لم يشأ المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية عند سؤاله عن اجتماع الوفد البرلماني الايراني مع عدد من اعضاء الكونجرس, ان يعطي الامر اهمية كبيرة فقد قال المتحدث ريتشارد باوتشر (ان علينا الا نستخلص استنتاجات كبيرة من الاجتماع. لقد كان هناك لقاءات بين اشخاص من الجانبين وتبادلات غير رسمية. وهذا نوع آخر من هذه التبادلات. ولكن حين يأتي الحديث الى سياسة حقيقية فإننا لا نزال في انتظار الحوار الرسمي) . ولكن على الرغم من هذه التعليقات الرسمية الحذرة فإن لقاء نيويورك حظي باهتمام واسع النطاق سواء داخل الادارة الامريكية, او على صعيد الصحف ووسائل الاعلام. ويرجع السبب الرئيسي لهذا الاهتمام الى انه الاول من نوعه الذي جرى ترتيبه مسبقا بحيث يعقد علنا, وبعد الحصول على موافقة مرشد الثورة علي اكبر خامنئي. الا ان هناك جوانب اخرى كثيرة تستحق الاهتمام في هذا اللقاء المعد سلفا. فقد فضل الجانبان ـ مثلا ـ اختيار متحف المتروبوليتان الشهير في نيويورك مسرحا لهذا (التبادل) باستخدام تعبير ريتشارد باوتشر ـ وذلك لتأكيد الاطار (الثقافي) للحدث. فهناك دعوة علنية قائمة بعد بين مسئولي الحكومتين لبدء اتصالات ثقافية بين الشعبين. وحيث ان الاجتماع عقد في متحف متروبوليتان فلابد اذن من انه ثقافي, وحيث انه بين مجموعتين من اعضاء البرلمان في البلدين فلابد انه شعبي ايضا. ثم ان الوفد الايراني الذي قاده مهدي كروبي ضم سيدة ويهوديا. ويعني ذلك ان طهران ـ التي لابد توقعت ان تغطي اجهزة الاعلام الامريكية هذا اللقاء ـ اختارت ان تبني وفدها بمكونات قادرة على ارسال رسالة ذات مغزى للامريكيين. اما عضوية المرأة ـ آلهية قلاعي عضو البرلمان ـ فإنها ترد على من يقولون باضطهاد النساء في ايران. واما وجود اليهودي ـ موريس معتمد عضو البرلمان ايضا ـ فإنه يرد بدوره على الحملة التي تعرضت لها طهران بعد اعتقال 13 يهوديا واتهام 10 منهم بالتجسس لحساب اسرائيل. من جهة اخرى فإن الوفد الامريكي كان معبرا بدوره. فإضافة الى السيناتور ارلين سبيكتر ـ جمهوري ـ (بنسلفانيا) الذي يعتقد منذ بعض الوقت ان قدرة الشخص هو الاهتمام بملف العلاقات الامريكية ـ الايرانية, كان هناك عضو الكونجرس بوب ناي (جمهوري ـ آللينوي) ذلك المدرس السابق رقيق الطباع الذي يتحدث الفارسية كأهلها. ثم كان هناك ممثلا نيويورك الديمقراطيان جاري اكرمان وآليوت انجل.. ثم رئيس مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الرئيسية مايكل هويلناين. وانضمام هويلناين الى مستقبلي كروبي ووفده يحمل بدوره رسالة مبطنة. فقضية اليهود المتهمين بالتجسس في ايران ليست قضية كبيرة لكل من يعيشون خارج نيويورك. اما في نيويورك فإنها تصور باعتبارها مآساة انسانية يمكن ان تتحول مثلا الى فيلم سينمائي من افلام هوليوود, وليس باعتبارها محاكمة قانونية يتمتع فيها المتهمون بحق الدفاع. وليس باعتبارها اجراء سياديا لم تخالف فيه ايران قوانينها التي تطبق على الجميع, وليس باعتبارها قضية باتت الآن في يد القانون ولكن باعتبارها مسألة سياسية لا يجب ان تخضع لأي قانون. ولكن لماذا كل هذه الضجة حول لقاء المتروبوليتان؟ ان ثلاثة مسئولين امريكيين رسميين ـ يتواجدون ـ الآن في طهران, وفي اللحظة نفسها التي يطالع فيها قارئنا اخبار (الاجتماع الاول من نوعه) في متروبوليتان نيويورك. اثنان من هؤلاء المسئولين الثلاثة من طاقم وزارة الخارجية الامريكية والثالث من وكالة التنمية الدولية. وهم في ايران بصورة رسمية لحضور مؤتمر منظمة الغذاء والزراعة (فاو) التابعة للامم المتحدة. ولكن احدا لم يسمع مثل هذه (الفرقعة) التي صاحبت لقاء المتروبوليتان في نيويورك. وواقع الحال انها فرقعة مقصودة. فالغرض الحقيقي هو قياس ردة فعل اطراف كثيرة, بعضها داخل ايران وبعضها الآخر خارجها. حتى يحدث ذلك لابد من احاطة اللقاء بمناخ يجعله شبيها بالتماس الكهربائي. لقد كان اجتماعا معدا للاعلام لتهيئة الاذهان لفترة من التقارب بين الولايات المتحدة وايران. وواقع الحال ايضا ان هذا التقارب له ما يبرره. ان فحص المصالح الموضوعية للجانبين ـ بعيدا عن ترهات الشعارات والزعيق السياسي ـ يصل الى نتيجة واحدة: للجانبين مصلحة مشتركة في تحسين علاقاتهما, خاصة في مجال استخراج وتصنيع النفط والغاز. وقد علمتنا الايام ان المصالح المشتركة كفيلة بلي اعناق كل الشعارات والهتافات فلابد من ليلى وان طال السفر. الغريب ليس ما يحدث بل هو انه تأخر في الحدوث. ذلك ان ايران لديها الآن نسبة بطالة تصل الى 16% حسب الاحصائيات الرسمية لعام 1999, و30% حسب تقديرات يعتد بها ـ خارج ايران. وهناك 800 الف شاب يدخلون سوق العمل كل عام ليجدوا ابوابا مغلقة. ثم ان ايران لديها ايضا 96 مليار برميل من النفط الخام و26 تريليون متر مكعب (910 تريليونات قدم مكعب) من الغاز, وذلك حسب آخر رقم اعلنه وزير النفط بيجان زانجانه, المشكلة فيما هو غير موجود: الفلوس. فالنفط كثير, ولكن ليس هناك مال كاف لاستثماره في استخراج هذه الثروة وتصديرها. ويدرك الامريكيون ان امدادات الطاقة في العالم على امتداد السنوات العشر المقبلة ستتعرض لامتحان حقيقي فقد بدأ الامر بأسعار تجاوزت الـ 30 دولار للبرميل, وليس هناك بارقة امل ـ على المدى المتوسط ـ بزيادة الامدادات بصورة استراتيجية ثابتة. فالمهم ليس (القطرة) التي يتحدثون عنها, اي ليس 500 الف برميل يوميا (في مجمل استهلاك عالمي تجاوز 75 مليون برميل يوميا!), المهم هو مصادر كبيرة.. مليارات وتريليونات مثل تلك التي في ايران. الولايات المتحدة لديها الاستثمارات وليس لديها النفط, وايران لديها النفط وليس لديها الاستثمارات ولا يحتاج الامر الى عبقرية خاصة لفهم مدى امتداد هذه الارضية المشتركة, خصوصا على ضوء الوضع الاقتصادي الراهن في ايران. ولكن ـ بالمناسبة ـ لماذا لم يذكر احد ان اجتماع متروبوليتان حضره ايضا ممثلان عن شركتي نفط امريكيتين عملاقتين, هما كونوكو وشيفرون؟ صحيح انهما آثرا تجنب الحديث ولكن خدمة اعلامية صغيرة رصدت وجودها, ورصدت ايضا اعتذارهما الباسم عن الحديث. ذلك ان لب الموضوع لا يناقش امام الكاميرات واجتماع متروبوليتان نيويورك لم يكن مخصصا للب الموضوع, بل للكاميرات. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز