الدكتور محمد منير شاهين العالم المصري وأستاذ الطاقة النووية بالجامعات البريطانية أول عربي يحصل على لقب لورد عن مقاطعة دوراث البريطانية تكريما له على البحوث والدراسات, التي أجراها في مجال إعادة تصنيع الوقود النووي خلال عمله في هيئة الطاقة الذرية البريطانية وجامعتي لندن وويلز, اسم الدكتور شاهين وضع في مجلد مشاهير العالم منذ عام 1998. تخرج الدكتور شاهين في كلية الهندسة بجامعة عين شمس في عام 1964 وحصل على الدكتوراه في التصميم الميكانيكي, وعمل في هذا المجال في المفاعلات الذرية ثم عمل في إعادة تصنيع الوقود النووي وهو تخصص نادر لا يوجد إلا في عدد قليل جدا من الدول المتقدمة. في عام 1992 ذهب إلى الاتحاد السوفييتي ضمن فريق مكون من ست شخصيات من العالم كله للبحث عن وسيلة لمساعدة دول الاتحاد السوفييتي تكنولوجيا بدلا من تقديم مساعدات مالية لها. * في البداية سألت الدكتور شاهين لماذا لا تعمل في مصر أو في الدول العربية؟ ـ أجاب: أنا أعمل في مجال إعادة تصنيع الوقود النووي, وهذا التخصص غير موجود في أية دولة عربية, لأنه يحتاج إلى استخدامات متطورة, وهذا لا يتم إلا في عدة دول في العالم مثل الولايات المتحدة وكندا وانجلترا وفرنسا والاتحاد السوفييتي السابق, أما البلاد النووية الأخرى فتعيد تصنيع وقودها النووي في إحدى هذه البلدان, وبالتالي فلا يوجد عمل في مجال تخصصي داخل الدول العربية وتصنيع الوقود النووي عملية متقدمة جدا, وليس معنى امتلاك بلد من البلاد للطاقة النووية أنها تستطيع الوصول إلى مرحلة تصنيع الوقود النووي, فعلى سبيل المثال اليابان لديها طاقة نووية تستخدمها في الأغراض السلمية لكنها تعيد تصنيع وقودها النووي في انجلترا, والحمد لله أن مكنني من هذا التخصص الدقيق والفضل لله ثم لمصر التي علمتني وتأهلت في مدارسها وجامعاتها للوصول إلى هذه المكانة بعد رحلة كفاح طويلة وعمل مستمر. مناخ وإمكانيات * لماذا يهاجر العلماء العرب إلى الخارج؟ ولماذا يبدعون ويتفوقون في الدول الأجنبية في حين لا يحدث هذا في بلادنا؟ ـ في الدول العربية المناخ غير ملائم للإبداع والإمكانيات المالية غير متوافرة, وعندما يهاجر العلماء العرب خاصة أصحاب الكفاءة والخبرة فإنهم يجدون المناخ الملائم ويجدون التمويل, أيضا غياب التشجيع وجو الإحباط في الدول العربية يدفع العلماء إلى الهجرة, البلاد العربية في حاجة إلى ما يعرف بتدعيم الإبداع أي توفير الإمكانيات وتذليل بعض الصعوبات وإزالة العقبات, فعلى سبيل المثال الترقي في الجامعات العربية يكون على أساس البحوث والدراسات المنشورة رغم أن عالما أو أستاذا قد يفيد المجتمع بدرجة أكبر من خلال بحوث غير منشورة ومع ذلك لا تؤخذ مثل هذه الأبحاث في الاعتبار عند الترقية, أيضا قد يفيد أستاذ في مجال تطوير المناهج وطرق التدريس أو في عملية الإبداع كل ذلك لا يفيده عند الترقية ولذلك لابد من إعادة النظر في نظم الترقي في الجامعات العربية, والعلماء العرب المهاجرون إلى الدول الغربية يتفوقون بسبب إيمانهم بالعمل المستمر وقدرتهم على العمل ضمن فريق وتكيفهم مع طريقة العمل الجماعي وهذه الروح مفتقدة في الدول العربية, ومن الطبيعي أن يجيد العلماء في أي مكان تتوافر فيه هذه العناصر, وأذكر أنني عندما هاجرت إلى انجلترا وجدتهم يستقطعون من ميزانيات الجامعات لكنهم ينفقون بسخاء على البحث العلمي خاصة في المجال النووي حيث كانت مسز تاتشر رئيسة الوزراء حينئذ تعمل من أجل تحقيق الردع. وبجانب المناخ المواتي والتشجيع الذي يلقاه العالم والباحث فلا يتم إجراء أي بحث إلا إذا قدمت الصناعة الدعم اللازم له, فالصناعة هي الممول للبحث العلمي. الحياة العلمية * ما الذي تستطيع العقول المهاجرة تقديمه إلى البلاد العربية حتى تنهض وتتطور؟ ـ العلماء المهاجرون لن يدخروا أي جهد من أجل إثراء الحياة العلمية في البلاد العربية, ونحن ـ كل في تخصصه ـ على أتم استعداد للمساهمة في نهضة الدول العربية, وأعتقد أن الدول العربية إذا أوكلت لهؤلاء العلماء مهاماً محددة فسوف يقومون بها, وإذا طلبت مصر مثلا مني أي شيء في تخصصي فلن أدخر وسعا في القيام به فأنا مدين لها فقد تعلمت في مدارسها وجامعاتها بالمجان وهذا يجعلني أشعر بالولاء لها والانتماء إليها. وأعتقد أن القصور ليس في العقول المهاجرة وإنما القصور في الدول العربية التي لم تستطع الاستفادة من هذه العقول رغم استعدادها لتقديم العون والمساعدة, وأذكر أن وفدا من إحدى الدول العربية زار بريطانيا وطلب من العلماء العرب المساعدة في برامج التنمية في هذه الدولة, و بالفعل قام بعض العلماء بمراسلة هذه الدولة لكن المؤسف أن أحدا من المسئولين في هذا البلد لم يرد على هؤلاء العلماء. وبالطبع يجب ألا نتصور أن العلماء المهاجرين سوف يتركون أعمالهم فهذا توجه خاطئ لأن بلادهم تستطيع الاستفادة منهم بصورة أفضل وهم يعملون في الخارج, فهؤلاء العلماء يستطيعون المساهمة في حل المشاكل الداخلية التي تواجهها بعض الدول العربية, لكن هذه الدول هي المسئولة في النهاية عن تحديد ما الذي تريده من العقول المهاجرة وتحديد المشكلات التي تريد منهم المساهمة في حلها. على سبيل المثال يمكن للجامعات العربية التي يتم إنشاؤها والجامعات القائمة الاستفادة من خبرات العلماء العرب في الخارج بحيث يتم إنشاء الجامعات الجديدة على أسس علمية سليمة بحيث تواكب التغير والتطور السريع. روشتة تكنولوجية * ما الاقتراحات التي تقدمونها للدول العربية من أجل أن تنهض وتتقدم تكنولوجيا؟ ـ عملية توطين ونقل التكنولوجيا تدخل فيها النواحي السياسية, وأعتقد أن البلاد المعتدلة في العالم العربي سوف تجد السند ـ لا أقول أن الغرب سوف يمدها بكل التكنولوجيا الحديثة ـ بما يسمح لها بنقل كمية ليست قليلة من التكنولوجيا, لكن لابد أن يكون لدى الدول العربية الاستعداد لنقل التكنولوجيا أي لابد من توافر الإمكانيات و تبني أسلوب العمل الجماعي وهذا يتطلب وجود شكل من الاتحاد بين هذه الدول والتعاون بين شركات التكنولوجيا المتقدمة والتكاتف بين العلماء ومراكز البحوث والمؤسسات التعليمية, ذلك لأن العمل الفردي لم يعد يجدي الآن, وأعتقد أن التخطيط السليم والعمل الجماعي يستطيعان تسهيل عملية التمويل, ومن ناحية أخرى لابد أن تشعر الشركات والصناعات التي تمول عملية نقل وتوطين التكنولوجيا بوجود عائد أو مردود بحثي تطبيقي لحل مشاكلها وعلى ذلك يجب على المؤسسات العلمية أن تركز على البحو ث التطبيقية ـ والتقليل من البحوث الأساسية ـ لأنها تساعد في عملية التمويل المالي وحل مشكلات المجتمع, وهذا هو المدخل الذي يمكن من خلاله الحصول على الأموال التي تساعد في عملية نقل التكنولوجيا, وتستطيع الدول العربية أن تبدأ على مراحل فليس بالضرورة أن تنقل التكنولوجيا المتقدمة إلى أقصى درجة لأنها لن تستطيع التعامل معها, لكنها يمكن أن تبدأ بتطوير التكنولوجيا الخاصة بها بالمعدل الذي يتناسب مع ظروفها. جيل مخلص * لكن هل نستطيع تجميع الدول العربية في منظومة متكاملة تمكنها من النهوض والتقدم؟ وكيف نتغلب على المعوقات التي تواجه هذا التجمع؟ ـ تستطيع جامعة الدول العربية أن تقوم بدور فعال في تجميع الجهود على مستوى الدول العربية, لكن المشكلة تتمثل في وجود عناصر خارجة عن الإرادة قد تعوق ذلك رغم توافر التخطيط السليم, لذلك نحن في حاجة إلى تربية جيل مخلص, وهذا قد يستغرق وقتا طويلا. لكن لابد أن نبدأ بتربية سليمة تؤدى الى الاتقان والاخلاص فى العمل, وعلى أى حال علينا الابتعاد عن الاستعجال وان تكون لدينا خطة طويلة المدى وخطط متوسطة وقصيرة المدى لاننا نعيش مرحلة تحتاج الى هذه الخطط المتنوعة, ايضا نحن لا نريد كلاما كثيرا وشعارات لان الانسان المخلص يعمل فى هدوء حتى لا يثير أناسا ضده لا يريدون له التقدم. اختراع العجلة * هناك جدل فى مصر بين الذين يؤيدون نقل التكنولوجيا والذين يدعون الى التنمية الذاتية فهل تستطيع مصر والدول العربية تنمية نفسها ذاتيا؟ ـ هناك مثل يقول: لا تعيد اختراع العجلة, فإذا كان هناك شيء موجود فلا يجب أن تبدأ دولة من الصفر وانما يجب أن تبنى على ما هو قائم بالفعل. وذلك من أجل توفير الوقت والجهد والمال وحتى تستطيع النهوض بسرعة, قد تكون هناك تكنولوجيا لا نستطيع الحصول عليها, لكن كل مايمكن نقله فيجب ان ننقله ثم نبنى عليه. * البعض يدعو الى انشاء مجلس عربى للبحث العلمى فهل هذه الفكرة قابلة للتنفيذ؟ وماذا يستطيع أن يقدم هذا المجلس؟ ـ ليس معنى جمع مجموعة من الباحثين اننا لدينا القدرة على البحث, فعملية البحث تحتاج الى جانب توفر هذه القدرة الى ميزانية كافية ومناخ ملائم, وبالتالى فبإمكاننا انشاء مركز عربى للبحث العلمى وتوفير العلماء والباحثين لكننا سنواجه مشكلة التمويل, فحجم الانفاق على البحث العلمى فى الخارج لا يقارن أبدا بحجم الانفاق عندنا. نحن لدينا كفاءات بشرية لكن ضعف القوة المالية سوف يؤدى الى عدم الاستمرار. ويمكن توفير التمويل اذا غيرنا من مفهومنا للأبحاث ونوعيتها, فالأبحاث التطبيقية العملية هى المفيدة للبيئة وهى التى تحظى بالتمويل من جانب الصناعة ومؤسسات الصناعة والدولة وحتى الأفراد. لكن المشكلة ان مؤسساتنا وعلماءنا لا يزالون يعتمدون على الأبحاث الأساسية النظرية لأن الترقية فى الجامعات العربية تتم على أساسها وعلى أساس النشر. ورغم ان الابحاث التطبيقية لا تنشر لكن يجب ان تحظى بالتقدير حتى نشجع الباحثين على القيام بهذه الأبحاث, وقبل ان تدعو الى انشاء مجلس عربى للبحث العلمى يجب ان نعد له الاعداد السليم حتى لا يحالفنا الفشل بتغيير مفهومنا للبحث وتوفير الميزانية والمناخ الملائم. * كيف تنظرون الى أوضاع الطاقة النووية فى منطقة الشرق الأوسط فى ظل التفوق الاسرائيلى فى هذا المجال وغياب التوازن النووى؟ ـ أوضاع الطاقة النووية فى الشرق الأوسط عموما بما فيه العالم العربى واسرائيل غير سليمة, لكننى اعتقد أن مصر تقوم بدور فى هذا المجال من أجل تصحيح المسار ومع ذلك فالقضية ليست يسيرة وليست سهلة وتحتاج الى صبر واعتقد أن المسئولين فى الدول العربية على دراية كاملة بهذه الأوضاع, لكنهم إذا تسرعوا فى اتخاذ اجراءات أشد فسيكون رد الفعل عكسيا, لذلك مواجهة الاختلال فى الأوضاع النووية فى الشرق الأوسط تحتاج الى تأن وهدوء وهناك جهود طيبة وخطوات قطعت فى الوقت الحاضر ولو كنا سرنا فى هذا الطريق منذ سنوات لتوصلنا الى نتيجة مرضية, وفى آخر اجتماع بخصوص اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية. كان هناك اتجاه يدعو الى ضرورة ان تلتزم اسرائيل بالمعاهدات النووية الدولية, ورغم ان الدول العربية بدأت برامجها النووية قبل اسرائيل بسنوات طويلة الا ان اسرائيل تفوقت على هذه الدول لانها وجدت دعما