اسفرت معركة الانتخابات النيابية اللبنانية عن تطورات هامة في الشارع السياسي اللبناني, ويبدو ان النتائج التي تمخضت عنها الانتخابات قد تؤدي الى ولادة لبنان جديد بالنظر الى فوز, عدد لا بأس به من القيادات الشابة الى جانب رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري الذي اكتسح كافة الدوائر الانتخابية في سابقة لا مثيل لها منذ استقلال لبنان عن فرنسا. ويرى عدد من الخبراء في الشئون اللبنانية ان لبنان مقبل على مرحلة هامة من المتغيرات والانفتاح السياسي والاقتصادي, كما ان مسار التجربة الديمقراطية يتجه نحو مزيد من الرسوخ والاستمرارية في حين قال آخرون ان نتائج الانتخابات اللبنانية عبرت عن حالة من الغموض والقلق في الشارع اللبناني بكل طوائفه الدينية وتكتلاته السياسية. ديمقراطية حقيقية وزير لبناني رفض ذكر اسمه قال (ان معركة الانتخابات عبرت عن ديمقراطية حقيقية في لبنان وعلى سبيل المثال صوت الارمن لصالح رفيق الحريري وليس لمرشح الحزب الارمني) واعتبر ان كل ماجرى من اتهامات بين قادة الكتل الانتخابية واللوائح يعبر عن حالة صحوة ديمقراطية افتقدها لبنان منذ سنوات. ووصفها بأنها ظاهرة صحية تماما لا تعبر سوى عن عودة الوعي للبنان في مرحلة هامة من حياته السياسية. وذكر الوزير اللبناني (ان الديمقراطية اللبنانية تجلت في ابهى صورها حينما ظلت المؤسسة العسكرية ومؤسسة الرئاسة على الحياد ولم تتدخل مع طرف ضد الآخر, وهذا اكبر دليل على نزاهة الانتخابات) . وتوقع الوزير ان تشهد العلاقات اللبنانية السورية دفعة قوية لان الرئيس بشار الاسد كان حريصا على عدم التدخل في الانتخابات او التأثير على نزاهتها لانه يميل الى التغيير والبعد عن الجمود وفتح صفحة جديدة تعطي للبنان حرية الانطلاق والانفتاح نحو المستقبل. على الصعيد نفسه قال الدكتور ناصر قنديل رئيس المجلس الاعلى للاعلام في بيروت والذي حاز على 28 الف صوت في الانتخابات عن جنوب لبنان, انه رائع حقا ان يستعيد اهل الجنوب حريتهم ويتذوقوا طعم الديمقراطية لاول مرة منذ اكثر من 25 عاما ويشاركوا في صياغة مستقبل لبنان الحر والمشرق. وذكر ان الجنوبيين قالوا كلمتهم للاصلاح والانفتاح والقضاء على البيروقراطية والروتين املا بوصول حكومة جديدة توفر لهم متطلباتهم المعيشية وتعوضهم عما فاتهم خلال فترة الاحتلال الاسرائيلي البغيض واعتبر ان مشاركة الجنوبيين في الانتخابات هي ثمرة من ثمار صمود اهل الجنوب والمقاومة الباسلة وتوقع ان يدخل لبنان بعد الانتخابات التي وصفها بأنها كانت حرة ونزيهة مرحلة هامة من التطور الاقتصادي والاجتماعي ولتحقيق انجازات تنموية اكبر وتعويض اللبنانيين عن تلك الفترة الصعبة التي امضوها خلال السنوات القليلة الماضية. الرغبة في التغيير الكاتب والاعلامي المعروف في لبنان رفيق نصر الله وصف فوز رفيق الحريري في الانتخابات بأنه لم يكن مفاجأة لاحد لان الحريري كان واثقا من الفوز بالنظر الى الانجازات التي حققها للبنان واللبنانيين. وفسر سقوط قوى سياسة مهمة في بيروت مثل تمام سلام والحص والمشنوق بأنه راجع لرغبة الشعب اللبناني في التصويت لقادة ونواب جدد يكونوا قادرين على احداث تغيير حقيقي وجذري في حياة الشعب الذي عانى الكثير بسبب افتقاده للقيادة الجريئة والقادرة على اتخاذ القرارات. وقال ان الفوز الكاسح للرئيس السابق رفيق الحريري يضمن له العودة الى رئاسة الحكومة مرة اخرى لانه الآن هو المرشح الاقوى لهذا المنصب. واكد ان الانتخابات اللبنانية كانت نزيهة وبعيدة عن تدخل اجهزة الدولة العسكرية والامنية مشيرا الى ان كل الاجواء كانت مهيأة لجعل الشعب اللبناني يقول كلمته. غموض الانتخابات تقول سهى عباس وهي خبيرة اعلامية تعمل وتقيم في أبوظبي ان تجربة الانتخابات النيابية التي عاشها الشعب اللبناني طيلة الاسابيع القليلة الماضية اعتراها قدر كبير من الغموض, فقد شعر اللبنانيون داخل وخارج وطنهم لاول مرة بمظاهر انتخابية غريبة الشكل والمضمون, وكذلك حدوث تضارب من كبار السياسيين والنيابيين القدامى. ودللت على معالم الغموض بالقول: ان اللبنانيين لم يفهموا مغزى انسحاب النائب المعارض نجاح واكيم ولا الاكتساح الرهيب لرفيق الحريري لكافة الدوائر الانتخابية في بيروت. وتساءلت عباس قائلة: هل ذاكرة اللبنانيين ضعيفة الى هذا الحد لكي يعطوا جميع اصواتهم (للائحة الكرامة) التي يتزعمها الحريري وكلهم يعلمون ان رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري ترك الحكم قبل عامين بسبب تردي الوضع الاقتصادي وافلاس العديد من مؤسسات الدولة اللبنانية وارتفاع الديون والمشكلات الاجتماعية. وقالت: ان عودة الحريري بهذا الانتصار الانتخابي الكاسح تطرح تساؤلات كثيرة بقدر ما تثير الغموض. وحينما سئلت عن معركة الانتخابات النيابية ومؤشرات تغيير الخطاب السياسي, اجابت: ان الغريب في الامر ان الكتل النيابية التي دخلت معركة الانتخابات جاءت بوجوه قديمة وشعارات جديدة, ولهذا السبب نتساءل: لماذا لم تبرز اسماء جديدة لتمثيل الشعب, ولكن قبل كل شيء يجب على اللبنانيين داخل وطنهم الاجابة عن هذا السؤال. انتهاء عصر التقليديين! الدكتور نايف علي عبيد كاتب وباحث عربي يعمل في ابوظبي له رأي مغاير مفاده ان التغيير في لبنان مطلب شعبي لبناني تؤيده سوريا لانه يخدم البلدين في آن واحد, فالقيادات الشابة تسعى للانفتاح وأدوات او مفاتيح مثل هذه المرحلة ليست في ايادي الزعامات التقليدية وقال (رموز الانتفاح هي التي اكتسحت الانتخابات في لبنان) . ويرى ان الاشكالية الاساسية في لبنان ترجع الى الساسة اللبنانيين انفسهم لانهم يتسلحون دائما بدعم خارجي من الغرب او الشرق وكان الفرد اقوى من الدولة, بل يستقوي عليها احيانا بنفوذ خارجي. وذكر ان الدستور اللبناني القائم على الاساس الطائفي وليس الديمقراطي يغذي مثل هذه الظواهر ويدعم بقاء الزعامات العائلية التي تتقاسم السلطة والنفوذ والحكم وتضعف دور الدولة لحساب الافراد. وحول توقعاته بالنسبة لمستقبل العلاقات السورية اللبنانية في المرحلة المقبلة قال الدكتور نايف علي عبيد: (تاريخيا امن سوريا الداخلي مرتبط بأمن لبنان, كما ان لبنان يعتبر جزءا من ثبات اي نظام في سوريا منذ زمن طويل, غير ان المرحلة المقبلة سوف تشهد تغييرات كبيرة لان سوريا سوف تلتفت للداخل وعليها الآن مستحقات داخلية لشعبها) . كما توقع ان يعاد النظر في التواجد العسكري السوري في لبنان واعادة توزيع القوات او سحبها من المناطق والتجمعات السكنية على الاقل. الممارسات او السياسات التقليدية في الحياة السياسية والنيابية اللبنانية. ومضت تقول (حتى الوجوه والاسماء الشابة الجديدة كانت ضمن لوائح يقودها الكبار التقليديون القدامى, وهذا يعني ان الحياة اللبنانية لن تتغير كثيرا نحو الافضل. وسئلت الاعلامية سهى عباس عن رأيها في مستقبل الحياة السياسية ومسار التجربة الديمقراطية في لبنان, اجابت عن ذلك بالقول: (اوضحت الانتخابات الاخيرة ان الديمقراطية مازالت بعيدة عن لبنان رغم ان الشعب اللبناني يطمح اليها, فالغموض والاحاديث الكثيرة التي تحدثت عن عدم النزاهة في الانتخابات تؤكد اننا لم نصل الى الديمقراطية بعد. وردا على سؤال حول الطائفية السياسية وانعكاساتها على الانتخابات النيابية قالت: ان الطائفية السياسية نص عليها الدستور اللبناني, كما ان العميلة الانتخابية تخضع لنظام التقسيم الطائفي واضاف (صحيح ان الطائفية السياسية لم تعد مدمرة وسلبية مثلما كان الحال عليه في الماضي, ولكنها امر واقع يكرسها قادة الطوائف من خلال تحالفاتها للحفاظ على مصالحهم. تحقيق : د. جمال المجايدة