بداية لابد من القول, ان الانتخابات النيابية اللبنانية رغم الامراض والعثرات التي تلفها, تعتبر احدى الظواهر الايجابية الفريدة في الوطن العربي, وهي بجد مثل يحتذى, في ظل غياب الارادة الشعبية, وتغييب صناديق الاقتراع التي تعبر عن ارادة هذا الشعب او ذاك. ولعل هذه الظاهرة تعتبر من الانتصارات المهمة للديمقراطية في الوطن العربي, خاصة وأن هذه الديمقراطية محكومة بالدستور والمؤسسات وبالقانون الجامع فيما بين ابناء الوطن, بعيدا عن انتماءاتهم المناطقية والاثنية والطائفية. لكن بالمقابل على ما يبدو ان التجارب الناصعة في حياتنا, غالبا ما تواجه تحديات, بل وخروقات بهدف ايصالها الى حالة ولو جزئيا من الفشل, وهذا ناتج عن اشكاليتين لا ثالث لهما, وهما, اولا: عدم القدرة لدى الفرد على الخروج من اسار الطائفة او العائلة او المرجعية الوهمية, او الممول. ثانيا: محاولة الاستقواء من قبل بعض اطراف الداخل, في استجلاب بعض الاطراف الخارجية الدولية, بهدف فرض شروط الخارج واملاءاته, بعيدا عما يحمله هذا السلوك المدمر, ليس على مستقبل النظام الديمقراطي والتعايش بين ابناء الوطن الواحد, بل والاستقلال الوطني الناجز, سعيا لحصد بعض المكاسب الآنية المتمثلة بمقعد برلماني قد يمثل هذا الطرف او ذاك, من هذه الطائفة او تلك. وليس غريبا اذا ما قلنا ان هذه السلوكيات قد قسمت الطائفة الى طوائف, والمنطقة الى مناطق, حتى اوصلت القسمة الى لبنان الوطن لبضعة مناطق مترامية. فعلى سبيل المثال ان بيروت منبع الفكر والثقافة والاعلام, اصبحت اليوم لأبنائها فقط, والجنوب لابناء الجنوب وهكذا دواليك طرابلس للطرابلسيين والبقاع للبقاعيين. بعيدا عن الاكتراث بوحدة جغرافية الوطن الذي يحتضن كل ابنائه دون تمييز بين ابن الجنوب وابن الشمال او الوسط. وعلى اساس هذا الانغلاق المناطقي بدأت تتلاشى الشعارات الوطنية والقيم السياسية التي حكمت الدورات الانتخابية السابقة, امام الدعوات الانعزالية, التي تحمل هدفا واحدا لا غير, وهو ايصال مرشح هذه المنطقة او الطائفة الى سدة البرلمان. حتى بدى المشهد الانتخابي هذه الايام, عبارة عن اضداد وخصوم كالوا لبعضهم في الماضي القريب العداوة التي وصلت حد الاحتراب, واليوم باتوا على ود ووئام, وغابت القضية السياسية من اجندة المتحالفين, لأن العقيدة التي حكمت التحالفات الانتخابية تمثلت بالربح والخسارة, وكأن الوطن فريسة معروضة, والكل بات على سباق مع الزمن لكسب قطعة منها. وقد ظهرت هذه الصورة الكاريكاتيرية السلبية بعامل المال وشراء الذمم, في توجيه الخيارات الانتخابية, والذي بدوره غيب الكثير من القوى السياسية الفاعلة على المسرح اللبناني, وجلب الكثير من اباطرة الحرب والطوائف, وبات الربح بالمقعد الانتخابي اسيرا لحفنة من الدولارات التي تدفع لممثلي هذه المنطقة او تلك وهذا المختار او ذاك حتى بدأت تتعالى الكثير من اصوات الفقراء تذرعا بان تختزل الدورة الانتخابية من اربعة اعوام الى عام واحد, من اجل ديمومة بيع الاصوات الجائعة التي تنتظر من يشتريها. ومن الجدير بالذكر وحسب الاحصائيات التي تناقلتها وسائل الاعلام ان ما دفع في مدينة بيروت وحدها اكثر مما دفع للانتخابات الرئاسية الامريكية الحالية, لكن المفارقة تكمن في لبنان ان عنصر المال لم يكن يوما عنصر حسم سياسي, كما في الانتخابات الامريكية والالمانية على سبيل المثال لان التبرعات المالية في الغرب تتجه اساسا للاحزاب ولممثليها ومرشحيها وللبرامج التي تطرحها, ان كان لجهة خفض الضريبة او رفع سوية صناديق الضمان الاجتماعي والصحي.. الخ بينما المال في لبنان يؤسس الى شراء الذمم والى التأكيد على بقاء الطائفة وديمومتها والمحافظة على بقائها وقوتها ايضا وهذه العملية بدأت وبشكل فاعل تؤثر على مسار العملية الديمقراطية في لبنان, خاصة بعد غياب ممثلي الاحزاب السياسية عن الحياة النيابية. لكن السؤال الاهم هل فعلا ان شراء الذمم والافواه الجائعة هي التي حكمت ارادة الناخب اللبناني؟ ام ان دوافع اخرى كامنة هي التي حكمت هذه الانتخابات؟ لابد من الاجابة على هذه التساؤلات بكل صدق وامانة فاذا ما نظرنا للطائفة السنية, فقد عاشت هذه الطائفة منذ ما بعد العام ,1982 والى هذه الايام, حالة من الفراغ السياسي المترافق مع غياب المرجعية السياسية والدينية بشكل فعلي وانطلاقا من هذه المعضلة تكونت عند متنفذيها قناعة راسخة, مؤداها انه لابد من تحالف رأس المال السني مع المرجعيات الدينية على اختلاف مشاربها وان هذا التحالف هو وحده الكفيل بالحفاظ على هوية هذه الطائفة ومكتسباتها في لبنان واذا ما انجزت هذا الهدف فسيصعب على اي طرف على المستوى الداخلي عزلها او كسر ارادتها. ولعل الانطلاق من هذه النقطة بالذات هي التي اسقطت الرموز السنية في بيروت, فالرئيس سليم الحص, لم يكن يوما يرضخ وعلى مدار خمسة وعشرين عاما في البرلمان الى مثل هذه القيم انطلاقا من قناعة ان لبنان لكل اللبنانيين وانه لابد من برنامج سياسي واضح يوحد الشعب اللبناني وان القضية الطائفية بلبنان, كانت ولاتزال المحرك الاساسي لدورة العنف الذي شهده في الماضي. اما تمام سلام, فقد اصبح من وجهة نظر الناخب السني شخصية تراثية لاتعبر الا عن ارث العائلة السلامية ليس الا وانه في ظل تطور الاوضاع في لبنان لايمكنه ان يتصدر مثل هذا الدور رغم انه يمتلك جمعية المقاصد الخيرية التي تعبر بشكل او بأخر عن الشخصية السنية لكنها بقيت في اطار المناطق السنية البيروتية, ولم يكتب لها النجاح في الخروج من هذه الجغرافية الضيقة. وقد ترسخت هذه الافكار بين جمهور الناخبين السنة بعد الانتصارات التي حققها حزب الله في الجنوب اللبناني, واندحار الاحتلال الاسرائيلي بحيث بدأوا ينظرون الى ان هذا الانتصار بكل ما يحمله مقدمة بل وارضية صلبة لتوحد الطائفة الشيعية وان وحدة هذه الطائفة الاسلامية تؤثر بشكل مباشر على الطائفة السنية والذي قد يؤدي الى اجتزاء دورها على المستوى الداخلي او على اقل تقدير بناء تحالفات مع بعض الاطراف السنية التي تنادي بالوحدة الاسلامية داخل المجتمع اللبناني وهم كثر ومن ثم سيؤدي هذا الامر وبشكل ميكانيكي الى غياب واضعاف الدور المنوط بالرئيس الحريري وبعض المرجعيات الدينية المتحالفة معه. وقد ظهر هذا المشهد بأجلى صوره في محاولات جذب بعض مرشحي هذه الطائفة لمصلحة لائحة الكرامة في بيروت التي عبرت عن الرؤية الحريرية المستندة الى البعد السني وتحالفاته مع الارمن وغيرهم من الارثوذكس والكاثوليك والدروز البيروتيين, والتي كانت من نتائجها غياب الحزب السياسي الارمني من قوائم الفائزين, الطاشناق, والذي تحالف في منطقة المتن مع وزير الداخلية ميشال المر, ونجح بمقعد بفارغ الصبر وبالجهد الاستثنائي الذي بذله رئيس القائمة المر, وقد استند الى هذه الرؤية رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في جبل لبنان بحيث انه هو الآخر بدأ ينظر الى ان الارسلانيين اعجز من ان يمثلوا الطائفة الدرزية خاصة وانه يرى في نفسه الاقدر على تجيش الطائفة رغم استبعاده من الحكومة الثانية للمجلس الحالي والتي اعتبرت في حينها دولة القانون والموسسات وبهذا خرج جنبلاط من معادلة الرؤساء التي