتعلق بترسيم الحدود والسيادة على شط العرب. ويؤكد المراقبون على أن هذا النوع من السلام والذي يعرف بـ (البارد) المصحوب بفترات توتر, قد أضاف عوامل جديدة لحال عدم الثقة بين الطرفين. وفي إطار تصاعد الهجمات المتبادلة للجانبين في الآونة الأخيرة, أعلنت حركة مجاهدي خلق مسئوليتها عن قصف إحدى الثكنات العسكرية في شرق العاصمة طهران, بواسطة خمس قذائف هاون, وكانت هذه الثكنة إلى وقت قريب سجناً يحتجز فيه الجنود العراقيون الأسرى في الحرب الإيرانية ـ العراقية. ومن جانبها أشارت إيران ضمناً إلى توغل قواتها في الأراضي العراقية بعدما أعلن الجيش الإيراني توجيه ضربة قاسية إلى مجاهدي خلق رداً على عملياتها, وأكد الجيش مقتل وجرح عشرات من أفراد المنظمة خلال اشتباكات وقعت مؤخراً في محيط منطقة ميمة جنوبي غرب إيران, كما اعترف بمقتل ثلاثة جنود إيرانيين. وبرز التلويح بالتوغل في الأراضي العراقية في إعلان مصدر عسكري أن (القوة البرية التابعة للجيش الإيراني والمنتشرة في المنطقة بموجب القرار 598 (الذي أوقف الحرب مع العراق) تعتبر أن من حقها القيام بما من شأنه إنهاء الاعتداءات التي تنفذها مجاهدي خلق, والرد على المؤامرات والتحركات المعادية التي يقوم بها أعداء السلام) . وقد شهد الموقف الإيراني تصعيداً ليس له مثيل باتهام وزير الاستخبارات الإيراني منظمة مجاهدي خلق بأنها أصبحت جزءاً من الجيش العراقي, وأن الاستخبارات العراقية تشرف عليها وتحرضها في عملياتها ضد إيران) . وجاءت الرؤية الإيرانية عن الاندماج الكامل بين منظمة مجاهدي خلق والجيش العراقي, في وقت ترددت معلومات عن وقوع مناوشات ليلية في وقت سابق بين الجيش الإيراني ومجموعات من الجيش العراقي كانت متنكرة في زي مجاهدي خلق. ومن جانبه قام الجانب العراقي بحشد ألوية عديدة تضم آلافاً من الجنود عند الحدود مع إيران, وبالتحديد قبالة محافظة كرمنشاة. يعتبر ملف إيواء المعارضة من أكثر الملفات الخلافية بين الدولتين, إذ تستخدم كل دولة ورقة المعارضة لإحراز مكاسب إقليمية ودولية. فإيران .. تريد أن تقول أن ورقة المعارضة الشيعية العراقية لا تزال بيديها وأنه في إمكانها استخدامها في الوقت المناسب وأن عدم اللجوء إليها ليس عجزاً بل ينطوي على حكمة وتدبر في ظل غياب الظروف المناسبة, أما العراق .. فيريد إرسال إشارة للجيران العرب في الخليج بأنه قادر على تهديد إيران من داخلها بما يفوق طموحات طهران الإقليمية كما أنها تؤكد أن نظامه رغم بعض الاختراقات لا يزال يمتلك القدرة على الصمود وربما الردع أحياناً. ففي العراق, تتمركز منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة, وتتراوح قوتها ما بين 5000 ـ 6000 مسلح وهم جميعاً يتلقون تدريباً قتالياً قاسياً, وتشير تقارير حديثة إلى أن أعدادهم ربما ازدادت مؤخراً إلى ما يزيد على 000.7 مقاتل ومقاتلة داخل العراق. وتمتلك المنظمة دبابات ومدفعية ومعدات متطورة ضمن قياسات التطور في القوات الإيرانية والعراقية, وأظهرت قوة قتالية فائقة خلال حرب الثماني سنوات من ناحية التخطيط العملياتي الواسع. وقد كان العراق مكاناً لنشاط المنظمة, فبالنسبة إليها ولكونها تعتمد على العمل المسلح والتفجيرات والاغتيالات فلا مجال لها للتحرك على مستوى القيادة غير اللجوء إلى دولة تناصب إيران العداء, وعندئذ يصبح ارتباطها بالساق العراقية مصيرياً. وقد طورت مجاهدي خلق منذ عام1998 من طريقة نشاطها داخل إيران ولجأت في خطوة نوعية ولكنها خطيرة إلى استخدام مدفعية الهاون في هجومها, الأمر الذي مكنها من إحداث اختراقات أمنية كبيرة كان آخرها ثلاث عمليات ضد موقع الجيش الإيراني في خورمشهر استخدمت فيها مدافع هاون عيار 60 ملم وصواريخ 107 ملليمترات. وكانت المنظمة قد نشرت في يونيو الماضي حصيلة (النشاطات) المقاومة منذ الاجتماع الأخير للمجلس الوطني للمقاومة في إبريل ,1999 والتي تجاوزت المئة عملية. أما في إيران, فقد أدركت أن أفضل من يرد على هجمات مجاهدي خلق هم المعارضة العراقية ذاتها, ولاسيما أن الأولى شاركت بقسوة في قمع انتفاضة الشعب العراقي عام 1991 وهي تواصل العمل كفصيل استخباراتي وأمني عراقي لاسيما في منطقة الحدود, بما يجعلها عرضة لعمليات عسكرية قوية نفذتها المعارضة العراقية الموالية أو المؤيدة لإيران.ويقيم في إيران (المجلس الأعلى للحركة الإسلامية) والذي يعد أهم معارضة عراقية تكيل لنظام صدام الضربات القاسية, ويعتبرون من أقوى فصائل المعارضة العراقية التي استطاعت شن هجمات عسكرية ناجحة على مواقع عسكرية وسياسية حساسة في بغداد, كما أنها تمكنت أيضاً من قصف بعض القصور الرئاسية لصدام, وتكبيد النظام العراقي خسائر فادحة. وكانت (المعارضة الإسلامية) العراقية قد قامت منذ مطلع الثمانينيات بسلسلة من العمليات العسكرية ومحاولات اغتيال مسئولين عراقيين, وشاركت في الحرب إلى جانب إيران, وواصلت عملياتها في الأهوار الجنوبية في العراق بعد توقف الحرب عام 1988. كما قامت بعمليات عديدة بعد انتفاضة مارس 1991.ويرى المراقبون أن العمليات الأخيرة للمقاومة العراقية المدعومة من إيران تعتبر تحولاً في عمليات المقاومة, وأنها قد تدخل في إطار استراتيجية جديدة ينتهجها (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) في العراق تستهدف إسقاط النظام عسكرياً أو تأجيج ثورة شعبية.وفضلاً عن المعارضة العراقية والتي تعمل على توظيف وتدريب وتسليح آلاف المقاتلين, يوجد في إيران نحو 1.2 مليون لاجئ عراقي, قرروا البقاء في إيران بينهم أعداد كبيرة من ضباط الجيش والخبراء الفنيين. قضية الأسرى تشكل مشكلة أسرى الحرب والمفقودين العراقيين والإيرانيين العقبة الرئيسية أمام تطبيع العلاقات بين البلدين. ويتبادل البلدان الاتهامات بشأن الأسرى والمفقودين, ومن جانبه يقدر العراق عدد أسراه في إيران بـ 29 ألفاً منهم غير مسجلين, فيما يقدر عدد المفقودين بستين ألفا تقريباً, ويؤكد في المقابل أن عدد المفقودين الإيرانيين في سجونه لا يتجاوز الـ 400 أبلغوا اللجنة الدولية للصليب الأحمر برفضهم العودة إلى إيران. وفي المقابل تتهم إيران العراق بأنه لا يزال يحتجز أسرى إيرانيين وتطالب بغداد بالكشف عن مصير المفقودين الإيرانيين وتشير إيران إلى أن اتهامات بغداد بشأن الأسرى قد تكون غطاء يهدف إلى إخفاء واقع أن نظام الرئيس العراقي صدام حسين قام بتصفية هؤلاء الأشخاص. ويشير المراقبون إلى أن المراحل المستقبلية لتبادل الأسرى ستكون أعقد من المراحل السابقة, حيث ان الأعداد التي تم تبادلها من أسرى الجانبين وبلغت نحو 000.100 شخص كانت معروفة ومسجلة, أما في المرحلة الراهنة فهناك أسرى غير مسجلين ومفقودين. قضية التعويضات ويعتبر هذا الملف أيضاً على رأس أولويات النظام الإيراني, إذ أشار هاشمي رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في شهر يوليو الماضي إلى أن الشعب الإيراني لم يستوف حقوقه رغم القبول بالقرار ,598 وأشار إلى أن الأمم المتحدة اقتطعت مبالغ مالية من عائدات بيع النفط العراقي لدفع الخسائر الناجمة عن الاجتياح العراقي للكويت دون أن تفعل الشيء نفسه لتعويض الخسائر التي تكبدتها إيران جراء حرب السنوات الثماني, والتي تقدر من قبل إيران بحوالي ألف بليون دولار, أي عشرة أضعاف تعويضات حرب الخليج الثانية. وتتداخل مع قضية التعويضات قضية شائكة أخرى آلا وهي (الطائرات العراقية) , حيث كان العراق قد أودع لدى إيران قبل أيام من اندلاع حرب الخليج الثانية في يناير ,1991 148 طائرة منها 115 طائرة عسكرية و33 طائرة مدنية خشية أن تتعرض للقصف والتدمير خلال الحرب, وحتى الآن لم تقم إيران بإعادة هذه الطائرات للعراق وتربط طهران بين عودتها والحصول على تعويضات من العراق, أو استقطاع ثمن الطائرات العسكرية والمدنية من هذه التعويضات. موقف ايران من حصار العراق وكان مراقبون قد ربطوا بين تصاعد العنف بين الجانبين العراقي والإيراني وبين فشل مسعى عراقي خلال الأيام القليلة الماضية يهدف إلى إقناع الحكومة الإيرانية بإرسال بعض قوافل الحجيج الإيرانيين إلى الأماكن المقدسة في كربلاء والنجف عبر الطريق الجوي لزيادة عدد الطائرات التي تحط في مطار صدام الدولي, وكسر طوق الحصار المفروض على الطيران المدني إلى العراق. إلا أن الموقف الإيراني من قضية كسر الحصار المفروض على الطيران المدني من وإلى العراق, أغضب بغداد, ودفعها إلى افتعال أزمات غير حقيقية مع حكومة الرئيس الإيراني خاتمي التي سعت منذ مجيئها إلى احترام القرارات الدولية المتخذة ضد العراق, رغم أن الحصار على العراق عرض إيران إلى أزمات عدة نتيجة نزوح أعداد من العراقيين الفارين من قسوة النظام العراقي والحصار على العراق إلى الأراضي الإيرانية. ويرى بعض المراقبين أن ثمة شيئا أكبر يقف وراء التوترات بين طهران وبغداد إذ يتخوف العراق من أن إيران قد تخطط لإجراء مصالحة كبيرة مع الولايات المتحدة قد يتلوها بذل جهود مشتركة لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين. الأمر الذي دفع بالعراق ـ رغم بُعد هذه الاحتمالات ـ إلى اتهام إيران بالوقوف في الخندق الأمريكي المعادي للعراق رغم كل شعاراتها وادعاءاتها بمعاداة الإمبريالية والصهيونية العالمية, وأن (نظام طهران يتظاهر بالاعتدال والتوازن تجاه الغرب وأمريكا تحديداً ويحاول أن يؤسس له دوراً إقليمياً بدافع من قوى دولية وإقليمية بعينها) ويرى العديد من الخبراء أن إيران استفادت ـ ولا تزال ـ من حصار العراق, إذ أنها تفتح جزيرة كيش الاستراتيجية كنقطة لتمرير عمليات النقل السرية للنفط العراقي إلى سفن تستطيع الإفلات من نطاق الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة, وهو ما يتيح لنظام حكم صدام حسين ما يناهز 100 ألف برميل يومياً, تدر نحو 42 مليون دولار شهرياً, بينما تحصل إيران ممثلة في الحرس الثوري المشرف على هذه العمليات ما يقرب من 20مليون دولار شهرياً من جراء عمليات تهريب النفط العراقي. وإزاء الوضع الملتهب بين الطرفين, فقد حصر المراقبون حدود المجابهة في عدة خيارات هي: * تنفيذ إيران لضربات صاروخية على معسكرات مجاهدي خلق داخل العراق. ويبقى هذا الخيار محدود التأثير ولا يترك أثراً فعلياً نظراً لندرة المعلومات وعدم توافرها. * تنفيذ ضربات جوية على المقر الرئيسي لمجاهدي خلق وسط بغداد وعلى معسكرهم الجديد غرب بغداد, وهذا الخيار رغم إمكانيته إلا أنه يواجه عقبات على رأسها أن المنطقة المطلوبة تدخل ضمن نطاق الدفاع القريب عن أهداف حيوية في بغداد الأمر الذي قد يصيب الطائرات الإيرانية التي ستقوم بالعملية. * تنفيذ صولات جوية لوحدات من القوات الخاصة على معسكر (أشرف) قرب مدينة الخالص شمال بغداد وفي الجنوب وقبول معركة فاصلة فيها, وهي عملية على الرغم من كونها ممكنة التنفيذ إلا أنها صعبة لأن مجاهدي خلق قوة لا يمكن تصفيتها بسهولة. * تنفيذ اندفاع بري سريع بقوات خفيفة من الحرس الثوري على المواقع والمعسكرات القريبة من الحدود داخل الأراضي العراقية, وهو خيار ممكن لكنه لن يؤدي إلى ضربة حاسمة طالما بقي بعيداً عن معسكرات العمق. وأخيراً فإن بحث خيارات العنف والتصعيد تحتم أيضاً بحث سيناريوهات التسوية, والتي تتوقف على اتخاذ الطرفين خطوات إيجابية باتجاه غلق الملفات المفتوحة, ومن أمثلة هذه الخطوات: * استكمال بحث موضوع الأسرى, وتسليم الأسرى والمفقودين الموجودين لدى كل طرف. * إيقاف نشاطات أطراف المعارضة العراقية المتواجدة على الساحة الإيرانية وبالمقابل نشاطات منظمة مجاهدي خلق من العراق, وتحجيم قياداتها. * قبول العراق بمبدأ التعويضات عن حرب الثماني سنوات, وفي المقابل اعتراف إيران بوجود الطائرات العراقية في إيران تمهيداً لإعادتها في الوقت المناسب.