منذ البيان المشترك الذى اذاعته مصر والولايات المتحدة عام 74 , انطلقت قاطرة (المعونة) الامريكية المثيرة للجدل والتي تلقت مصر عبرها مليارات الدولارات, لكنها اضطرت في المقابل الى دفع (ثمن) هذه المعونة سواء سياسيا او اقتصاديا. ومنذ عام 79 وحتى الآن تلقت مصر من الولايات المتحدة مساعدات اقتصادية تقدر بنحو 23 مليار دولار من اجمالى 48 مليار دولار منها 25 مليار مساعدات عسكرية, وقد تم توزيع المعونة الاقتصادية على عدة مجالات تشمل توجيه 415 مليون دولار لبرنامج تمويل الواردات السلعية, الى جانب 200 مليون دولار تحويلات نقدية ترتبط ببرنامج الاصلاح الاقتصادى ويشير تقرير البنك الدولى الى ان هناك درجة عالية من الاعتماد الاقتصادى لمصر على الولايات المتحدة في مجال المساعدات, حيث بلغ متوسط النصيب النسبى للمساعدات الأمريكية المقدمة الى مصر من اجمالى ماتلقته مصر من مساعدات أجنبية خلال الفترة من 81 الى عام 89 حوالى 5.68% الا ان النصيب النسبى قد انخفض بصورة ملحوظة عامى ,90 91 حيث بلغ 9.23%, 3.21% على التوالى. ويؤكد التقرير ان هذا الانخفاض الملحوظ لا يعود الى انخفاض قيمة المساعدات الأمريكية المقدمة الى مصر, وانما يعود الى زيادة حادة للمساعدات التى تلقتها مصر بعد أزمة الخليج, واتجاه الدول والمؤسسات الدولية الى تقديم مساعدات وفيرة لمصر لتعويضها عن الاضرار التى لحقت بها بسبب الحرب, ويشير تقرير البنك الدولى الى أن النصيب النسبى من المساعدات قد عاد الى الارتفاع في عامى ,92 93 فبلغ 30%, 4.97% وذلك نتيجة لتراجع قيمة اجمالى المساعدات التى تلقتها مصر في هذين العامين عن العامين السابقين لهما. ويوضح بشير عبدالفتاح الباحث بمركز بحوث ودراسات الدول النامية بأن قانون الأمن المتبادل الأمريكى نص صراحة في الفقرة الثانية من الفصل 511 على انه لا يجوز منح أية مساعدة اقتصادية أو فنية لأية دولة من الدول اذا كانت هذه الدول لا تدعم أمن الولايات المتحدة, ويضيف بأنه بناء على ذلك فإن صندوق الدعم الاقتصادى الأمريكى يقدم مساعدات الى الدول التى يتم تحديدها كدول ذات أهمية بالغة للمصالح الأمريكية السياسية, والاستراتيجية وتتضح الأهمية السياسية والاستراتيجية لمصر بالنسبة للولايات المتحدة من خلال الحجم الكبير من المساعدات التى تتلقاها سنويا منذ منتصف السبعينيات, والذى يجعلها تحتل المرتبة الثانية مباشرة بعد اسرائيل وتتقدم حلفاء الولايات المتحدة السابقين مثل باكستان, تركيا والفلبين. ويوضح بشير منشأ وهدف المساعدات الأمريكية لمصر بأنه اتخذ طابعا سياسيا, وذلك لمكافأة مصر على تعهدها بالسير في عملية السلام, ولحث النظام المصرى آنذاك على توقيع اتفاقات كامب ديفيد وتمكينه من تعويض الخسارة التى ألمت بالاقتصاد المصرى نتيجة قطع المساعدات العربية. ويضيف بأن استمرار تدفق المعونات والمساعدات الأمريكية لمصر ارتبط باستمرار الرضاء الأمريكى عن الدور المصرى والسياسات المصرية بشأن قضايا السلام, الاستقرار, والاصلاح الاقتصادى. وفى تقييمه لهذه المساعدات أوضح بشير عبدالفتاح ان هناك عدة انتقادات توجه اليها يأتى في مقدمتها أن مصر تتلقى سنويا من أمريكا أكثر من نصف المساعدات الاقتصادية التى تتلقها وبذلك أصبحت الولايات المتحدة في مقدمة الدول الدائنة لمصر, بالاضافة لعبء الديون العسكرية التى بلغت عام 90 نحو 1.7 مليارات دولار ومثلت لفترة طويلة عبئا على الاقتصاد المصرى, وساهمت في اعادة تدوير الأموال الأمريكية الموجهة الى مصر في صورة مساعدات اقتصادية الى أن تم اسقاطها في عام 91. وأضاف: هناك مشكلة اخرى تتمثل في أن المساعدات الأمريكية في تخصيصها للموارد لم تأخذ بعين الاعتبار قضية تخصيص عجز ميزان المدفوعات, والذى يمكن ان يتحقق من خلال التركيز على المشروعات التى توجه للتصدير أو تلك التى تساعد الى حد كبير في عملية احلال الواردات.. وقد أدى ربط المساعدات الأمريكية الميسرة بالشراء من المنتجات الأمريكية دون النظر الى قدرة مصر على منافسة العديد من المنتجات الى اضعاف قدرة مصر على منافسة العديد من المنتجات المستوردة, كما ساعد على تدوير أموال المساعدات, حيث تفوق قيمة الواردات من الولايات المتحدة قيمة المساعدات الأمريكية لمصر, وهو ماعبر عنه الرئيس مبارك أثناء زيارته الى الولايات المتحدة اذ قال ان المساعدات الأمريكية لمصر يتم انفاقها بإشراف أمريكى, وأن الجانب الأكبر من هذه المعونات يعود الى أمريكا من خلال الواردات والشركات الأمريكية التى تقوم بتنفيذ المشروعات. وأشار بشير الى ان اتفاقات المساعدات الأمريكية فرضت الاستعانة بالخبراء الأمريكيين الذين يتقاضون مرتبات مرتفعة, ويحصلون على مزايا عديدة الى جانب العدد الضخم من الأمريكيين الذين يديرون برنامج المساعدات الأمريكية.. هذا الى جانب أن هذه المساعدات قد أفادت فئة قليلة تركزت في جماعات اقتصادية معينة مثل المقاولين, المتعهدين والتجار, رجال الأعمال وهؤلاء استفادوا بشكل مباشر من تدوير أموال المساعدات الأمريكية داخل الاقتصاد المصرى وقد انعكس ذلك على مصالح ومطالب القوى الخارجية وبعض مراكز القوى في الاقتصاد المصرى, في الوقت الذى ألقى فيه عبء سداد الأعباء الناتجة عن هذه المساعدات على فئات اجتماعية مستفيدة بدرجة أقل أو غير مستفيدة على الاطلاق. على الجانب الآخر تؤكد هيئة المعونة الأمريكية على الجوانب الايجابية للمساعدات الأمريكية لمصر باعتبارها قد تسهم اسهاما كبيرا في مجال اصلاح واستقرار الاقتصاد المصرى وان الولايات المتحدة لا تسعى الى اقامة علاقة تبعية مع مصر أو غيرها حيث تؤكد الهيئة ان المصريين وحدهم هم الذين يحددون سياستهم ومصالحهم الوطنية من خلال حكومتهم والنقاش الحر, والولايات المتحدة تعتقد ان الكثير من أهداف مصر المعلنة مثل السلام والتنمية والاستقرار والقوة العسكرية, والاقتصادية والحريات والاستقلال الوطنى تتوافق مع أهدافها لذلك تريد الولايات المتحدة ان تساند مصر في جهودها من أجل التنمية والرخاء في مناخ من الاستقرار, والمصريون وحدهم هم الذين يتحملون مسئولية تحقيق أهدافهم القومية . ماذا بعد المعونة وبرغم ارتباط مصر وامريكا بعلاقات قوية اقتصاديا وسياسيا إلا أن هذا الارتباط لم يشفع للمعونة بالانسياب دون تململ امريكي اذ تنطلق الدعوات من حين لآخر داخل الكونجرس الامريكي او خارجه للمطالبة بتقليل أو وقف المعونة الأمريكية عن مصر خاصة في الآونة الأخيرة وكثيرا ما يظهر التذمر الأمريكي من المواقف المصرية التي لاتتفق مع توجهات السياسة الأمريكية وتكرر ذلك في أكثر من مناسبة, ذلك أن مصر قد سلكت سياسات ترى من وجهة نظرها أنها تخدم المصالح الوطنية والقومية لمصر وتعزز دورها الاقليمي وموقعها كدولة رائدة في المنطقة. ولكن ماذا بعد المعونة؟ وما السيناريوهات المقترحة في حالة توقف المساعدات الاقتصادية الأمريكية لمصر؟.. يؤكد الدكتور عثمان محمد عثمان عميد معهد التخطيط القومي على أهمية اصلاح ما يسمى بمساعدات التنمية والتي تمثل أحد عناصر التعاون الدولي, لكنه يرى انه من الصعب التوقع بخفض هذه المعونة خاصة في اطار من يستفيد من من؟ فالدولة المانحة تستفيد بشكل أو بآخر وفي مصر لا تمثل المعونة حاليا سوى 1% من حجم الدخل القومي المصري الذي يتراوح ما بين 75-80 مليار دولار بينما كانت تمثل في الماضي من 5-7% من الدخل القومي أي أن مساهمة المعونة الأمريكية في الدخل القومي لمصر في تناقص مستمر في ظل تنوع مصادر هذا الدخل. ويوضح د. عثمان أن قبول المعونة لا يعني عدم المحاولة لزيادة الاعتماد على الذات بل يجب أن يكون المعيار المستخدم في تقييم هذه المساعدات تحكمه النظرة المستقبلية موضحا أن السوق العالمية لاتعمل بكفاءة والاختلال الواضح بها يحتاج الى تصحيح ويرى أنه لابد من أن نضغط في تصحيح هذا الاختلال, فالمعونات لا تستخدم لاصلاح الخلل ولكن لاعتبارات سياسية وليست لمواجهة مشكلات البلدان النامية. وأضاف بأن للمعونة أثراً سلبياً على الادخار المحلي الذي يقاس بمصدر الدخل وليس مستواه وأن هناك علاقة سلبية أيضا على انتاج الغذاء وخاصة الحبوب في مصر, وأشار عثمان الى أنه ليس من مصلحة أمريكا كمصدر للقمح أن تكتفي مصر ذاتيا من هذا المحصول, كما ان اي محاولة منها لشراء القمح من دولة أخرى غير أمريكا تقابلها معارضة شديدة منها. المعونات ذات الحدين بينما يرى د. محمد محمود الامام وزير التخطيط الأسبق أن فكرة المعونة ليست مرفوضة وليست جيدة بدليل أن الدول الأوروبية في فلسفة المشاركة الخاصة بها تقوم على المعونات والعلاقات المباشرة فأصبحت الدول الرأسمالية تقوم على أنها اذا منحت معونات فإنها تمنح لأغراض محددة ولمدد محددة والى أن يستقر الاقتصاد, وأوضح د. الامام ان جزءا من المعونات الأمريكية تقرر في اطار اتفاقية كامب ديفيد لكن كان الجزء الأعظم منها موجه لأغراض عسكرية وليس لأغراض مدنية وأوضح أن المشكلة الحقيقية هي أنه لايوجد لدى الأمريكان تصور لاحتياجات المجتمع المصري وهذا النوع له شقان الأول يذهب الى مساعدة القطاع الانتاجي أو قطاع الأعمال والثاني يمس المسئولية الاجتماعية في التنمية الداخلية, وينصب على المجتمع الناجح وفي هذا جانبان الأول جيد وهو العناية بالنواحي الاجتماعية, والثاني شديد الخطورة وهو النفاذ الى المجتمع المدني داخل الدولة وهو ما يجب الحذر منه لأنه يعيد تشكيل أولويات المجتمع المصري طبقا لرؤية الاستراتيجية الأمريكية. وعن حجم المساعدات الأمريكية البالغة 1.2 مليار دولار قال د. الامام انه يمكن تقليص هذه المساعدات الى أقل من الربع بعدما تساءل ماذا فعلت المعونة خلال الـ25 عاما الماضية ويضيف: ( أمريكا ليست الدولة الوحيدة المانحة للمعونات, فهناك معونات اخرى تأتي من المانيا, هولندا, الدنمارك, اليابان وغيرها من الدول) ويستدرك قوله ان الاقتصاد الذي اعتمد على المعونة لمدة 25 عاما وينتظر مثلها ينبغي أن يكون له استراتيجية