بعد الاعلان الفلسطيني عن موعد قيام الدولة الفلسطينية برزت مجموعة من ردود الافعال الاقليمية والدولية مابين مؤيد ومعارض لقيام الدولة الفلسطينية في 13 سبتمبر الجاري. فيما يلي ابرز هذه المواقف: اعلنت مصر على لسان رئيسها حسني مبارك انها ستعترف بالدولة الفلسطينية حال اعلانها (تحت اي ظرف) وهو ما يعني ان القاهرة ستعترف بالدولة اذا ما تم من جانب واحد ودون وجود اتفاق مع الجانب الاسرائيلي. وهددت اسرائيل باتخاذ مجموعة من الاجراءات التي تعيق قيام الدولة الفلسطينية اهمها التهديد بضم الضفة. لجأت إسرائيل إلى الضغط على عرفات من أجل تأجيل موعد إعلان الدولة الفلسطينية على اعتبار أنه سيكون من طرف واحد فقط وتشمل تلك الضغوط تهديدات بضم الأراضي وحصار السلطة الفلسطينية وعزلها عن العالم. وفي هذا السياق أعلن إيهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي في لندن(5/7/2000) أن حكومته ستتخذ من جانبها خطوات إذا ما قرر الفلسطينيون إعلان الدولة قبل انتهاء المفاوضات بينهم وبين إسرائيل مؤكداً أن هذه الخطوة هي الوسيلة الوحيدة التي تتفق مع روح الاتفاقات, وبالإضافة إلى ذلك هدد باراك بضم التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية وإقامة منطقة أمنية واسعة في وادي الأردن, وذكرت بعض المصادر أن باراك قد شكل لجنة برلمانية دفاعية ستقوم بضم أراضي الضفة المحتلة وقطاع غزة إذا ما أعلنت الدولة من جانب واحد.ولم يكتف باراك بإطلاق التهديدات وإنما بدأ نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً لحشد تأييد الدول الأوروبية والولايات المتحدة حيث استطاع انتزاع إدانة واشنطن لقرار المجلس المركزي الفلسطيني الذي صدق على قرار إعلان الدولة, كما أنه سعى لكسب تفهم رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي ترأس بلاده الاتحاد الأوروبي الآن.. حول وجهة نظر إسرائيل في تأجيل قيام الدولة الفلسطينية, كما حاول إقناع كل منهما بإثناء عرفات عن القيام بمثل هذا التصرف بصورة أحادية موضحاً أن (أي خطوة منفردة يقدم عليها الفلسطينيون ستكون انتهاكاً مباشراً للاتفاقيات الناشئة نصاً وروحاً وأنها ستلزم الجانب الإسرائيلي بالإقدام على خطوات منفردة) وفي هذا السياق جاءت تصريحات يوسي بيلين وزير العدل الذي يوصف بأنه أحد (حمائم) حزب العمل بأنه سيتم حصار الفلسطينيين وقطع صلتهم مع العالم قائلاً (إذا أعلن الفلسطينيون الدولة من جانب واحد أستطيع أن أقول من الآن أن الدولة ستبقى حبراً على ورق, كما كان عليه الحال قبل إعلان مماثل في 1988 في الجزائر) . وأوضح بيلين أنه لن يكون للفلسطينيين منفذ على العالم الخارجي ولاوضع دولي ومكانة للعبور على الضفة الغربية إلى غزة عبر الاراضي الفلسطينية ومن جهة أخرى أكد بيلين ـ مؤيداً لباراك ـ على أن مواصلة التفاوض إلى اتفاق يتيح العيش في سلام. ومن جانبه اعتبر ديفيد ليفي وزير خارجية إسرائيل أن قرار المجلس المركزي الفلسطيني بمثابة انسحاب فلسطيني من المسيرة السلمية والالتزامات الناجمة عنها وأوضح أنه مجرد تفوهات وليس قرار الفلسطينيين بالحديث عن إعلان الدولة (تدق ناقوس الخطر) مؤكداً في الوقت نفسه أن الشروط التي تضعها السلطة الفلسطينية (لا يمكن لأي حكومة إسرائيلية أن تقبل بها) ولم تقتصر التهديدات الإسرائيلية على التصريحات السياسية وإنما امتدت أيضاً لتشمل تهديدات وإجراءات عسكرية حيث سارع شاؤول موفاز رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إلى لقاء رؤساء المستوطنات اليهود في الضفة الفلسطينية ملوحاً بقدرة إسرائيل العسكرية على الرد على أي خطوة فلسطينية من شأنها تجسيد الدولة على الاراضي, واصطحب موفاز معه إلى الاجتماع قائدي (المنطقتين الوسطى والجنوبية) أي الضفة الغربية كي يؤكد للمستوطنين أن (ما حدث في لبنان لن يتكرر وأن الجيش لن يسمح بالاعتداء على السكان الإسرائيليين في يهودا والسامرا) , وفي هذا السياق نسبت بعض الدوائر الصحافية الغربية إلى أحد مسئولي الشرطة الفلسطينية قوله ان إسرائيل تعد بنشاط العدة لخوض العمليات القتالية في قطاع غزة وتوسع في الوقت ذاته المستوطنات اليهودية وفي هذا الشأن قال المسئول الفلسطيني يمكن أن ننتظر في الأشهر القليلة المقبلة اشتباكات عنيفة وحتى إراقة الدماء, وتدل على ذلك استعدادات إسرائيل التي تدخل بصورة سرية وحدات عسكرية إضافية ودبابات (مركيافا) ويجري تشييد مستوطنات جديدة وتوسيع قائمة منها, ويبدو أن إسرائيل أرادت أن تستعد لجميع الاحتمالات بما في ذلك اندلاع الانتفاضة من جديد. وذكرت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي أخرج من مخازنه (قاذفات الحصى) المحمولة فوق السيارات وذلك تحسباً لمواجهة مظاهرات انتفاضية جديدة كما قالت الصحيفة أن الجيش يجري مجموعة من سيناريوهات أخرى من بينها احتمال استخدام إسرائيل للأسلحة النارية المتوافرة مع جنود الشرطة ومقاتلي حركة فتح, وإزاء هذه التهديدات قلل عزمي بشارة العضو العربي في الكنيست من شأنها موضحاً أن تل أبيب سبق وأن هددت عدة مرات في محاولة لردع الشعب الفلسطيني عن التمسك بموقفه, ويرى آخرون أن أي تهديد بضم مناطق أو احتلال أراض محررة ليس إلا مجرد (فقاقيع) لايمكن تنفيذها على أرض الواقع ليس فقط لأن الرأي العام العالمي لن يسمح بعودة عقارب الساعة إلى الوراء ولكن (لأن الإسرائيليين أنفسهم يعلمون حجم ونوع الخسائر التي يمكن أن يتكبدوها في حالة إقدامهم على مثل هذه الخطوة) . مخاوف اسرائيل وإذا طرحنا التصريحات الرسمية جانباً فتؤكد بعض المصادر أن مخاوف إسرائيل من إعلان الدولة بصورة أحادية ينبع من علمها التام أن دولاً عديدة سوف تعترف بدولة فلسطين عند إعلانها في سبتمبر المقبل .. كما تعرف إسرائيل أيضاً أن مدينة القدس الشريفة وجميع مدن الضفة الغربية هي أراض فلسطينية تقع ضمن المناطق التي احتلتها خلال حرب يونيو 1967 وينطبق عليها قرار الأمم المتحدة 242 الذي يطالب بضرورة الانسحاب, وفي هذا السياق رأى بعض المحللين أن باراك يرفض قيام الدولة من جانب واحد حتى يستطيع أن يجعل مثل هذا الأمر في إطار صفقة سياسية.. فباراك يرى أن في موافقته على قيام دولة تحمل نوعاً من التنازل فينبغي أن يقدم الفلسطينيون تنازلاً في مقابلة, المطروح في هذا العدوان أن يقبل الفلسطينيون بضم10% من الضفة والقطاع إلى إسرائيل في المناطق التي تتركز فيها معظم المستوطنات على أن تتولى مفاوضات لاحقة حسم الحدود بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية بما في ذلك نسبة الأراضي الفلسطينية المتبقية التي تتمسك إسرائيل بعدم إعادتها للفلسطينيين ( فوق نسبة الـ10%) بدعوى مراعاة أمن إسرائيل وأمن المستوطنات, ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن باراك لا يعترض على قيام دولة فلسطينية بشرط عدم إعلانها بقرار فلسطيني منفرد, ذلك أنه حريص على أن تكون الجهة الفلسطينية التي سيكون عليها التوقيع على اتفاقات السلام الختامية جهة (مسئولة حيال الشرعية الدولية, جهة تمتلك إسرائيل مساءلتها ومحاسبتها, وهذه الصلاحيات لا تملكها منظمة التحرير الفلسطينية ولا السلطة الفلسطينية القائمة) ومما يعزز صدق هذه المقولة أن بعض الدوائر الصحافية قد أكدت أن الأروقة السياسية في إسرائيل تقول أن باراك يريد فعلاً أن يتفاوض مع الدولة القادمة لإغلاق ملف الصراع لأنه لا يريد أن يستمر في التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية حيث تبقى حركة وطنية لها سقف طموحات خاصة بها. وبناء على ما سبق سعى قادة إسرائيل بكل السبل إلى تأجيل إعلان قيام الدولة الفلسطينية من جانب واحد فتارة بالتصميم على ضرورة عقد قمة ثلاثية بين كلينتون وعرفات وباراك لإنقاذ المفاوضات وكان الأخير قد رفض التحرك في العملية السلمية إلا من خلال صفقة قرارات على مستوى القمة في حضور كلينتون ..وتارة أخرى بمحاولة استمالة الموقف الأوروبي والتأثير فيه من خلال الإشارة إلى الأضرار التي يمكن أن تنتج عن الاعتراف بدولة فلسطين والضربة التي ستوجهها للتنسيق الأوروبي الأمريكي.. وتارة ثالثة باقتراح أن يتألف الكيان الفلسطيني من خمسة كانتونات منفصلة دون أن يكون لهذا الكيان حدود خارجية, وتارة أخيرة التهديدات بضم المناطق الفلسطينية التي لا تزال تحت السيادة الإسرائيلية بل احتلال الأراضي المحررة. الموقف الأمريكي أعلنت واشنطن معارضتها إعلان الدولة الفلسطينية في الثالث عشر من سبتمبر الجاري من جانب واحد مؤكدة على أن الطرفين يعلمان أن الولايات المتحدة تعارض القيام بأعمال من طرف واحد بما في ذلك إعلان الدولة, ويشكل رفض واشنطن لقيام الدولة من طرف واحد أحد المعوقات الرئيسية لذلك حيث أن اعتراف الولايات المتحدة بالدولة إنما يشكل رادعاً أمام احتمالات الرد الإسرائيلي العنيف, وفي هذا السياق أشار البعض إلى أن الولايات المتحدة قد تربط اعترافها بهذه الدولة بالتوقيع على اتفاق سلام المرحلة النهائية وهو ما اعتبره هؤلاء ضارا جداً لأنه يخدم التوجه الإسرائيلي (دولة مقابل اتفاق سلام نهائي بدون القدس وحق العودة) , وعلى جانب آخر أكد حسن عبد الرحمن ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن أن الولايات المتحدة لن تؤيد الدولة الفلسطينية حال إعلانها من جانب واحد دون اتفاق مع الجانب الإسرائيلي وقال أنه على الرغم من أن إعلان الدولة حق طبيعي للشعب الفلسطيني إلا أن الولايات المتحدة لن تتجاوز العقدة الإسرائيلية مشيراً إلى أن نفوذ اللوبي اليهودي في الكونجرس الأمريكي ودوائر صنع واتخاذ القرار يعيق اعتراف واشنطن بالدولة الفلسطينية, وفي هذا السياق أكد البعض على أن الموعد المحدد في 13سبتمبر من حيث المبدأ أو التوقيت يسبب إحراجاً لواشنطن ولا يمكن أن يحظى فيها بمزيد من الدعم سواء من الجمهوريين أو الديمقراطيين, إنما على العكس سيكون مادة دسمة للمزايدة الانتخابية بين المرشحين على اختلاف انتماءاتهم وربما يكون المادة الوحيدة التي سيتفقون على رفضها. جاء موقف الاتحاد الأوروبي متحفظاً على إعلان الدولة في 13سبتمبر حيث أوضح جان بريتشيه ممثل الاتحاد الأوروبي أن إعلان الدولة من جانب واحد بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتفكير تجنباً لحدوث انهيار شامل في عملية السلام, ومن جهة أخرى كان باراك قد حاول إقناع بريطانيا بخطورة إعلان الدولة ويبدو أنه نجح في ذلك إلى حد كبير حيث جاء الموقف الفرنسي متردداً يميل إلى التأجيل فرغم أن فرنسا تعترف بحق الفلسطينيين في قيام دولتهم في إطار قرارات الأمم المتحدة والمبادئ التأسيسية لعملية السلام وأيضاً في إطار مواقف الاتحاد الأوروبي وخصوصاً ( إعلان برلين ) الذي صدر في مارس الماضي وأقر بحق الفلسطينيين في تحرير المصير وإنشاء الدولة , رغم ذلك كان الموقف الفرنسي ينصب على ضرورة أن يكون هناك اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين لإعلان قيام الدولة حيث ترى باريس أن وجود مثل هذا الاتفاق ( سيسهل شروط قيام دولة ذات سيادة ديمقراطية وقادرة على الاستمرار في أجواء تعاون مع دولة إسرائيل) , ويتضح الموقف الفرنسي بصورة أكبر حينما سئلت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية حول إمكانية اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية , حيث اكتفت المتحدثة بالإشارة إلى إعلان برلين الذي على أساسه جاء حق إعلان الدولة ( لن يكون موضوع أي فيتو) وسيكون الاتحاد الأوروبي مستعداً للتفكير في الاعتراف بهذه الدولة عندما يحين الوقت لذلك , وتكشف العبارة الأخيرة عن أن فرنسا والاتحاد الأوروبي ربما يتذرعان بأن الوقت ليس مناسباً لإعلان الدولة , وما يؤكد ذلك وزير خارجية الدنمارك ( أن بلاده تدعم على غرار الاتحاد الاوروبي قيام دولة فلسطينية لكنها لاتريد تحديد موعد الاعتراف بها ) وقال (لا أريد أن أقول اليوم متى ستعترف الدنمارك بدولة فلسطينية لاننى أعتقد أن الأوضاع مازالت غير واضحة) . الكويت ـ المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية