شهدت الجزائر العاصمة الاسبوع الماضي ندوة حول الحريات الفكرية في شمال افريقيا ادارها الكاتب والروائي الجزائري الطاهر وطار رئيس الجمعية الثقافية الجاحظية التي بادرت الى تنظيم الندوة بالتعاون, مع مركز البحوث والدراسات في القاهرة وكوديسريا في النيجر. وشارك في الندوة مثقفون من الجزائر ومصر والمغرب وتونس والسودان تناولوا العديد من القضايا الحيوية المتمثلة في حدود حرية الفكر وما اذا كانت مطلقة او محكومة بالشروط الاجتماعية التي نمارسها في ظلها, والقضية الثانية عن حرية الفكر هل هي غاية في حد ذاتها ام هي موظفة من اجل تحقيق التقدم البشري وفائدة الانسان, وفي المحور الثالث ناقشت الندوة سؤالا حول مفهوم واحد لحرية الفكر وتباين البشر وعلاقة ذلك بمفاهيم الحرية؟وهل يكفي ميثاق عالمي واحد لضمان الحرية الفكرية ام نحتاج الى ميثاق لكل شعب؟ وهل نحن بحاجة الى تحديد اولويات مختلفة بشأن الحريات المختلفة, بل وفي داخل عناصر حرية الفكر ذاتها؟. ربما كان شعار الجمعية الثقافية الجاحظية التي يرأسها الكاتب والروائي الجزائري الطاهر وطار مدخلا عمليا لعناصر الندوة وتطبيقاتها, وربما كان ايضا انحيازا واعلانا جزائريا. من توجهات الجاحظية الفكرية والثقافية محتلة قطاعا واسعا من مثقفي الجزائر اليوم, من اجل تكريس تعدد حقيقي مبني على حرية الفكر والاختلاف بالنبذ لكل الاكراهات والقسريات الممجوجة, كما جاء في كلمة رئيس الجاحظية الذي لم يتوان في شن هجوم شرس على الصحافة الفرانكفونية, واصفا اياها بانها الابنة (الشرعية) لاباطرة الحرب وممولي الارهاب وموردي السكر والموز, ملخصا المشهد الجزائري بأسلوب روائي ساخر: لقد فوجئنا في اواخر الثمانينيات بسيف (لا يجوز) مسلط على الرقاب, لايجوز ان تكون شيوعيا, لا يجوز ان تكون اشتراكيا, لا يجوز ان تكون جمهوريا او ديمقراطيا, لا يجوز ان تكون معزليا لا يجوز ان تفكر جملة وتفصيلا. كما لا يجوز ان يكون لك انتماء للاسلام مهما كانت درجة اعتدالك او تصرفك, لا يجوز ان تكون عروبيا, او حتى ان تكون مصليا, لا يجوز ان تستعمل اللغة العربية, او ان تدعو اليها. ودائما وبصدد حديثه عن الجزائر وقضايا الحرية والحداثة ودعاة التطبيع يضيف وطار: وجعلوا الحداثة قميص عثمان, والحداثة تبدأ وتنتهي لديهم في القطيعة مع كل الماضي, مع كل الثوابت والقيم مع كل عنصر من عناصر الهوية الوطنية والقومية, حتى شدوا الرحال اخيرا الى عباءة التعصب والعنصرية والنازية: اسرائيل, وقبل ان نرفع اصواتنا مستنكرين او منددين, صنفنا من جديد ولئن كانت هذه هي صرخة وطار الجاحظي, الذي وصف في كلمته الترحيبية اليمين بالمعتوه واليسار بالابله, معرفا بانه ساد الجزائر في اواخر الثمانينيات وكل التسعينيات تقريبا حالة غياب العقل, غياب المنطق والفكر غياب مفعول الثقافة لدى المثقفين ولدى الانسان عموما. اما السلطة في رأي وطار فهي التي تلعب دور البهلوان: رجل في اليمين ورجل في اليسار, علما بانه حضر في اليوم الاول عدد من الوزراء وكبار المسئولين والشخصيات الثقافية وممثل الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الذي ارسل بخطاب الى المؤتمرين في ندوة الحريات الفكرية في شمال افريقيا. كما تميز حفل الافتتاح بكلمة ممثل كوديسريا, وكلمة مدير مركز البحوث العربية وكلمة منسق الندوة الدكتور سيد البحراوي, وقد صبت كلها في موضوع الندوة وقضاياها واهميتها في هذه الفترة من تاريخنا المعاصر, ضمن طروحات عالمية اقتصادية وثقافية وفكرية وايديولوجية. حال المفارقة كان اول المتحدثين في ندوة الحريات الكاتب والباحث الجزائري الدكتور عبدالقادر جفلول عن (حرية الفكر بين لا محدودية ضرورتها وضرورة تحديدها). القاها بالفرنسية, وناقش فيها مفهوم الحرية بين ضفتي المتوسط, خلص الى القول باننا نعيش في العالم العربي حال المفارقة, ولذلك نعيش حالة تشبه ما قبل الحداثة, ومنها الجزائر بطبيعة الحال, التي تعيش ازدواجية الحداثة بين الضفتين لان الحداثة وفدت مع المستعمر, اما الاستاذ محسن مرزوق من تونس فقد تحدث عن (حرية الفكر وحرية الجماعة) مؤكدا ان من اولى قضايا المفكر العربي تلقيه وتقبله احيانا لقسيمة الهامش السياسي السطحي لملف الحداثة, ثم يبلور الباحث سؤالا برأيه هو الاساس في كل محاولة تقديم بديل فكري: هو لمن نفكر؟ وبهذا القصد يرى المحاضر بان تحديد الهدف من فعل الفكر او الجهة التي نفكر لها كفيل بانجاز الجواب. اما الدكتور يوسف صديق استاذ الانتربولوجيا بجامعة السوربون بباريس فقد صدم بافكاره الجريئة جدا الكثير من المسلمات في البحث الفكري العربي, وهو يميل في ذلك الى الاعتقاد بان جل القراءات التفسيرية لنص القرآن الكريم لم تف بتفسير النص القرآني. لذلك دعا في محاضرته الى ضرورة قراءة جديدة للقرآن الكريم. الحقل التطبيقي لئن كان ما سبقت الاشارة اليه من بحوث تناولت الجانب النظري, في مشكلات الحرية في وجوهها الاشكالية والنظرية, فان مشكلات حرية الفكر في شمال افريقيا كانت الحقل التطبيقي لبعض قضايا ندوة الحريات في شمال افريقيا بدءا بالدكتورة امينة رشيد: التي خاضت طويلا في موضوع حرية التعبير: الحالة المصرية نموذجا, والاستاذ الهادي التيمومي: الحرية في العالم او اللفاح شبه الفاصل : حالة تونس ـ والتي ناقش فيها العديد من القضايا الهامة المتعلقة بنظرية الدولة, الحريات في الاسلام وتأويل النص غير المباشر, فضلا عن توطئة تاريخية للفرق الاسلامية وبعض النماذج المعاصرة, التي كرست ظواهر سلطوية جاءت في سياقات متعددة شرحها المحاضر في مداخلته من جهتها تحدثت الاعلامية والكاتبة المغربية بديعة الراضي عن المغرب: واولوية السياسي عن الفكري في مغرب ما بعد الاستقلال. لخصت فيه الكثير من الاتجاهات الفكرية والسياسية في المغرب مؤكدة بان النخب الاولى في المغرب قد خرجت من رحم (المخزن) وهي التي اصبحت تقول بانه لا مناص من ادخال مؤسسات جديدة لاصلاح احوال البلاد وهذا الاصلاح كان يتم بمرجعيتين, المرجعية الدينية, والاسلامية بمفهوم تعديل وتقويم الخلل ثم المرجعية الاوروبية. وتناول موضوع مشكلات حرية الفكر في شمال افريقيا الدكتور محمد مهدي بشرى (السودان) حالة السودان رصد فيها تاريخ البحث عن حرية الفكر في مشهد تاريخ السودان المعاصر, عبر قضاته وادبائه ورجال الاصلاح فيه, ومقاومة الاستعمار وظروف العنف الذي انتهجته الدولة المهدية. وقد حاول الباحث ان يستقرىء من خلال نماذج ووقائع واحداث سودانية مدى المعاناة والنضال من اجل حقوق الانسان والحريات العامة في تاريخ السودان الحديث. وفي موضوع (التصوف والحرية الفكرية) عرض الباحث الدكتور راس مال عبدالعزيز الى مواقف بعض المتصوفة في صراعهم مع نظم سياسية, وما تعرضت له هذه الطبقة من مآسي وانهيارات وصدمات عنيفة من لدن تلك السلطات والنظم السياسية. وعن حرية التعبير او التجاوز في الادب الجزائري تحدث الاديب الدكتور حسين ابو النجا عن نماذج ادبية ورؤية جزائرية تميزت تارة في التعبير المباشر, بمعنى تناول الموضوعة السياسية او الاجتماعية من دون رمز و ايحاء, اما الثاني فانه لا يقدم نفسه مباشرة وانما يتقدم الى الموضوع عن طريق غير مباشر ومن اهم سماته الالتفاف على السياسة بالاجتماع والتغلف به من اجل التعبير عن موضوعة سياسية في النهاية, البحث تناول اسماء معروفة من الرواية الجزائرية وعالج طبائع الاستبداد بملاحظات نقدية وتوصيفات لواقع الحريات الفكرية وحال الديمقراطية في البلاد العربية وشمل افريقيا, بلغة سوسيولوجية تحليلية غير مهادنة, خلصت الى تقديم نماذج درامية لواقع هذه الحريات الثقافية والفكرية, في الشمال الافريقي والوطن العربي. ومن مصر قدمت الاستاذة عبلة الرويني مداخلة عن وليمة لاعشاب البحر, وصورة المثقف من خلال الازمة التي اثارتها رواية حيدر حيدر في القاهرة. كما شاركت الاستاذة شاهندة مقلد بمداخلة: الفلاحون المصريون وحرية الفكر. وقد ساهمت هذه الآراء والمحاضرات والمداخلات في اثراء موضوع الحريات الذي لم يأخذ فقط منحاه النظري, ولكن الكثير من المداخلات التطبيقية والنماذج العربية والافريقية, اتاحت جوا من ديمقراطية الحوار الذي تزينت به جنبات الجاحظية على مدى ثلاثة ايام من المساءلة والنقاش والحوار الذي كشف واضاف العديد من النقاط الهامة في موضوع حريات التعبير في شمال افريقيا من لدن باحثين معروفين. الجزائر ـ محمد الجزائري