استحوذ عليها بعد الطائف وكان الرئيس الرابع المكمل لـ (الترويكا) ولهذا السبب بالذات وجد في رفيق الحريري الشاعر بالاستبعاد المتعمد لشخصه وربما لاكثر من ذلك بما مثله من دور في تركيبة آخذة بالتكون بعد الطائف ولو ادماها التشويه. وهذا الاقتراب المنطلق من ذات الفهم وفر ركيزة اولى وكان لابد من ركيزة ثانية, هي الاكثر حساسية نظرا لوجود جنبلاط في قلب معادلة ديموغرافية ـ تاريخية ـ سياسية لايمكنه ان يقفز عنها او يصطدم بها, ولذلك فكر جديا في ظل التآكل الذي يصيب الاحزاب التاريخية ولاسيما المصنفة في خانة اليسار التقليدي بالتقدم ثم بالهجوم السياسي والانفتاح ونقد الذات ولغة المستقبل نحو الشارع المسيحي الذي بات ينطلق هو الآخر من تجميع قدراته على الارض لعله يقطع الطريق على من يريدون جعل هذا الجمهور مادة قابلة دائما لخوض الحروب بوجه جنبلاط اي انه بهذه الخطوة ضرب الاتجاه التقليدي الدرزي المتمثل بطلال ارسلان واصبح ممثلا الطائفة بلا منازع حتى القوى المارونية التي غابت لبعض الوقت عن لبنان, ادركت ومن خلال حث البطريرك صفير (المرجعية الدينية) لها بالعودة وترميم دور المارونية السياسية في لبنان وقد تمثل ذلك في عودة الرئيس امين الجميل وترشيح نجله الاكبر بيار امين الجميل الى الانتخابات النيابية, وقد نجح في الوثوب الى قبة المجلس بدون مقدمات ولعل المفاجئة الاكثر استغرابا موقف ميشال عون الذي دفع من منفاه في باريس بابنه الى الانتخابات النيابية ايليي ميشال عون والذي نجح هو الآخر في حجز احد المقاعد المارونية عن الجبل, وهذا كله يدلل على ان ترميم الطوائف وابراز قدراتها الانتخابية كانت في سلم اولويات المرشحين. اما الشعارات التي رفعها رؤساء اللوائح الانتخابية والتي نادت بوحدة لبنان والمجتمع اللبناني وتجاوز المحن الاقتصادية والكساد وخلق مناخ يختلف عن المناخ التي عاشته حكومة سليم الحص, رفعها البعض لتكون سلما يوصله الى المجلس, خاصة ونحن ندرك ان هذه الازمات الاقتصادية لم تكن وليدة سنتين من حكم الحص فقد ورث مديونية توازي عشرين ملياراً من الدولارات واما ما يشاع عن التدخل السوري فقد كانت سوريا ابعد بكثير عن مايراه البعض وهي في حقيقة الامر كانت على مسافة واحدة بين كل المرشحين ولعل نجاح ابناء بعض القيادات المارونية التي عادت سوريا طويلا لهو دليل على ذلك ومن نافلة القول ان هذا المشهد يذكرنا مرة اخرى بعودة ممثلي الطوائف والعصبيات لكن هذه المرة بتحالف رأس المال مع المرجعيات الدينية وبعض المحاربين القدماء او ابنائهم. وانطلاقا من هذه الصورة القائمة على ارض الواقع وبعيدا عن التحيز والغاء اي طرف من اطراف المعادلة اللبنانية تكون النتيجة الاهم للانتخابات النيابية اللبنانية هي ان جمهور الناخبين قادر اذا ما اتيحت له الفرصة على المحاسبة سياسيا باقوى طريقة ممكنة بصرف النظر عما اذا كانت طبيعة ونتيجة هذه المحاسبة عادلة او لا, ويبدو جليا ان الانتخابات الحالية شكلت حصيلة فعلية لوجهة نظر جمهور الناخبين استنادا الى قيم الشرق التي لاتزال تستند الى العائلة والعشيرة والطائفة والمرجعية والممول الذي لابد من الضرب بسيفه. لكن السؤال الاهم هل حقا سيكون هذا المجلس بظل غياب الاحزاب السياسية, والتي غابت معها الرؤية السياسية قادراً على تخليص لبنان من ازماته؟ وهل حقا ايضا ان عودة ممثلي الطوائف والممولين ستحافظ على الديموقراطية في لبنان؟ الايام المقبلة هي الاكثر قدرة على تقديم الاجابات عن جملة لايستهان بها من الاسئلة. بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم بدمشق