قلت مرة لاحد افراد المجتمع ممن عرفوا باتخاذ المواقف المتشددة ان كان ثمة حافلة او قارب يحتشدان بالركاب, وجلس بعض الناس, او وقفوا هناك على الطرف الاقصى, فإن حدثت خضة عظيمة لتلك الحافلة, أو ذاك القارب, فمن تراه سيسقط او يغرق اول الناس,؟ قال: اولئك الذين جلسوا على الاطراف. قلت له: صدقت فمن هذه الاطراف اشتقت صفة (التطرف) السائدة على الالسن هذه الايام.. فالذي يجلس على وقد لا يرى امارات ذلك الخطر الذي جاوره ولازمه, إلا في اللحظات الاخيرة, حين لا يسعفه الوقت الكافي للمراجعة والتصحيح, وهكذا يسقط في الهاوية بلا سابق انذار, لانه الف الوضع الطرفي او المتطرف ان شئت وادمن ملازمته او ربما تلذذ به وصعبت عليه من ثم مفارقته! يبدو ان حديثي ذاك قد وقع من نفس صاحبي موقعا حسنا لأني سمعته يردده بحذافيره في مجلس آخر, وفي الحقيقة فإن تلك هي خلاصة الامر: يبدو التطرف جميلا ولذيدا, وشهيا ومغريا ومثيرا في انظار اصحابه الذين هم في الغالب من الانواع التي لم تعرف بالغلو فقط, وانما بحب الظهور ايضا, فكل ما يلفت اليهم الانظار فهو سائغ ومحبب ولطيف, ولذلك تراهم احيانا لا يبالون بأن يكون موقفهم في جانب الصواب, او جانب الخطأ, المهم هو ان يكونوا في الجانب الذي يثير الاعجاب, او يدعو الى الغيظ.. وان يكونوا محط انظار الناس باستمرار وموئل اهتمامهم, ومثار حديثهم في كل مجلس, ولا بأس بعد ذلك بأن يكيل لهم الناس المدح, او يكيلوا لهم القدح, فكلتا الصفتين بعد ذلك عندهم سيان. التطرف.. والاخلاص هنا يظهر ان التطرف ليس قرين الاخلاص للمبدأ او الامعان في تمثله, او التشدد في الدفاع عنه, ولكنه الى حد كبير استغلال للمبدأ واستخدام له من اجل تضخيم الذات ونفخها, كما انه افساد للمبدأ باخراجه عند حده المأمون, الى حدود اخرى, يختلط فيها بمكونات تختلف عنه في الجوهر, وتنافيه في الحقيقة, فيشتد التوتر بين تلك المكونات, بما قد يفجر المبدأ او (يميعه) او يبهم معناه. وهذا ما يفسر ظاهرة يشهدها الناس كثيرا عند المتشددين المغالين, حيث تراهم ينتقلون بطريقة مفاجئة جدا, من طرف قصي الى طرف قصي آخر معاكس, وذلك لان المعاني لم تعد عندهم هي الشيء المهم وانما المهم هو وجودهم في الطرف القصي الذي يثير الاهتمام.. ان المعاني قد فسدت عند هؤلاء بما اضفوا عليها من ثقيل الاذواق حتى اضحت بذلك معاني ذاتية ليس لها وجود موضوعي خاص. واذا كان ذلك السياسي الفرنسي المغرور قد زعم انه هو الدولة, لا فرق بينه وبينها على الاطلاق, فإن هؤلاء بلسانهم المضمور يقولون انهم هم المبدأ ذاته او ان المبدأ لا وجود له, إلا بوجودهم هم, ولا قوام له إلا بقوامهم الخاص! مشكلة هؤلاء الذين استبطنوا الحق (او المبدأ) وزاوجوه بأنفسهم بتلك الصورة هي انهم جاروا اهواءهم منذ البدء كثيرا ولم يؤدبوا انفسهم ويهذبونها ويلزموها الحدود الصحيحة وقد صدق من قال ان في نفس كل منا (فرعون صغير) يخيل اليه انه هو الاقوى والاذكى والاجدر بالقيادة على الدوام.. هذا بينما ان الاقوى والاذكى حقيقة, والجدير حقا بالقيادة هو ذلك الذي يبادر الى تحجيم ذلك (الفرعون الصغير) , الذي هو في الحقيقة (شيطان كبير) , ويلجمه من ان يعربد بمزاجه النفسي, بتلك الصورة المريعة, التي تخيل اليه انه الحق الذي لا حق سواه! ان هؤلاء على الرغم من شذوذ مواقفهم, فإن كل واحد منهم يفترض لنفسه العصمة ولمواقفه, ولا يتقبل ادنى ملاحظة, ولا ارفق كلمة نقد ولا ألينها وذلك مع انه لا يكف عن نقد الاخرين, ولا يسكن عن تجريحهم, وتسفيه آرائهم وتسخيفها, معطيا لنفسه حق توجيههم لما فيه الصواب. وكلما اسرف في تسفيه الناس كلما ظن انه اسهم في رفعة ذاته عن مستوى سائر الناس. واذا كان الحكماء قديما قد قالوا ان نصف رأيك عند اخيك, فإن امثال هؤلاء يعتقدون ان رأيهم مكتمل على التمام, فهم ليسوا في حاجة الى نصف الرأي, ولا ربعه, ولا عشره من عند الاخرين, فهم يملكون نصفي الرأي معا: ما يفرض انهم جازوه ابتداء وما يفترض انه عند الآخرين! السيف ام العصا؟! امثال هؤلاء عندما يتحدثون اليك تحس بأنهم يتحدثون بكل اليقين والزهو والاستعلاء, وانهم ينظرون اليك والى رأيك بكل الاستخفاف والاستسخاف. وقد لا يتورع احدهم فيقول لك انه انما جاء ليعرفك بـ (الحق) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وكأنك انت على (الباطل) الذي لا يأتيه الحق من بين يديه ولامن خلفه, ويا ويلك اذا ما برهنت له انك تعرف شيئا افضل منه او اذا ما وانتك الجرأة يوما فخطأته عن حق في شيء وبرهنت له عن سوء منطقه فيه فإنك لن تنجو حينها من ثورة قد تعصف بك عصفا. ويا رحمة الله على عمر, فإنه عندما خطأته المرأة ـ وربما كانت هي على خطأ بكى وقال: كل الناس افقه منك يا عمر.. اما اصحابنا هؤلاء فيعتقدون بأنهم افقه من كل الناس, ومن عمر, ولقد التقيت, بواحد منهم يوما في الزمان الخالي, فاعترف لي بخجل وندم, بأنه كان يظن بأنه افقه من عمر وذكر لي حيثيات ظنه ذاك بأنه افقه من عمر!! وانما قلت ان المرأة ربما خطأت سيدنا عمر ـ عن خطأ ـ لأن كثيرا من الفقهاء يعتقدون بأن الاية التي استشهدت بها في جدالها لعمر هي عن طلاق الخلع, وليس عن تحديد المهر, ولكن القائد السياسي كانت عنده الجاهزية الكاملة للتراجع عن الباطل, وللانكماش امام الرأي الآخر, ان رأى انه الحق, ولذا دعا مرة مواطنيه ان رأوا فيه اعوجاجا الا يترددوا في تقويمه, فأجابه واحد منهم ممن تشربوا ثقافة المشاركة السياسية جيدا, قائلا انه ليس ساذجا ليطلب منه الحاكم ان يقومه بالقول, وانه لن يتردد لامضاء ذلك التقويم بحد السيف.. فكان موقف سجال سياسي طريف, زاد طرافته علي الطنطاوي الظريف, عندما قال عن نفسه انه شخص ضعيف, تكفي لتقويمه العصا, ولا حاجة في شأنه لحد السيف! وكان الموقفان معا موقفين مثاليين في هضم النفس, والتزام العقلانية والرشد. مثلك.. لا يهادن! ان التراجع عن الخطأ وقبول الرأي الآخر, يحتاج الى قوة نفسية كبيرة وعلى عكس ما يتصور الانسان ـ حتى بينه وبين ان تراجعه عن الخطأ, وقبوله للرأي الاخر قد يمثل نقطة ضعف, ولذا فالأفضل ألا يفعل ذلك, فإن التراجع عن الخطأ هو علامة على السلامة من عقدتين مهولتين هما عقدة استضعاف الذات, وعقدة استعلاء الذات, ودلالة على الوصول الى موقف طبيعي, في التصرف مع المتغيرات والاحداث, بعيدا عن التنطع والغلواء. تراجعت مرة عن رأيي الخاص, لصالح رأي آخر, طرح بحلقة نقاش عام, ولم اجعل الامر سرا بل اعلنته كاعتراف شاخص, وفي اليوم التالي جاءني احد اصحابي وهو جد آسف وحزين, وجابهني بفهمه للموضوع قائلا : ما كنت احسب ان شخصا مثلك يداهن قلت له: ماذا تقصد؟! قال كيف تتخلى عن رأيك لترضي فلانا او تتملقه؟! قلت له: ولكن ألا تعتقد ان رأي فلان هذا كان صحيحا.. قال: نعم, لقد كان رأيه صحيحا, ولكن مع ذلك فقد كان الاولى بك ان تتمسك برأيك وبموقفك ولا تخضع له! قلت له: اني لم اوت شىئا من تواضع اولئك (الملامتية) المخبتين, لقد كانوا لا يأتون شيئا من المعاصي ولا يقربوها ولكنهم كانوا يتظاهرون بذلك, حتى لا يثني الناس عليهم, فتحبط اعمالهم.. ذلك التصرف التطهري ربما كان من تطرف تلك (الصفوة) في الصفاء, اما انا وامثالي من العامة, فيكفينا ان نكون في غمار الناس, نقنع بآرائهم وحكمتهم ووسطيتهم وابتعد بذلك عن بريق الاطراف. قال: ربما كان رأيك هذا مصيبا, ولكنك لن تصبح زعيما ابدا بهذا الاعتدال.. قلت: اني لا اريد ان اكون زعيما, ولا احب ان اكون زعيما, وليس مهما ان اكون زعيما, ولست خليقا بأن اكون زعيما ولكن هذا لا يمنع من القول بأن الزعامة الحقة الباقية, ميزانها الذهبي الحق هو ميزان الاعتدال وان الزعامة المهتزة الخاسرة بحدودها دوما التطرف والانفعال! بقلم: د.محمد وقيع الله