على الرغم مما أصاب لبنان من خسائر كبيرة بسبب الحرب الأهلية والضربات العسكرية الاسرائيلية واحتلال أراضيه, إلا ان الشعب اللبناني باختلاف عقائده ومبادئه السياسية أثبت صموده وحفاظه على أرضه, وتمسكه بالمنظومة الديمقراطية التي يرى فيها خلاصا لمشاكله الاقتصادية, ويبذل مساعيه لتوحيد طوائفه لدرء نار الفتنة, والتخلص من شرور التشرذم. حول تجربة الانتخابات اللبنانية بحثا عما يمكن أن تسفر عنه من نتائج, التقى (الملف السياسي) في هولندا مع سليم حمدون مراقب شئون السياسة اللبنانية, وطرحنا عليه بعض الأسئلة عن مستقبل لبنان في المرحلة المقبلة. * هل توجد مؤشرات لتغيير الخطاب السياسي في لبنان؟ ـ لقد جرت الانتخابات اللبنانية في وقت يعيش فيه الشعب اللبناني فترة نقاهة من ويلات الحرب الأهلية والاعتداءات الاسرائيلية على حرمة أراضيه, يلتقط أنفاسه بعد تحرير الجنوب ـ على الرغم انه تحرير منقوص حتى اليوم ـ ويتعطش لامتلاك زمام أموره كاملة في بلاده دون تدخل أو وصاية من أي طرف, كل ذلك تغلفه مشاعر شعبية في الشارع اللبناني بأن اتفاق الطائف فشل, أما الجانب الثاني فهو وجود بصمات مريرة في نفوس المواطنين بقيت من زمن الحرب, وهي ارث مرفوض وعبء ثقيل على كاهل الشعب اللبناني من خصومات وخلافات الماضي, تلك التي حرقت أصابع أطراف قادتها السابقين ومن يوجد منهم على الساحة السياسية حتى اليوم, الأمر الثالث يتمثل في رأس أفعى الطائفية التي تطل برأسها بين فترة وأخرى, فعودتها تهدد بتدمير ذات البين لشعب شجرة الأرز, ولا أقول بأن هؤلاء لهم أهداف تخريبية لكن التعصب الطائفي أعمى لا يميز بين الخبيث والطيب, لذلك جاءت معركة الانتخابات اللبنانية لتكشف عن مؤشرات رغبة جماهيرية في تغيير لغة الخطاب السياسي, والبحث عن سفينة انقاذ لتحقيق الأهداف التالية: ـ الخروج من الأزمة الاقتصادية الطاحنة, وذلك بجذب الأموال اللبنانية من الخارج. ـ التغلب على البطالة بايجاد فرص عمل دائمة وليست موسمية ترتبط بمشروعات مؤقتة. ـ التوصل لصيغة سياسية واجتماعية توحد الصف اللبناني بمختلف طوائفه تمنح فرص المشاركة في الحكم, سواء على المستوى الحكومي في الدولة أو في إدارة المحليات. ـ خلق مناخ اقتصادي يبعث على الثقة لتشجيع مشاركة رأس المال العربي والأجنبي. وترى الجماهير اللبنانية في رفيق الحريري انه الشخصية السياسية المرشحة لتحقيق هذه الأهداف, والتحدث بلغة جديدة متوازنة ترضي الغالبية وليس الجميع, ولقد كانت أهم أسباب نجاح رفيق الحريري خاصة في العاصمة هي وجود أرضية سياسية واقتصادية مؤيدة له في بيروت, التي تعتبر ركيزة أساسية لانطلاق حركة التجارة الداخلية والخارجية, واعتقاد رجل الشارع اللبناني ان الحريري رجل أعمال يحظى بثقة كثير من المستثمرين اقليميا وعالميا ووجوده في موقع سياسي متميز يساهم إلى حد كبير في صهر عجلة الاقتصاد المجمدة, اضافة لتراجع الثقة في سليم الحص الذي لم يتمكن من ايجاد مسار تصحيح للأوضاع السياسية وحلول للمشاكل الاجتماعية التي نجمت عن تردي الحالة الاقتصادية. * لكن لماذا رفيق الحريري بالذات وهل هو وحده ربان سفينة انقاذ لبنان؟ ـ لا أدعي ذلك.. لكن الشعب اللبناني ـ وخاصة أهل بيروت ـ يراهن على الحريري, حتى بعض من لم يعط صوته له في الانتخابات.؟! لأن المحيطين به محل ثقة ولهم أرضية سياسية وشعبية في لبنان, والشعب اللبناني يثق في من يعطيه في وقت هو ـ الشعب ـ في أشد الحاجة لمن يأخذه بيده, وعلى سبيل الذكر فإن حسن نصرالله الذي يعتبر رمزا لتحرير الجنوب حفر في ذاكرة الشعب اللبناني ـ بصلابته واصراره من خلال قيادته لعناصر حزب الله ـ علامات النصر باستعادة أرض الجنوب من الجيش الاسرائيلي الذي أجبر على الفرار, وهذا المكسب المعنوي الكبير استفاد من الحريري لصلته وعلاقته الطيبة بحسن نصرالله, أيضا نبيه بري رئيس مجلس النواب يتمتع بثقة الشعب اللبناني ووليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي ورث الثقة بالدرجة الأولى لكونه ابن الزعيم الراحل كمال جنبلاط, والتعلق بالأشخاص والعائلات هي صفة تميز تركيبة أهل لبنان. * يوجد تيار مسيحي يطالب بالاتجاه للعلمانية كطريق لحماية البلاد من الطائفية, ويطالب باقامة حوار (لبناني ـ لبناني), والبحث عن توازن سياسي يضمن مشاركة المسيحيين بدعوى انه تم تهميشهم عن الساحة السياسية خلال السنوات الأخيرة. فما رأيكم في ذلك؟ ـ نحن في لبنان نعرف جيدا ان هناك بعض الأشخاص ممن لهم حرفة توجيه الرأي العام لمصالح شخصية, أو للشهرة الاعلامية, لكن غالبية المسيحيين على وعي تام ولن يقعوا في المحظور وينقادوا وراء مثل هذه الاستعداءات على مصلحة الشعب اللبناني كله مسيحييه ومسلميه ودروزه, إن الانتخابات اللبنانية جرت بشكل نظيف وشفافية في مناخ ديمقراطي لم يمنح أحد ميزة حرم منها آخر, وأصحاب مثل هذه الآراء لديهم الفرصة لما يسموه بالحوار (اللبناني ـ اللبناني), والدليل على ذلك انهم يمتلكون الصحف ولديهم مساحة كبيرة من الحوار, أما العلمانية أو غيرها من التعبيرات المستوردة والتي كانت مثيلاتها في الماضي هي الوقود الذي أشعل نار الفتنة الطائفية, وغيرها من المفردات التي هي غريبة على لبنان, وكانت الأسس للخلافات التي ما زال الشعب اللبناني ـ الذي يبحث عن حلول لمشاكله الاقتصادية التي أفرزتها سنوات الحرب الأهلية ـ يعاني من آثارها السلبية, اما عن التوازن السياسي أو ما يسمى بالتهميش لفئة لبنانية بعينها فإن الباب السياسي مفتوح أمام الجميع للترشيح أو الانتخابات, ولبنان يمر في المرحلة الراهنة بظروف صعبة ومتشابكة تحتاج لتضافر الجهود, وليس بسكب الزيت على النار. * هل توجد إذن انعكاسات للطائفية السياسية على الانتخابات النيابية؟ ـ بدون أدنى شك لها مردود ليس فقط على الانتخابات البرلمانية, لكن على ممارسة الحياة السياسية كاملة بداية من شخصية المختار مرورا برئيس مجلس النواب وشخصية رئيس الحكومة وانتهاء برئيس الدولة, وحتى في كل السلطات والوظائف بين المناصب الكبيرة القيادية التي ذكرتها آنفا, وهذا هو قدر المجتمع اللبناني, ولا أنكر ان نتائج الانتخابات التي نتحدث الآن بصددها حدث فيها ذات الشيء, فإن فوز أعضاء لائحة الكرامة خاصة في العاصمة بيروت كان بفضل هذه الانعكاسات, حيث لعبت كثافة اقبال السنيين على صناديق الانتخابات دورا في فوز رفيق الحريري, المهم هو ان تكون دائما هذه الانعكاسات صادقة, وتؤدى لتمثيل ديمقراطي حقيقي وليس بدافع الرشوة المالية أو المحسوبية, أو التعصب الطائفي الأعمى المبني على الانتماء لذات الدين, وأعتقد ان معظم الشعب اللبناني الآن استوعب جزءا كبيرا من دروس الماضي, وهو يسير في طريق نحو تحقيق مزيد من الديمقراطية والرخاء, وقد لا يكون الطريق صعبا لكنه في كل الأحوال لن يعود للوراء مرة ثانية. أجرى الحوار في لاهاي ـ سعيد السبكي