أثارت التجربة التي أجرتها وزارة الدفاع الإيرانية لإطلاق صاروخ (شهاب 3) ردود فعل غاضبة في العديد من الدول حيث انتقدتها إسرائيل والولايات المتحدة وتركيا, إضافة إلى أطراف أخرى عديدة, وجدت في التجارب الإيرانية تهديداً للتوازن الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط, وبعد أن أحدثت دبلوماسية الكافيار تقاربا ملحوظا بين إيران والولايات المتحدة, بيد أن هذه التجارب ستعيد هذا التقارب خطوات كبيرة إلى الوراء. كانت وزارة الدفاع الايرانية قد أجرت تجربة ناجحة على إطلاق صاروخ (شهاب 3), وهي التجربة الثانية على هذا الصاروخ بعد التجربة الثانية التي أجريت في يوليو1998 والتي غلب عليها الطابع الدعائي والسياسي. ويصل مدى (شهاب 3) إلى 1300كم, وتبلغ سرعته 7آلاف كم/ساعة ويحمل رأسا (متفجرة) تزن حوالي 800كجم. ويرتكز الصاروخ الإيراني في تصميمه على صاروخ من كوريا الشمالية وهو صاروخ (دودونج) , والذي تم تطويره هو الآخر من صاروخ (سكود) السوفييتي الشهير. ويشير العديد من المراقبين إلى أن مشروع الصاروخ الإيراني كان قد بدأ قبل عشرات السنين في عهد الشاه وبمساعدة إسرائيلية لم يتم الإعلان عنها رسمياً آنذاك, وفي التسعينيات اعادت ايران العمل في المشروع وباءت كل محاولات إسرائيل والولايات المتحدة لإيقافه بالفشل, والمتابع للشأن الإيراني يدرك تماماً أن الطروحات الإيرانية لا تقف عند حد إطلاق هذا الصاروخ, حيث تستعد إيران لزيادة مدى هذه الصواريخ حتى يصل إلى الفي كيلومتر, وتطوير صواريخ شهاب يهدف إنتاج صاروخ بمدى 5000كم, وذلك لإطلاق قمر صناعي تجسسي إلى الفضاء في السنوات المقبلة. الهدف الاكبر بل ويشير المراقبون إلى أن الهدف الاكبر لإيران هو إحراز سلاح نووي, يمكن تحميله على الصواريخ الإيرانية. موقع (شهاب 3) في منظومة الصواريخ الإيرانية تمتلك إيران ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية التكتيكية أرض-أرض منها: * صواريخ (سكود ب ـ سي) روسية مداها 450 كيلومترا. * صواريخ صينية ( CSS/8 ) مداها (350كم). * عدد من الصواريخ الكورية (نودونج-1). * وكانت آخر التطورات التي شهدتها المنظومة الإيرانية تدشين نوعين من الصواريخ المضادة للدروع من طراز (توسان ـ 1 ) و(ام ـ 113) يمكن توجيههما بدقة بالغة, ويعتبر هذان الصاروخان متشابهان للغاية مع نموذج محلي من صواريخ (كوتكورز) الروسية التي يطلق عليها حلف الأطلسي اسم (يه تي ـ 5 سباندريل) وتركب هذه الصواريخ على منصة ثلاثية القوائم على المركبات المصفحة مثل المدرعة الروسية (بي ام بي ـ 2 ) الرباعية الدفع, والمدرعة الإيرانية الخفيفة (بورا) . * وتضع إيران أيضاً نسخة من صواريخ (ايه تي جي دبليو) التي تصنعها شركتا رايثون وبوينج الأمريكيتان والتي توجه بالسلك لمسافة 3750مترا, وذلك تحت اسم طوفان (وطوفان ـ 2), وهي صواريخ موجهة بعيدة المدى مضادة للدبابات. * وقد عمدت إيران الاستعانة بالتكنولوجيا الروسية والصينية والكورية لتطوير وتصنيع الصواريخ أرض-أرض قصيرة المدى مثل عقاب وشاهين ونازايت العاملة حالياً في القوات الإيرانية. ردود الأفعال حول التجربة الإيرانية [أ] إسرائيل: كانت تل أبيب صاحبة النصيب الأكبر من ردود الأفعال العنيفة إزاء تجربة إطلاق الصاروخ (شهاب-3) وذلك بالنظر إلى ثلاثة اعتبارات, أولها : أن إيران هي الدولة الوحيدة التي تدعو بوضوح إلى تدمير دولة إسرائيل والتي تمول منظمات لبنانية وفلسطينية من أجل إحراز أهدافها. * وثانيها : أن إيران ـ وبعد هذه التجربة ـ باتت تجمع بين العداء لإسرائيل والقدرة في الوقت نفسه على إيذائها. * وثالثها : أن إسرائيل لديها قناعة بأن الميزان الاستراتيجي في المنطقة سيتأثر في حالة بدء استخدام إيران للصواريخ عملياً, وأن إيران بامتلاكها شهاب يمكنها امتلاك القدرة الصاروخية الكاملة خلال عامين والنووية في غضون خمس سنوات, وأن شهاب ربما يعكس رغبة إيران في التوصل لقدرة استراتيجية ونووية لم تكن تملكها. وقد أعلنت إسرائيل وعلى لسان نائب وزير الدفاع افراييم سنيه أن بلاده ستعرف كيف تجد الرد المناسب على صاروخ (شهاب 3), فيما صرح إيهود بارا ك الذي تابع التجارب من كامب ديفيد أن (الرد الحقيقي على هذا الصاروخ يتمثل في قوة الجيش الإسرائيلي, وتعزيز أمن إسرائيل من خلال عقد اتفاقات سلام) وعلى الرغم من رد الفعل الإسرائيلي إلا أن أي تهديد إيراني إلى إسرائيل أمر غير محتمل بالنظر إلى جملة اعتبارات: * قيام إسرائيل بتطوير نظام دفاعي متمثل في نظام الصواريخ المضادة للصواريخ من طراز (حيفت) , وأنظمة أخرى تتمتع بالقدرة على الردود الملائمة نسبياً. * التعاون الاستراتيجي التركي ـ الإسرائيلي والذي يهدف فيما يهدف إلى إعطاء تل أبيب إمكانيات أكبر للرد على أي خطر إيراني عليها , وفي إطار هذا التعاون هناك تنسيق خاص بالموضوع الإيراني, حيث تلتقي في الحقيقة المصلحة التركية مع مصالح إسرائيل في هذا المجال. * نجاح إسرائيل في إطلاق صاروخ (كروز) من غواصة ألمانية الصنع من طراز (دلفين), مما يعني امتلاك إسرائيل القدرة على توجيه ضربة انتقامية إثر أي هجوم على أراضيها بأسلحة الدمار الشامل. وتشمل ترسانة إسرائيل الدفاعية ـ الهجومية القنابل النووية مع إيصالها بطائرات (اف 16 أي) الأمريكية الصنع, وصواريخ (أريحا) المتوسطة المدى, ونظام (السهم) الصاروخي المضاد للصواريخ الذي يجري تطويره بتمويل أمريكي. [ب] الولايات المتحدة الأمريكية: كانت الولايات المتحدة هي الدولة الثانية التي بالغت في ردة فعلها إزاء إطلاق الصاروخ الإيراني (شهاب 3). حيث أثارت التجربة حفيظة واشنطن التي اعتبرت أن إيران مصممة على المضي قدماً في برنامجها لإنتاج أسلحة الدمار الشامل, واعتبرت التجربة تهديداً للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وأن جهود إيران لتعزيز قدرتها في مجال الصواريخ الباليستية تهديداً للمصالح الأمريكية بشأن عدم انتشار الأسلحة, وأكدت الولايات المتحدة أن مخاوفها تتعلق بصواريخ ذات مدى أكبر, تقوم إيران بتطويرها, وتعتقد أنها عابرة للقارات . وشددت الولايات المتحدة على أن صاروخ (شهاب 3) يشكل تهديداً على قواتها العسكرية في السعودية, والتي تقع في مرماه. إلا أن الولايات المتحدة لا تقف هي الأخرى مكتوفة الأيدي بل لديها برامجها الخاصة لمواجهة تهديدات ما تسميه الدول المارقة مثل إيران وكوريا الشمالية, حيث تسعى واشنطن لإقامة نظام دفاعي مضاد للصواريخ العابرة للقارات, بهدف حماية مواطنيها من هجوم فتاك قد تشنه دول مارقة. وقد أجرت الولايات المتحدة اوائل شهر يوليو الجاري تجربة لاعتراض وتدمير صاروخ بعيد المدى, إلا أن هذه التجربة والتي تكلفت 100مليون دولار فشلت . ورغم ذلك فهي لا تعدو كونها التجربة الثالثة من سلسلة تجارب(19تجربة) هدفها في النهاية إقامة نظام دفاعي ضد صواريخ تحمل أسلحة دمار شامل. وتقدر تكلفة هذا المشروع بنحو 60مليار دولار. التجربة الايرانية والأمن الخليجي تثير التجربة الإيرانية تساؤلات حول علاقتها بأمن الخليج, لاسيما وأنها تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات الخليجية الإيرانية تحسناً على أكثر من صعيد. وقد أعلنت وزارة الدفاع الإيرانية فور إطلاق التجربة أن الصاروخ لن يسقط يوماً في بلد إسلامي, وذلك في إشارة إلى أن هدفه ـ كما قال العديد من المراقبين ـ إسرائيل, لا سيما وأن طهران حذرت تل أبيب مراراً من أن ردها سيكون قاسياً إذا ما تعرضت لاعتداء إسرائيلي. ومن جانبه وجه وزير الخارجية الايراني كمال خرازي رسالة طمأنة إلى دول المنطقة, وبخاصة الدول الخليجية منها, وقال ان (القدرات الدفاعية الإسلامية هي في خدمة الاستقرار والأمن في المنطقة, كما أن تعزيز هذه القدرات يؤدي إلى رفع مستوى القدرات الدفاعية للدول الصديقة) . ومما سبق يتضح أن إيران تحاول أن تطرح نفسها كبديل إقليمي يحقق التوازن الاستراتيجي بدلاً من القوات الأجنبية المرابطة في منطقة الخليج. ويعد هذا استكمالاً للطرح الذي سبق وقدمته في فترات سابقة, والذي يقضي بإقامة تحالف استراتيجي يضم دول الخليج الست بالإضافة إلى إيران والعراق, كما يعد استكمالاً للطرح الإيراني الخاص بأمن الخليج والذي يرى أن هذا الأمن ينبغي أن يتحقق ذاتياً بقدرات الدول المعنية وليس بمساعدة أي طرف خارجي. ملاحظات ختامية الانتقادات الأمريكية والإسرائيلية التي وجهت إلى التجربة الإيرانية... تهدف إلى تبرير السباق إلى التسلح في البلدين من خلال اختلاق ذريعة لهذا السباق. كما تهدف إلى تحويل أنظار الرأي العام العالمي عن المشروع الأمريكي لنشر شبكة الصواريخ الدفاعية, فضلاً عن المشروع الإسرائيلي التسلح النووي والكيميائي والبيولوجي. أن جهود ايران لتطوير أسلحتها لاسيما صواريخها تصب في جهودها الحثيثة لكي تصبح قطباً إقليمياً هاماً وقد أعلنت طهران أكثر من مرة أنها ثقل إقليمي لا يمكن تجاهله في المستقبل لتحديد مستقبل المنطقة, وهي ـ أي إيران ـ قد أخذت في الحسبان وجود ثلاث قوى على صعيد المنطقة هي إسرائيل وتركيا وباكستان, ومن ثم فهي ترى ـ وفي إطار مصالحها الجيوسياسية ـ ضرورة أن تمتلك القدرة العسكرية للمحافظة على هذه المصالح, وبأسرع وقت ممكن لمواجهة التعاون الاستراتيجي التركي ـ الإسرائيلي, ولكي تواكب انعكاسات عملية السلام على صعيد المنطقة ككل. لا يمكن عزل هذه الخطوات عن التطورات التي تشهدها المنطقة... حيث يرى العديد من المراقبين أن إيران تعد نفسها لظروف ما بعد رفع الحصار عن العراق. لاسيما وسط تكهنات بأن الترسانة العراقية لم تدمر تماماً, ومن ثم فإن إيران لابد أن تكون مستعدة لإحداث التوازن مع العراق في حال رفع الحصار عن هذا الأخير. الكويت ـ المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية