فكرة اختيار نائب الرئيس الامريكي لم تعد خارج السياسة التي ترسمها الادارة السياسية في الولايات المتحدة, ففي هذا الزمن اصبح كرسي نائب الرئيس بمثابة الامل المعلق بانتظار ما تفرزه الاحداث من تطورات, خاصة ان هذا النائب يمكن ان يكون رئيسا مستقبليا سواء بالشكل المباشر اي الانتخابات او بشكل غير مباشر ودون انتخابات كأن يموت الرئيس مثلا او يستقيل او يقال ولعل هذا ما سعى اليه اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة بدعمه العالم والتي تسعى لأن تكون اكثر من ذلك من خلال عولمتها وأحادية سيطرتها. من خلال النائب قبل الحديث عن اختيار ليبرمان لابد من التعرف على منصب نائب الرئيس وما افرزه التاريخ والدستور الامريكي لهذا المنصب, فالواقع ان نائب الرئيس لا يحق له الاعتراض على اي رأي قد يتخذه الرئيس ولا يحق له ايضا ان يدلي بتصاريح عن مواقفه الشخصية وخاصة في السياسة الخارجية بل هو مطالب بأن يدافع عن الرئيس حتى وان كان الخطأ ساطعا كنور الشمس, فهو في الواقع محامي الدفاع الذي يجعل من رئيسه قديسا حتى وان كان الرئيس شيطانا وهذا ما لاحظناه اثناء ازمة الرئيس الامريكي بيل كلينتون وفضائحه الجنسية وخاصة مع المتدربة مونيكا لوينسكي فقد كان آل جور اشد حرصا من كلينتون نفسه على سيرته النسائية وفضائحه الشخصية. ولكن بالمقابل نجد ان نائب الرئيس يتولى رئاسة مجلس الشيوخ ومن حقه الادلاء بصوته اذا ما تساوت الاصوات في المجلس حول اي قرار, فصوت الترجيح هنا يكون لنائب الرئيس, اضف الى ذلك فالامريكيون يقولون: ان ما يفصل نائب الرئيس عن الرئاسة هو لحظة قد تكون بتوقف نبضة قلب, والتاريخ اثبت ذلك مرتين بنبضة قلب وثالثة بلحظة استقالة وبالطبع هذا ما بعد الحرب العالمية الثانية لأن الرؤساء الامريكيين الذين توفوا اثناء ولايتهم ثمانية واستقال احدهم. والذين رحلوا بعد الحرب هم روزفلت وناب عنه نائب الرئيس هاري ترومان في ابريل 1965 وبعد اغتيال جون كيندي في 12 نوفمبر 1963 تولى الرئاسة نائبه ليندون جونسون, وعندما استقال ريتشارد نيكسون من منصبه عام 1974 تولى الرئاسة نائبه جيرالد فورد الذي لم يتابع رئاسته في انتخابات عام 1976. ونلاحظ ايضا ان اثنين من الرؤساء انتقلا بالانتخاب الى منصب الرئيس وهما ريتشارد نيكسون الذي خسر الانتخابات عندما كان نائبا للرئيس دوايت ايزنهاور عام 1960 ولكنه تابع جاهدا ليفوز في انتخابات 1968 وكذلك فاز جورج بوش الاب بالرئاسة عام 1988 بعد ان كان نائبا للرئيس رونالد ريجان. ونرى هنا ان منصب نائب الرئيس قد يؤدي في النهاية الى الوصول الى الرئاسة وهذا الاحتمال كبير سواء أكان قدريا ام انتخابيا مما يدفع الى التفكير ان اختيار ليبرمان الذي لم يأت نتيجة حب الديمقراطيين الذين رشحوه مع آل جور بل ان القوة التي تعمل في الولايات المتحدة داخل الظلام بدأت تتزين في وضح النهار. استطلاعات صهيونية المغامرة التي قام بها آل جور باختياره جوزف ليبرمان نائبا له تحمل تناقضات غريبة قد تبدو خاسرة اذا ما فكرنا باللغة التي اعتمدها غور عندما اختار ليبرمان فقد قارن جور هذا الاختيار مع اختيار جون كنيدي عام 1960 الذي كان كاثوليكيا غير منتم الى البروتستانتية من قريب او بعيد لما كان الرؤساء السابقون وعن هذه المقارنة قال آل جور: (ان الحزب الديمقراطي كتب صفحة جديدة في تاريخ البلاد في ذلك الوقت (عندما اختير كنيدي الكاثوليكي) وبترشيحه ليبرمان نائبا للرئيس سيقوم بذلك مرة اخرى) والسؤال هنا هل يريد جور ان يسجل سبقا تاريخيا مغامرة كهذه؟ الواقع ان ليبرمان قد شهد عليه شاهد من اهله حينما قال عنه الليكودي موشيه آرينز (ان السيناتور جوزف ليبرمان صهيوني معلن وصديق عظيم لدولة اسرائيل) ولكن ألم يكن معظم رؤساء الولايات المتحدة اصدقاء عظاما لدولة اسرائيل؟ ومن هذا التساؤل تبرز ايضا افكار مختلفة الاتجاه تتركز حول السعي المستميت لآل جور كي يفوز بالانتخابات على المرشح القوي جورج بوش الابن من خلال تركيبة عجيبة حاول اليهود ان يقدموها سرا الى ان اصبح مرشحهم للرئاسة (آل جور) بدل ان يكون مرشح الحزب الديمقراطي والشعب الامريكي, فقد لاحظنا ان استطلاعات الرأي قبل ترشيح جوزيف ليبرمان وقبل مؤتمر الحزب الديمقراطي تدل على تقدم بوش الابن بفارق كبير وهذا التقدم ارى فيه صورة واضحة ليد اللوبي الصهيوني من خلال مراكز بحثه وسيطرته الاقتصادية فالمعروف ان نسبة اليهود التي تنتخب الحزب الجمهوري لا تتجاوز 20% من الناخبين اليهود وهذه النسبة تشكل المتشددين من اليهود في الولايات المتحدة وسبب اللجوء الى الجمهوريين هو اتهام الديمقراطيين بالليبرالية وهو مصطلح يعتبر الحاديا عند اليهود والمسيحيين المتشددين ولكن ظهرت استطلاعات للرأي تقول ان من بين اليهود الذين سينتخبون هناك 30% سيقدمون اصواتهم لبوش اضافة الى المسيحيين المتدينين وتابعت اللعبة الصهيونية داخل الولايات المتحدة قولها ان بعض المتدينين يؤيدون بوش ضد الحزبين الضعيفين (حزب الخضر) ومرشحه رالف نادر و(حزب الاصلاح) ومرشحه بات بيوكانن وبذلك سيخسر آل جور كل هذه الاصوات التي يمكن ان تضمنها له القوى الصهيونية داخل الولايات المتحدة. وجاء اقتراح جوزف ليبرمان كي يتابع اللوبي الصهيوني استطلاعاته ويظهر آل جور متقدما على بوش الابن ليؤيد فرضيته التي اقنع بها الديمقراطيين الذين قدموا اعجابهم بجوزيف ليبرمان حتى كلينتون (المقروص) من ليبرمان الذي شن هجوما كاسحا على الرئيس اثناء فضيحة مونيكا, التي ارى فيها لعبة صهيونية ترتبط بتصريحات ليبرمان ومن ثم ترشيحه واتساءل هل اراد ليبرمان من هجومه على كلينتون ان يظهر نفسه عفيفا شريفا صادقا ام كان هجوما لشعوره بأن العرض اليهودي قد انتهك؟! وهذان الامران مستبعدان, بل لعل تداخل خيوط اللعبة بسذاجتها يكون الاقرب من الواقع الذي رأيناه واضحا بعد ترشيح جو ليبرمان لمنصب نائب الرئيس. قوة الحلم اليهودي المقولة التي يحملها ليبرمان والشعب الامريكي ايضا هي (قوة الحلم الامريكي) ولكن هذا الشعار لم يعد يهم الشعب كثيرا بقدر ما صار شعار ليبرمان الذي ينهيه سرا (... الصهيوني او اليهودي) فالواقع ان هذا الشعار هو شعار يهودي المنشأ كان يتغنى به يهود اوروبا الشرقية في هجرتهم نحو الولايات المتحدة مطلع القرن العشرين ثم عمم في الولايات المتحدة وأخذ مده اليهودي بالتزايد في عهد رونالد ريجان والآن مع بيل كلينتون حيث بدأ اليهود يجهرون بيهوديتهم معتمدين على القانون الامريكي الذي لا يميز بين مواطنيه وانتمائهم الديني او لونهم وجنسهم ولكن في الواقع ان هذا الصراخ الذي رأيناه تحديدا بعد اختيار ليبرمان صار اغنية لليهود الذين نفضوا الغبار عن قلنسواتهم المخبأة في خزائن اموالهم ومجوهراتهم, وبذلك اصبح اي تهجم حتى وان كان انتخابيا هو تهجم على القانون الذي يمنع التميز, فالديمقراطيون يستطيعون الآن التهجم على شخص جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني بينما اي تهجم على آل جور ونائبه جو ليبرمان