قبل أن اتناول موضوع اليوم, اود ان اشارك الاخوة الكثيرين الذين كتبوا عن مناقب المرحوم سامي احمد المنيس الذي انتقل إلى جوار ربه في الاسبوع الماضي عندما كان يقضي اجازة في القاهرة, ولم تسمح لي الظروف بالمشاركة في التشييع لانني كنت خارج الكويت, وقد نزل عليّ الخبر كالصاعقة, لان المرحوم كان في ذروة عطائه وفي سن صغيرة نسبيا, وكان جذوة نشاط, متوقد الفكر, وممتلئا حماسا لمهمته التي نذر نفسه لها. عرفت المرحوم النائب المنيس في منتصف الخمسينيات, قبل ان اتعرف على فكره وتوجهاته, ورغم ان اللقاءات بيننا لم تكن كثيرة, الا انني شعرت بأن الرجل يملك مخزونا خاصا من الاخلاق ومن الهموم, كان ذلك قبل دخوله المعترك السياسي. كنا في القاهرة معا خلال العدوان الثلاثي على مصر, في اكتوبر ,1956 وكان ناصريا وقوميا دون انفعال, ودون صخب, ولم اكن اتصور ان مستقبله سيرتبط بقضايا عامة كرس كل حياته لها, لم ينافق مسئولا, ولم يطلب شيئا لنفسه, ولم يتخاذل امام الضغط, ولم يستسلم لاغراء, ولم يعاد احدا لان اخلاقه وضعته اكبر من الغيرة والحسد. عاش هادئا في حياته الخاصة, وواضحا في مسيرته العامة, اخر مرة رأيته في عزاء, وكلمته باختصار عن اداء المجلس المتواضع في مجال الفكر والثقافة, وذكرته بأنني اصوت له في دائرة السرة التي يمثلها, وكان رده بأننا اصدقاء قبل كل شيء, رحم الله النائب سامي المنيس الذي رحل عن هذه الدنيا, والكثير من احلامه لم تر النور, والكثير من همومه لم تزل والكثير من توجهاته تظل اماني الجميع. اعود إلى مقال اليوم, الذي جاء من وحي الصدام الذي وقع في الجامعة العربية خلال لقاء الوزراء في القاهرة (دورة القدس) بين الامين العام للجامعة العربية (الدكتور عصمت عبدالمجيد) وبين محمد الصحاف وزير خارجية العراق. ومن خلال ما نشرته الصحف, وما سمعناه من الاصدقاء, لم نفاجأ بالحدة التي تسيدت الصدام, لان لكل منهما مدرسة مختلفة بتاتا عن المدرسة الاخرى. عرفت شخصيا د. عصمت عبدالمجيد كمندوب دائم لجمهورية مصر العربية في الامم المتحدة خلال السبعينيات, وكنت معه امثل دولة الكويت, وجمعتنا صداقة اعتز بها, لان د. عصمت رجل وقار وعلم واخلاق, اتى من مدرسة تحمل هيبة المعرفة وجلال القيم, ومناقب التراث, جاء من مدرسة فكرية مصرية ـ عربية, دمثة وواقعية ومستنيرة, منافذها منفتحة لتستفيد من عصارة الفكر العالمي, تعمل في النور, وتكره الظلام, وهي المدرسة المصرية الفاضلة التي تشربت من الحضارات. تابعت نشاط د. عصمت عبدالمجيد في الامم المتحدة, عاش افضل الحالات واوترها, تعايش مع نصر اكتوبر, وشهد تقلبات السياسة المصرية الساداتية, وتحمل الكثير من العنف ومن النكبات. شاهدته يتحمل الكثير من المتهورين العرب بعد توقيع اتفاقية السلام, وتفاعلت مع مشاعره, وتحاشيت ان يسلك وفد الكويت سلوك الاخرين, كنا مجموعة خليجية لم ننجر إلى مشاهد المآسي التي عاشتها الامم المتحدة والمؤتمرات الدولية, من ائتلاف عراقي ـ سوري ـ ليبي ـ فلسطيني ضد مصر, وضد ممثلها عصمت عبدالمجيد, ومساعده آنذاك الوزير الحالي عمرو موسى. كنت اشفق على الدكتور عصمت, وقد قال لي عدة مرات بأنه لا يريد ان يسبب لي اي احراج ولذلك فضل عدم دعوتي إلى الاحتفالات المصرية. وعرفت الوزير العراقي محمد الصحاف عندما كان يعمل مندوبا دائما للعراق في الامم المتحدة, جاء الصحاف من حقل التعليم, وجاء جديدا على العمل الدبلوماسي, وجديدا على اجواء الامم المتحدة, ولم يظل فيها طويلا, حيث سحب منها إلى وظيفة تعليمية ثانوية, كتعبير عن عدم رضا القيادة عن ادائه. واختفى من المسرح ثم عاد سفيرا إلى روما ثم وزيرا للخارجية في ظروف محلية واقليمية دولية صعبة للعراق, لكنه تحمل هذه الظروف وسعى للنهوض بالمأمورية بحماس منقطع النظير جاء من مدرسة مقياس البقاء فيها الولاء التام والطاعة العمياء للقيادة, وتنفيذ الامر بلا نقاش, جاء من قيادة ثقافتها عنتريات لفظية, وسلوكها المكابرة, وفلسفتها التعتيم, ومحركها ايديولوجية عقيمة متوترة, وبالطبع فان خلاف المدرستين امر متوقع. قدم د. عصمت عبدالمجيد تقريرا بصفته الامين العام عن احداث العالم العربي وعلاقة الجامعة العربية بها, ووسائل التعاطي معها, ومن منظور الجامعة, وهو امر اعتيادي لا يثير الحساسيات. غير ان الامر يختلف لدى الوزير العراقي الذي يريد ان تتعاطى الجامعة العربية مع القضايا وفق المنظور العراقي, ولذلك قدم إلى الامين العام ادانة غير لائقة, لانه لم يذهب في مصطلحاته ولا في تعامله مع القضايا إلى الحد الذي يريده العراق, وهو امر لا يستطيع الامين العام الامتثال له. الجامعة العربية هي اطار لمجموعة من الدول المستقلة, تجمعها مصالح مشتركة وتربطها اسس جوهرية كشعوب تنتمي لامة واحدة, لكنها جزء من الشرعية الدولية, مرتبطة بقراراتها وعضو فعال في الاسرة الدولية تنسجم مع قواعدها, وتلتزم بمبادئها, وعنصر مؤثر في منظومة التشابك التي تجمع شعوب العالم في صيغة مريحة توفر الحوار والتشاور والعمل المشترك. وما يريده الصحاف من الجامعة هو خرق لكل هذه اللائحة من الالتزامات التي يجب الوفاء بها من قبل الجميع, فهو يريد ان تتحدى الجامعة العربية المسئوليات الدولية, وتدعو اعضاءها الى تطبيق مايريده العراق من التحدي لخرق الطيران والتصدي للولايات المتحدة, ودعوتها الى الخروج من الخليج, والدفع نحو اتهام الكويت والمملكة بالتواطؤ, والتعامل مع العراق خارج قيود الشرعية الدولية, وتجاوز الحقائق التي ادت الى العقوبات. ولهذا فإن الدكتور عصمت عبدالمجيد على حق عندما رد على الوزير الصحاف بالدعوة الى الاعتذار (لا نكم ارتكبتم الخطأ وبدأتم بالغزو وعليكم مسئولية تصحيح الوضع) كما جاء في تقارير وكالات الانباء عن الحادثة. ومع ان هذا النطق الواضح لايقبل الجدال وهو واقع دخل التاريخ, فإن الوزير العراقي الصحاف لم يعجبه حكم التاريخ ولا منطق الحقائق, لانه خريج مدرسة لا يستقيم فيها المنطق ولا يعيش فيها الحق, وانما هي مدرسة تزوير التاريخ وابتكار عالم مغاير للعالم الذي نعيش فيه, ولا يستطيع الصحاف الخروج من العالم الذي تربى عليه سياسيا, ولا يجرؤ ان يخرج عن الدور المرسوم له. ولا يمكن ان يتحرر من بيئة المناكفة والمماحكة, وبالنسبة له وللمدرسة التي ينتمي اليها تظل بيانات الامين العام للجامعة العربية خارجة عن مفاهيمه, وغير مقنعة بالنسبة له, لانها في شرعيتها تقترب من الشرعية الدولية وتتوافق معها, وهو موضوع غير مفهوم وغير مهضوم للثقافة السياسية العراقية. ولذلك فإن العزلة التي يعيش فيها الصحاف عند تواجده في اجتماعات الجامعة العربية, معبرة الى حد البلاغة, عن التضاد في الافكار والمفاهيم والاهداف. ولم يعط الصحاف قليلا من الوقت ليتصفح في مسببات هذه العزلة, ومبررات الغربة التي باتت من سمات الدبلوماسية العراقية. ولم يكلف نفسه عناء التمحيص في مسلك النظام الذي يمثله تجاه شعبه وتجاه دول الجوار, والحروب التي دخل فيها, والغزو الذي قام فيه والعنف الذي ميزه, والمسلك الذي سيطر عليه, والمآسي التي سببها للشعب العراقي النبيل, الذي نقرأ يوميا عن معاناته ونقرأ عن المشقات التي يواجهها الهاربون من الوضع التراجيدي في بغداد سواء على سواحل اوروبا او استراليا. لقد وصل الوضع المتأزم داخل العراق الى الحد الذي دفع بالسيد يوسف العلوي الوزير العماني المكلف بالشئون الخارجية, ليدعو الى عمل عربي مشترك يخفف من المحنة التي صارت واقع الشعب العراقي, وهي دعوة ندعمها ونتمنى ان ينتهي عصر المهانة الذي صار من نصيب العراق. يقول الوزير الكويتي سليمان الشاهين في رده على مقولة الصحاف بأن العراق يفجر قنابل مزمنة بين كل فترة واخرى خاصة عندما يبرز النهج البناء داخل مداولات الجامعة. قد يكون هذا الافتراض صحيحا, وقد يعود السبب الى حجم المسافة التي تباعد بين العراق وبين العالم الخارجي, بما فيه العالم العربي, وتأثير الانغماس بالشأن الداخلي والحفاظ عليه على الفكر السياسي العراقي وسلوكيات الحكم. المهم جاء الصحاف لتحسين صورة العراق في الجامعة العربية ويعزز من احتمالات القبول العربي للنظام العراقي, وجاءت النتيجة على عكس ما أراده الصحاف, لانه لم يلجأ الى أدوات المنطق وانما تعجل في الاستنجاد بوسائل المواجهة والاستفزاز, وجاء مقتنعا بأن أياديه نظيفة وعفيفة, وان سلوك نظامه رائد في التآخي والتعاضد, متصور ان الذين يستمعون اليه لم يعيشوا المآتم العراقي المستمر من أكثر من عشرين سنة بسبب تدني الوعي السياسي للنظام العراقي. بعد حادثة الجامعة العربية فقدت شخصيا الامل في احتمالات التوبة, وفقدت الامل ايضا في قدرة الصحاف على قراءة العبر من مسلسل الهزات والنكبات. بقلم: عبد الله بشارة