احتفى النظام باستعادة السودان لعضويته في صندوق النقد الدولي واعتبر ذلك دليلا على ثقة العالم في تحسن الاقتصاد السوداني وامتلأت الصحف بتحليلات تمجد الانتصار وتبشر بفوائد جمة, وكان الابتهاج واضحا على وجوه المسئولين في المقابلات التلفزيونية. ودهشت كثيرا لهذه الفرحة على انتصار هو في الحقيقة الهزيمة نفسها والتراجع كما يجب ان يكون فهؤلاء هم نفس الذين هتفوا: لن يحكمنا البنك الدولي! ولعنوا سيطرة دولة الاستكبار على المؤسسات الاقتصادية والمالية العالمية. والاهم من ذلك اعلنوا قيام اقتصاد اسلامي يتأسس على الاستقلالية والاعتماد على الذات واعلن منذ اليوم الاول تمزيق الفواتير التي تزيد من ارتباط واعتماد السودان على الخارج. وكانت الحجة الوحيدة التي يكررها الاقتصاديون والمسئولون الانقاذيون حين يدافعون عن صعوبات الاقتصاد السوداني هي انه لم يستلم اي معونات او قروض من الخارج, وهو حديث غير دقيق, ولكن المهم الآن, هو تهافتهم على البنك وصندوق النقد الدوليين ليؤكد جدارة السودان لتلقي مساعدات. وهذا مالم تفعله المؤسسات الدولية حتى الآن, فهذه القرارات رغم شكلها الاقتصادي فهي ذات مضمون سياسي خفي. يتميز النظام السوداني بقدرة فائقة على تغيير المواقف ـ الثوابت وفي نفس الوقت تبرير المواقف الجديدة قفزا على كثير من الحجج التي كان يرددها قبل ذلك. تصورت لو ان هذا التحول في العلاقة مع صندوق النقد الدولي قد تم مع نظام آخر مختلف عنهم او معارض لهم, بالطبع كانت البداية سوف تنطلق من ان ارضاء هذه المؤسسات دليل على ان السودان قد ارتمى في احضان الامبريالية وتنازل عن قراره المستقل. وكنا سوف نسمع من يردد الآية الكريمة لاعطاء بعدا مقدسا لهجومه: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل ان هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت اهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير) حقيقة كيف يرى الانقاذ رضى (اليهود والنصارى) المسيطرين على الصندوق للسودان ( رغم معارضة امريكا وكندا)؟ لقد دأب الانقاذيون على توظيف القرآن والحديث والدين عموما, والآن, هل يا ترى يمكن ان يسعفهم الدين في تأصيل عودة السودان الى صندوق النقد الدولي؟ نحن لا نطالب بعزلة السودان, ولكننا نريد ضمن ثوابت المشروع الحضاري الذي يستأسد في قانون النظام العام ويتحول الى نعامة في المحافل الدولية والمواجهة مع الهيمنة الغربية ان نقتنع من خلال مرجعية اسلامية بحتة تفسر هذه العودة والعلاقة الجديدة. ولا نريد تبريرات سياسية بل اسباب فكرية وعقيدة تبحث عن امكانية قيام اقتصاد اسلامي ضمن نظام اقتصاد عالمي دون ان يفقد تميزه وتفرده, و ان يقدم البديل لمشكلات الدول النامية مثل السودان وان يساهم في تقويم انفلات الاقتصاد العالمي والحد من توحشه.دعنا ننزل قليلا من تهويمات المشروعات الحضارية والايديولوجيات, لنسأل: هل تعني عودة السودان الى عضوية الصندوق ان الاقتصاد السوداني قد حقق انجازات واسترد عافيته واصبح مؤهلا في الواقع وليس على الورق وحسب الاحصائيات والارقام التي يمكن احيانا ان تخفي الكثير وان تضلل وتعكس الحقائق تماما رغم سحر وسلطة الارقام على العقول؟ ونلاحظ ان النظام اعلن قرار استرداد العضوية دون ان يذكر بتفصيل حيثيات العودة والذي يقول: انه على الرغم من التقدم الحاصل الا ان الاقتصاد السوداني يبقى بالغ الهشاشة وسريع العطب امام الصدمات الخارجية. كما ان شهادة الصندوق تحدد بوضوح ان السودان قبل بتطبيق كل الشروط لذلك رضيت عنه قوى صندوق النقد, يقول اعلان الصندوق بخصوص اعادة عضوية السودان وحقوق التصويت المعلقة سبع سنوات: انه اعترافا منه بالتقدم الذي تم احرازه منذ عام 1997 في مجال تطبيق السياسات الاقتصادية الشاملة والهيكلية في اطار برنامج الرقابة والمدفوعات التي تمت لدى الصندوق فان مجلس الادارة قرر رفع تعليق حقوق التصويت والحقوق الاخرى المفروضة على السودان منذ التاسع من اغسطس 1993.اكد كثير من الاقتصاديين على محدودية النتائج الاقتصادية التي سيحققها السودان من هذه العودة وقد علق الدكتور محمد هاشم عوض بان القرار له طابع سياسي اكثر من فوائد اقتصادية. وفي متابعة نشرتها: قدس برس ـ لندن نلاحظ خضوع السودان الكامل لشروط الصندوق من البداية, يقول تقريرها: وجاء التحسن في العلاقات بين السودان والصندوق بعد ان توصل الطرفان الى اتفاق على برنامج لاصلاح الاقتصاد السوداني في عامي 1997 و 1998 باشراف الصندوق ودون تقديم اي دعم مالي منه. كما توصل السودان الى تفاهم مع الصندوق في مارس 1999 بتطبيق برنامج اصلاح اقتصادي يغطي الفترة من 1999 الى 2001 يلتزم بتحسين علاقته مع الدائنين الآخرين, ويعتبر هذا من اهم مكاسب الصندوق والدول الدائنة اذ سيدفع السودان مبالغ ـ مهما كانت ضئيلة ـ ليؤكد خضوعه وعدم تمرده اي عربون تبعيه وخضوع كما ان المديونية هي المشكلة الحقيقية التي ترهق الاقتصاد السوداني وقد قدرت بـ 24 مليار دولار. ومن الجدير بالذكر ان بنك السودان قرر اخيرا انشاء وحدة ادارية خاصة للتعامل مع الديون الخارجية اي حصر الديون والتحقق من الارقام. اخشى ان تكون هذه العودة الى صندوق النقد الدولي كارثة على الاقتصاد السوداني المنهك اصلا. فهي قد تعطي المسئولين شعورا زائفا ـ يحتاجونه بشدة ـ ان الاقتصاد بخير باعتراف الاعداء انفسهم, فهل سيصدق المسئولون السودانيون هذا الوهم ويقفزون على الواقع بمشكلاته المزمنة؟ يتمنى المرء ان ترتفع مجددا هتافات: لن يحكمنا البنك الدولي! فمن المؤكد ان شروط صندوق النقد والبنك الدوليين تعني قبول برنامج التكيف الهيكلي (ذءس) دون اي تحفظ, فقد مضت الحكومة السودانية في خصخصة او بالاصح حزبنة الاقتصاد بلا قيود واصبحت الدولة مجرد متفرج وفي احسن الاحوال سمسارا, ولم تخضع بيع القطاع العام لاي دراسات وتمت عملية تفكيك المؤيدين للاقتصاد او ما يسمونه المفاصل في السلطة: اقتصاديا وسياسيا وبالفعل اصبحت الحكومة مجرد مكاتب وادارات خاوية, وهناك اضراب سياسي غير معلن لعدم وجود عمل اصلا. وعلى الصعيد الخارجي فالنظام يهتم كثيرا برأى الخارج والعالم فيه اكثر من اهتمامه برأى شعبه, كما ان النظام جعل من اولوياته ـ منذ فترة ـ ان يتقارب مع الولايات المتحدة وان يحسن صورته في الغرب بقصد فك العزلة التي ضربت حول النظام بسبب انتهاكات حقوق الانسان واستمرار الحرب الاهلية وتهمة رعاية الارهاب العالمي, كل هذا ساهم في عملية القضاء على القطاع العام. اخطر توجه في سياسات البنك وصندوق النقد الدوليين هو فرض شروط على الدول بالتخلي عن دعم الخدمات الاساسية بالذات التعليم والصحة كذلك الضغط عليها بالا تقوم بتشغيل الخريجين وتركهم لقوانين المنافسة الحرة في سوق العمل. وكانت النتيجة تفاقم العطالة بين المتعلمين. وتقف هذه السياسات ضد المفهوم الجديد للتنمية وهو تنمية الموارد البشرية وليس مجرد النمو والذي يقاس بمتوسط دخل الفرد والناتج القومي مثلا. لذلك نحن نهتف ضد البنك الدولي والصندوق لاننا ننشد تنمية مستقلة وعادلة يمكن تعريفها مثل الديمقراطية بانها للانسان ومن اجل الانسان بمعنى ان الانسان هدف ووسيلة في التنمية وهذا المقصود بالتنمية البشرية.اعتقد ان حكامنا اصحاب المشروع الحضاري لو تواضعوا قليلا واستمعوا للآخرين لوجدوا ان التنمية في الاقتصاد الاسلامي الصحيح هي قيام مجتمع منتج وتسود فيه العدالة الاجتماعية وهذا مالا يمكن ان يتحقق مع تطبيق شروط المؤسسات الدولية الاستكبارية. فهي تسعى الى خلق مجتمع استهلاكي مندمج في السوق العالمي, ولا تهتم بالعدالة الاجتماعية لانها تعتبر المنافسة محفزا في اي اقتصاد اتمنى ان يتراجع الانقاذيون عن فرحتهم المندفعة وان يتأملوا في اقتصادهم الحالي من منظور الفقر والتفاوت الطبقي ونتائج ذلك على المجتمع والاخلاق واظن ذلك من اهم مقاصد الشريعة: المجتمع الفاضل, فهل حققت سياسات الانفتاح والخصخصة وصداقة البنك والصندوق ذلك؟ بقلم: د. حيدر ابراهيم علي