سيعتبره اليهود تهجما عليهم مما قد يدفعهم الى قضية او قضايا قد يفوزون بها اعتمادا على القانون الامريكي وما يساعدهم على ذلك قوة النفوذ الاقتصادي وتمتعهم بالسيطرة عليه خاصة ان الولايات المتحدة عبارة عن شركات مهيمنة على المجتمع الامريكي وهذه الشركات يسيطر عليها اليهود اي انهم يسيطرون بالنهاية على مؤسسات الدولة وهذا ما ظهر من خلال التبرعات السخية التي قدموها للحزب الديمقراطي كي يصارع في حملته الانتخابية وبالطبع بعد اختيار ليبرمان الصهيوني المعلن الذي فتح الباب واسعا لليهود كي يعلنوا صهيونيتهم بعد ان نصبوا له سلم الصعود نحو كرسي النائب الذي قد يكون رأس الرئيس. سيناريوهات كيف يتحول النائب الى رئيس؟! هناك سيناريوهات كثيرة قد تؤدي الى ان يصبح اليهودي المتصهين رئيسا للولايات المتحدة, عند ذلك سيضرب الشعب الامريكي كفا على كف بل لعله سيضرب رأسه بالحائط او انهم سيترجمون المثل العربي (جنت على نفسها براقش) ولا نستثني شعوب العالم قاطبة مما سيفعله الشعب الامريكي, وبالمقابل فإن ثقافتنا العربية ستنتشر من خلال هذا المثل مع خشيتنا ان ينسبه اليهود لهم! او يحرفه المترجمون!! ولكن السيناريوهات المحتملة قائمة على الواقع واول هذه السيناريوهات ان يموت الرئيس آل جور او يقتل بعد تسلمه السلطة (ان فاز طبعا في الانتخابات) وبذلك سيسيطر اليهود على اقوى دولة في العالم ولمدة قد تكون اربع سنوات الا يوما او حتى اكثر من ذلك وخلال الاربع سنوات من الممكن ان نرى العالم قد تغير, فسابقا (ثمانون يوما هزت العالم) اما في عصرنا عصر السرعة والتقانة فقد يتغير العالم ويهتز على انغام اليهود بأسرع من ذلك وهذا ليس ضربا في التشاؤم بقدر ما هو عدم معرفتنا بالغيب وجهلنا فيه. اما السيناريو الاكثر ايلاما فمن المحتمل ان يكون معتمدا على الدستور الامريكي وخاصة على التعديل الخامس والعشرين لعام 1967 الذي يتيح لنائب الرئيس الامريكي ان يمارس واجبات الرئيس اذا اصبح الرئىس عاجزا ومن صلاحياته ان يعين نائبا له بعد توليه الواجبات دون انتخاب والمشهد هنا ان تلعب الصهيونية لعبة قذرة كعادتها لتعلن عجز الرئيس, او لعلها قد تقدم متدربة اكثر جمالا ورشاقة وجاذبية من مونيكا لوينسكي هدية الى المكتب البيضاوي وتدعم دلائها هذه المرة ليس بالتسجيلات فقط بل بالصورة المتحركة الحية وهذا ما اكرر ربطه ايضا بهجوم ليبرمان على كلينتون اثناء فضيحته الجنسية. ولكن كل ذلك قد يكون نقمة على اليهود لا نعمة عليهم فأية محاولة لاغتيال آل جور سيتهم فيها اليهود حتما ان لم يتهم ليبرمان الذي يتمنى الموت لرئيسه ويصلي مع يهود العالم من اجل ذلك. وفي هذه الحال سيبقى ليبرمان يصلي ولكنه يتابع طموحه في السلطة وفي المنصب الذي سيفتح المجال واسعا امام اليهود لكي يتحركوا بحرية اكبر, بل لعل ليبرمان سيعمل من اجل يهود العالم وهذا من حقه ولكن سيتجاوز هذا الحق بأن يعمل جاسوسا لليهود ولاسرائيل وهذا ليس مستبعدا عن اللوبي الصهيوني الذي جنده من اجل ذلك خاصة وان نائب الرئيس اصبح مهما جدا في الولايات المتحدة ولم يعد كما كان في ايام روزفلت الذي لم يخبر نائبه هاري ترومان عن مشروع القنبلة الذرية او كما فعل جونسون حينما همش نائبه هيوبرت همفري على الرف! وفي النهاية هل تصبح الولايات المتحدة الامريكية وطنا قوميا لليهود وليكتشفوا بها حائط مبكاهم وهيكلهم اللذين سيتوقعون وجودهما تحت البيت الابيض؟! بقلم: محمد أحمد يوسف كاتب وصحفي فلسطيني مقيم بدمشق