معروفة للجميع وتستغني مصر عن المعونة مثلما كان يجب أن يكون الاستغناء عن القروض. ويطالب الامام بتوقيع اتفاقيات خاصة مع جهات أخرى لقطع الطريق على تهديدات امريكا بقطع المعونات, مشيرا ان هناك جهات قد يسعدها أن تدخل مع مصر في شراكة كأوروبا واليابان وعلى مصر أن توسع علاقاتها الاقتصادية ولا تقتصر على شراكة أمريكية.. وقال ان القضية الأساسية تتمثل في كيفية تنظيم اجتذاب رأس المال وطالب بتعبئة المدخرات وقيام الحكومة بدور القائد في التنمية لأن المدخرات المحلية تتآكل بالخصخصة, والاستثمارات الجديدة لاتكفي. بينما يؤكد الدكتور علي لطفي رئيس مجلس الوزراء الأسبق على أنه لم يصدر قرار حتى الآن بوقف أو قطع أو تخفيض المعونة الأمريكية لمصر بل تصدر توصيات بين وقت وآخر من إحدى لجان الكونجرس الأمريكي تدعو لتقليص المعونة او او الغائها ويضيف بأن المعونة تستخدم في الاستيراد من الولايات المتحدة وفي حالة وقفها سوف تخسر الولايات المتحدة لأن عمليات الاستيراد المصرية منها سوف تتوقف.. وبالتالي تتأثر عمليات تنشيط الاقتصاد الأمريكى بالاضافة الى أن جزءًا كبيراً من المعونة الأمريكية لمصر يحصل عليه الخبراء الأمريكيون. ويؤكد د. علي لطفي أن مصر سوف تخسر أيضا من جراء قطع المعونة الأمريكية عنها ولكنها خسارة ليست كبيرة حيث يحصل الخبراء الأمريكيون على الجزء الأكبر من المعونة والجزء الباقي لمصر منها محدود للغاية اذا ما قورن بالمبلغ الاجمالي. وأضاف أن الاقتصاد المصري لن يبنيه إلا سواعد مصرية, وأن الاستثمارات أفضل من المعونات وقطع المعونة قد يكون فرصة لنا لاعادة النظر في كثير من سلوكياتنا وأوضاعنا للحفاظ على الكرامة المصرية. ويرى الدكتور مصطفى السعيد وزير الاقتصاد الأسبق ضرورة بحث أمرين قبل الحديث عن تأثير الغاء المعونة الأمريكية على الاقتصاد المصري أولهما بحث كيفية أوجه انفاق المعونة وتأثير هذا الانفاق على الاقتصاد المصري, والثاني بحث حجم المعونة بالنسبة لموارد مصر من العملات الأجنبية والاحتياطيات النقدية الأجنبية لديها ويضيف بأن المعونة تحتل 1.2 مليار دولار من حجم ميزان المعاملات الجارية ومن حجم تدفقات رأس المال الذي يصل الى 18 مليار دولار أي أن المعونة تمثل 1% من حجم التدفقات النقدية وهذه النسبة قد تكون في حجمها أمرا يعتد به ولكن اذا أخذنا في الاعتبار هذا الحجم بالمقارنة بما يوجد من احتياطي نقدي وليس فقط بالرجوع الى التدفقات النقدية سنجد أن الاحتياطي النقدي بالبنك المركزي المصري يتجاوز المعونة.. ويؤكد د. السعيد بأن مصر تمتلك امكانيات اقتصادية كبيرة ومتعددة يمكن ببذل مزيد من الجهود أن تعوض قيمة فقد المعونة إذا تم قطعها عن مصر خاصة اذا ما تم الاهتمام بتوفير التصدير وحل معظم المشكلات التي تعوق الصادرات المصرية عن النفاذ الى الأسواق ويضيف بأن تأثير انقطاع المعونة لن يكون سلبيا بل على العكس حيث سيؤكد على ضرورة الاعتماد على الذات في عملية تنمية وزيادة المعدلات الاقتصادية وقد يجعلنا نهتم بالقضايا الاقتصادية الهامة مثل التصدير بالاضافة الى انعدام تأثير المعونة الأمريكية على القرار السياسي لأنه بمقدار عدم الاعتماد على المعونة والتنمية الاقتصادية تكون القدرة على اتخاذ القرار السياسي المتفق مع المصالح المصرية.