يفتح ترشيح السيناتور اليهودي جوزيف ليبرمان نائبا للمرشح الديمقراطي آل جور باب الاسئلة بالنسبة لوضع الاقلية اليهودية في الولايات المتحدة وبالنسبة للمجتمع الامريكي نفسه من ناحية تعامله مع الاقليات, ومع اليهود بالذات فضلا عن الانعكاسات المحتملة لهذه الخطوة على المصالح العربية خصوصا قضية الصراع مع اسرائيل. هل جاء اختيار ليبرمان بناء على حسابات انتخابية بحتة ام انه يؤشر الى تعاظم دور اليهود في المجتمع الامريكي وهل سيؤذن هذا الاختيار بانتقال النفوذ اليهودي في امريكا خصوصا حيال دعم اسرائيل الى مرحلة نوعية أعلى, اي من الضغط والتأثير غير المباشر الى الحكم المؤسساتي المباشر للمجتمع الامريكي؟ ومن جهة اخرى هل يمكن ان يكون لهذه الخطوة اثر سلبي خطير على اليهود في الولايات المتحدة على المدى الابعد لجهة احتمال تصاعد وعلانية ما يسمى العداء للسامية خصوصا اذا حدث مكروه للرئيس آل جور (في حال انتخابه) حيث ستتجه اصابع الاتهام آنئذ الى اليهود الذين يريدون التخلص من الرئيس ليتولى نائبه اليهودي سدة الرئاسة؟ الأقلية اليهودية يتوزع المجتمع الامريكي من الناحية الاثنية الى عدة مجموعات رئيسية قوامها ما يطلق عليه جماعة (الواسب) (wasp) وترمز هذه الاحرف الاربعة الى اربع كلمات هي بروتستانت انجلو سكسوني ابيض, ورئيس الولايات المتحدة يجب ان يكون ضمنا متمتعا بهذه الصفات اي من البيض البروتستانت ذوي الاصل الانجلوسكسوني ولم يشذ عن هذه القاعدة سوى الرئيس الديمقراطي جون كيندي الذي انتخب عام 1960 كأول رئيس امريكي كاثوليكي. ويأتي اختيار ليبرمان كيهودي ارثوذكسي خرقا اكبر لهذه القاعدة الصامتة مما يفتح نظريا الطريق امام الاقليات الاخرى مثل المسلمين والزنوج نحو البيت الابيض علما ان الدستور الامريكي لا يضع فيتو في وجه اي موطن امريكي للترشيح الى اي منصب. يشكل اليهود نحو 3% من اجمالي الشعب الامريكي البالغ 260 مليونا, غير ان دورهم السياسي والاقتصادي يفوق بكثير نسبتهم العددية, وقد نجح اليهود على مدار العقود الماضية مستخدمين العلم والمال والاعلام في احتلال مواقع هامة في المجتمع الامريكي بفاعلياته المختلفة, وحافظوا في الوقت نفسه على تقاليدهم وثقافتهم الدينية وعلى دعمهم المطلق والفعال لاسرائيل حتى وصلوا الى تثبيت معادلة مقبولة من جانب مختلف الساسة الامريكيين جمهوريين وديمقراطيين وهي ان دعم اسرائيل والحفاظ على تفوقها في الشرق الاوسط مسألة لا تخضع للنقاش وتشكل مصلحة امريكية كبرى وأولوية لا يتقدم عليها اولوية اخرى حتى عملية السلام نفسها, كما اعلن ذلك صراحة المرشح الديمقراطي آل جور العام الماضي. يشارك اليهود بكثافة في الحياة العامة الامريكية ولهم وجود فعال في مؤسسات الحكم (البيت الابيض, وزارة الخارجية, وزارة المالية) وفي المؤسسات العلمية ووسائل الاعلام, ولديهم تنظيماتهم الخاصة التي تهتم بشئونهم وتدافع عن مصالحهم, ولديهم ايضا اقوى مجموعات الضغط في الكونجرس الامريكي وهي لجنة (ايباك) التي تقوم بدور هام في الدفاع عن المصالح الاسرائيلية في الولايات المتحدة. ولا تقتصر انشطة النخبة اليهودية على دعم اسرائيل, بل انهم منخرطون في كل اوجه الحياة الامريكية ويشاركون في صناعة القرار الامريكي بالنسبة للمجالات المختلفة الداخلية والخارجية. اختيار ليبرمان اضافة الى المكانة التي حققها اليهود خلال العقود الماضية داخل المجتمع الامريكي مما اتاح لهم التطلع الى اعلى المناصب السياسية واضاف الى ميول آل جور الصهيونية غير الخافية, وسجله الحافل بالتأييد المطلق لاسرائيل, فإن ثمة اسبابا انتخابية ربما تكون رجحت هذه الاختيار لعل منها: ـ رغبة آل جور في التخلص من موروث رئيسه بيل كلينتون على الصعيد الاخلاقي خصوصا ان آل جور كان قد دعم كلينتون في ذروة فضائحه الجنسية مما شكل عبئا على آل جور بات يرغب في التخلص منه فوجد في شخصية جوزيف ليبرمان التي تصور على انها متدينة ومتمسكة بالاخلاق العامة مخرجا مناسبا. وهذه الشخصية تداعب من جهة اخرى الوجدان الامريكي الذي يتوق للفضيلة والاخلاق خصوصا بعد ان تم تاريخيا عبر كذبات متوالية تحقيق التماهي بين الثقافة الدينية اليهودية والثقافية المسيحية على انهما ثقافة واحدة او ولدتا من رحم واحد. ـ اختيار ليبرمان يتيح لآل جور سحب البساط او على الاقل كسر تفرد المرشح الجمهوري جورج بوش بطرح قضايا مثل تطوير التعليم وزيادة الانفاق العسكري واتخاذ مواقف متشددة حيال العراق وايران, لان لليبرمان مواقف مشابهة لمواقف بوش في هذه المسائل بينما ظل جور ملتزما بمواقف ادارة كلينتون. ـ كما ان ليبرمان وهو (صهيوني معلن) حسب تعبير وزير الدفاع الاسرائيلي الاسبق موشيه آرينز يقطع الطريق على اية محاولة للتعرض لمرشحي الحزب الديمقراطي خلال الحملة الانتخابية او بعد ذلك من جانب الساسة البارزين او وسائل الاعلام تحت طائلة الاتهام بمعاداة السامية. ـ وازاء هذا التأييد المطلق لاسرائيل سواء من جانب ليبرمان أو آل جور نفسه من المحتمل ان ينجح الحزب الديمقراطي في سحب اصوات اليهود الذين يصوتون للحزب الجمهوري عادة وتقدر نسبتهم بين 20 و30%. ـ وفي اطار هذه الحسابات الانتخابية الدقيقة فإن هذه الخطوة من جانب آل جور جاءت كخيار من ليس لديه ما يخسره في ضوء التقدم الذي كانت سجلته استطلاعات الرأي لمصلحة المرشح الجمهوري, وبعد الاعلان عن اختيار ليبرمان ثم انعقاد مؤتمر الحزب الديمقراطي تمكن آل جور ليس من التساوي مع بوش بل والتفوق عليه ايضا. جوزيف ليبرمان ولد جوزيف ليبرمان عام 1942 في مدينة ستامفورد في ولاية كونتيتكت نشأ ودرس في هذه الولاية وتخرج من كلية الحقوق عام 1967. نجح عام 1970 في الفوز بعضوية مجلس الشيوخ في الولاية المذكورة وبقي في هذا المكان عشرة اعوام شغل خلال ستة منها منصب رئيس الاكثرية في مجلس الشيوخ. وتولي منصب وزير العدل في الولاية عام 1982 الى ان خاض المعركة الانتخابية لعضوية مجلس الشيوخ في الكونجرس عن الولاية نفسها عام 1988 وفاز فيها بفارق ضئيل لكنه فاز بأغلبية الثلثين بدورة عام 1994. شارك ليبرمان في مجلس الشيوخ في عضوية عدد من اللجان مثل الشئون الحكومية والقوات المسلحة والبيئة وغير ذلك. وتميز خلال ذلك بمواقفه الداخلية الوسطية والدفاع عن الاخلاق العامة رابطا بين نشاطه وقناعاته الدينية. وقال مرة ان التوراة تنظم حياته بشكل كامل. وينتمي ليبرمان الى اليهودية الارثوذكسية وهي الاقل شأنا بين المذاهب اليهودية السائدة في الولايات المتحدة وتسبقها كل من اليهودية المحافظة واليهودية الاصلاحية. والمعروف ان اليهودية المحافظة ابقت على الشكل التقليدي لليهودية وعدلت المضمون بينما الاصلاحية عدلت الشكل والمضمون معا في حين حاولت الارثوذكسية الاحتفاظ بالشكل والمضمون التقليديين لليهودية, واليهودية الارثوذكسية هي وحدها المعترف بها في اسرائيل. اظهر ليبرمان خلال سجله السياسي محاولات للموازنة بين مواطنيته الامريكية وتأييده المستمر لاسرائيل لكن اسرائيلته كانت طاغية, حاول تبريرها اخيرا بقوله ان الولايات المتحدة كلها مؤيدة لاسرائىل. يسجل له خلال الـ 12 عاما التي قضاها في الكونجرس دأبه المستمر على زيادة المساعدات الامريكية لاسرائيل وكان من بين اعضاء مجلس الشيوخ الذين نجحوا في اصدار قانون خاص بنقل السفارة الامريكية من تل أبيب الى القدس وكذلك تشريع جملة قوانين تحد من المساعدة الامريكية للسلطة الفلسطينية ومحاولاته انهاء المقاطعة العربية لاسرائيل. وكان ليبرمان وقد وصف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بالشرير لكنه عاد وعدل مواقفه ليظهره بموقف الداعم لعملية السلام في الشرق الاوسط. بلا شك, فإن اختيار اليهودي ليبرمان نائبا للرئيس الامريكي المرشح لاول مرة في التاريخ الامريكي اثار غبطة اليهود في الولايات المتحدة واسرائىل, لكنه ايقظ عند بعضهم مخاوف دفينة ان يكون هذا الاختيار خصوصا اذا استتبع بفوز آل جور برئاسة الولايات المتحدة بداية نقمة على اليهود في الولايات المتحدة وفي العالم. وقد استدعى بعض المحللين التاريخ اليهودي الحافل بالأمثلة على ان اليهود ما ان يرتقوا الى ذروة النفوذ والقوة حتى ينحدروا سريعا الى الحضيض نتيجة العداء المضمر الذي يكنه الآخرون لهم كونهم اقلية (متعالية) تمسك بمقاليد الامور. ويكفي احتمال بسيط وهو ان يصيب آل جور مكروه ما فيتولى ليبرمان من بعده حتى تتوجه اصابع الاتهام تلقائيا الى اليهود مما سيثير الرأي العام ضدهم ويردهم من جديد الى نقطة الصفر والى دورة اخرى من العزلة وحياة الغيتو وعقدة الاضطهاد التاريخي من جانب الاغيار. وهذا سيناريو ربما يبدو مستغربا او غير منسجم مع المكانة المميزة التي يتمتع بها اليهود حاليا في الولايات المتحدة لكن بعض اليهود يأخذون هذا الاحتمال محمل الجد مثل ستيف جروسمان احد الرؤساء السابقين لمنظمة (ايباك) الذي وصف ترشيح ليبرمان بأنه مجازفة كبرى. بقلم: عدنان علي صحفي سوري