وعونا من الولايات المتحدة الامريكية واوروبا لم يكن متاحا للدول العربية. وتلك الأوضاع لا تدعونا الى السعي وراء امتلاك الأسلحة النووية. لان الاستخدامات السلمية للطاقة النووية أكثر من الاستخدامات العسكرية. والدول العربية لديها طاقات وموارد طبيعية أخرى مثل طاقة البترول والغاز وبالتالى لا توجد ضرورة لدخول هذه الدول فى مجال الطاقة النووية فى الوقت الحاضر خاصة فى المجال العسكرى لاننا نسعى الى تحقيق السلام وأعتقد أن وضع اسرائيل فى سبيله الى التصحيح وان اسرائيل سوف تلتزم فى النهاية بالمواثيق والمعاهدات الدولية. توجه سليم * كيف تستطيع الدول الارتقاء بالاستخدامات السلمية؟ وما الذى نستفيده من الدول المتقدمة فى هذا المجال؟ ـ الاستخدامات السلمية كثيرة فى مجالات الزراعة والطب والعلاج والبيئة, والتوجه المصرى سليم وجيد لان مصر لو وجهت الطاقة الذرية للاستخدامات العسكرية لاستنفدت كل مواردها ولن تسلم من العالم, والاستخدامات السلمية للطاقة الذرية ليس فيها تكنولوجيا تخبأ عن الدول العربية وبالتالى تستطيع نقلها من الدول المتقدمة, كل ما فى الأمر يجب الاهتمام بعملية التعليم والتربية وابتعاث بعض الطلاب المتميزين لدراسة هذه الاستخدامات فى الخارج ولن تمانع الدول المتقدمة فى ذلك وتستطيع الدول العربية التخطيط السليم. فأمريكا نهضت بفضل الادارة والأموال فى حين نهضت اليابان بالتربية. فلو وجد التخطيط السليم والادارة والتربية السليمة فسوف نتطور ونتقدم. أخطاء كثيرة * الوكالة الدولية للطاقة الذرية تسمح لاسرائيل بتطوير منشآتها النووية وامتلاك السلاح النووى في الوقت الذي ترفض فيه أن يمتلك العراق مثل هذه المنشآت وهذا السلاح.. ما تعليقكم؟ ـ الوكالة لابد أن تقوم بمسئولياتها وتصحح الأخطاء, واسرائيل ليست اول خطأ وانما هناك أخطاء كثيرة ليس على مستوى الطاقة الذرية فحسب وانما هناك أمور أخرى مماثلة. وإذا كان العرب تنبهوا الى ضرورة تصحيح الأوضاع وقطعوا خطوات فى الاتجاه السليم. الا ان الوكالة الدولية للطاقة الذرية تكيل بمكيالين فى ان تسمح لاسرائيل بامتلاك السلاح النووى وترفض هذه الدولة التوقيع على الاتفاقيات ولا تخضع منشآتها النووية للتفتيش, وإذا كان الاسرائيليون يقولون انهم قادرون على التحكم فى طاقتهم الذرية الا انهم ربما يستخدمونها اذا ضاق بهم الحال لكنهم فى ظل الأوضاع الحالية لن يستطيعوا استخدامها لان السلاح النووى سلاح استراتيجى وسوف يضر بالاسرائيليين كما يضر بالدول المجاورة, وأعتقد أن العرب ماداموا قد تنبهوا لهذه المشكلة فسوف ينجحون فى وضع اسرائيل فى الاطار الصحيح من الطاقة الذرية. * البعض يشير بأصابع الاتهام الى المربين والمعلمين فى المدارس والجامعات ويرون أنهم هم سبب تخلف الدول العربية وعدم تقدمها فما مدى صحة ذلك؟ ـ اذا كان جيلنا فيه قصور, فإن المربي والمعلم يتحمل المسئولية لكن المسئولية لا تقع على عاتق المربي وحده ولا يوجه اليه كل اللوم لأن مجتمعنا لا يعامل المعلم والمربى بالطريقة التى ينبغى ان تكون فى حين ان اليابان تعامل المعلم معاملة القضاة وتضعهم فى اعلى مستويات المجتمع. وتختار المعلمين الذين حصلوا على أعلى درجات. أما بالنسبة للجامعات العربية فالمقاييس مختلة وعلى سبيل المثال كلية التربية فى اليابان تنتقى طلابها وتعاملهم بعد التخرج معاملة ممتازة ولذلك يعطى المعلم أفضل عطاء ويربى جيلا بمعنى الكلمة. ويجب الا نبالغ فى لوم الاساتذة والعلماء فى بلادنا لوجود أمور اخرى تتعلق بسياسات عامة. القاهرة ـ (البيان) ـ حوار: ضياء الدين أحمد