في دراستها المسحية المطولة المسماة (الثقافة المدنية) Civil Culture أدرك كل من جبرائيل ألموند, وسيدني فيربا, ان أفراد المجتمع الأمريكي يصوتون في الانتخابات البرلمانية والرئاسية على خطوط الموروث الأسري, ومن ضمن ذلك الموروث يوجد خط الاسرة الديني. وهكذا يؤثر الدين تأثيرا كبيرا على اختيارات الناخب الامريكي, ربما بأكثر مما يؤثر العامل الديني على اختيارات الناخبين في اقطار اخرى توصف بأنها اكثر تدينا بكثير. وبينما تفترض نظريات الديني في السياسة, وكلما اخذ ذلك العامل في التلاشي بمجرد دخول المجتمع في مرحلة ما بعد العصر الصناعي, فإن الوضع السياسي في أمريكا يربك تلك النظرية كثيرا, ليس لأنه لا يماشيها, بل لأنه يعاكسها في معظم المنحنيات. أقلية ضئيلة توضح خريطة التعداد السكاني الامريكي, ان 63% يعتنقون المذهب البروتستانتي, وان 27% يعتنقون الكاثوليكية, هذا بينما لا تتعدى نسبة اليهود 2% من تعداد السكان. وبينما توضح الاحصاءات ان علامات التدين في المجتمع كالمواظبة على حضور الصلوات الكنسية هي في اضمحلال, الا ان تأثير العامل الديني في السياسة هو في ازدياد. فقد أفاد نحو 60% من الامريكيين ان العامل الديني يؤثر على اختياراتهم للتصويت في الانتخابات, وهي نسبة عالية جدا, تفوق نسبة تأثير العامل الديني حتى في ايطاليا, حيث أفاد 36% فقط من السكان ان الدين يؤثر في اختياراتهم الانتخابية, وهذه نسبة تتناقص اطرادا في العالم الغربي, حيثي تنخفض الى 25% في استراليا, و24% في بريطانيا, و22% في فرنسا, و17% في ألمانيا, و15% فقي في الدول الاسكندنافية. مها يكن فإن الامريكان انفعالا منهم بتراثهم الديني, يختارون على العموم خطهم الحزبي, ولذا يصوت اغالبية الكاثوليك واليهود للحزب الديمقراطي, بينما يصوت اغالبية البروتستانت للحزب الجمهوري. وهكذا يدرك اليهود انهم بسبب ضآلة تعدادهم السكاني اولا, ثم بسبب تشبث الأمريكيين بخط ديني في التصويت, فإنه لا أمل لهم في ان يؤثروا أدنى تأثير على مجريات الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية, الا فيما يتعلق بمدينة نيويورك, وبعض المدن القليلة, التي تتركز كثافتهم السكانية فيها. المشاركة السياسية (المالية) انتبه اليهود باكرا لتلك الحقيقة, ففكروا في آليات اخرى للاختيار الديمقراطي غير التصويت, فأسرعوا لتكوين صناديق المساهمة المالية للتأثير على الانتخابات. كانت البداية متواضعة جدا اذ لم يزد حجم اجمالي مالية تلك الصناديق في عام 1939 على 28 مليون دولار, ومع اختبار جدوى المساهمة المالية في الانتخابات, أخذت تلك الحصيلة تتزايد بوتائر متعالية, اذ بلغت حصيلة تلك الصناديق في 1948 نحو 200 مليون دولار, ثم وصلت في الستينيات الى نحو 300 مليون دولار, وفي التسعينيات الى نحو 800 مليون دولار. هذه الحصيلة المالية رغم تزايدها, فهي لا تزال اقل من البليون دولار, ولكن هذا المبلغ الضئيل الذي لا يكفي لشراء شركة أمريكية كبرى, اصبح كافيا لشراء الحكومة الامريكية بأكملها.. ان المرشح الرئاسي مهما بالغ في الصرف على حملته الانتخابية فإن مجمل صرفه لن يتعدى الخمسين مليون دولار, ذلك لأن الحكومة تقوم بالصرف على بعض نواحي الحملات الانتخابية, كالصرف على المؤتمر القومي للحزب مثلا, وهو قمة نشاط الحزب الانتخابي, وأكثره تبديدا للمال.. وهكذا يبقى المرشح في حاجة الى قدر محدود نسبيا من السيولة المالية, ولكنه لا يجدها, لأن أفراد الشعب العاديين, لا يميلون الى تبذير أموالهم لصالح السياسيين, فهم يكرهونهم في الصميم, ويحتقرونهم الى النهاية, ولا يحملونهم الا على محمل الشر الذي لابد منه, أو العدو الذي ما من صداقته بد, كما انهم من ناحية اخرى يظنون ان التبرع للسياسيين, هو واجب الشركات الكبرى, وانها في كل الاحوال لا تقصر في القيام بذلك الواجب, كما لا يقصر السياسيون في دفع الثمن الباهظ لها بعد الفوز! وبعد انجازه لدراسة حالة استقصائية واسعة اثبت وليام دوميو صاحب كتاب (Fat Cats and the Democrats) أن تمويل الحزب الديمقراطي في الانتخابات يتم دائما عن طريق غير شعبي, بمعنى ان تبرعات اعضاء وأنصار الحزب العاديين ليست هي التي عليها التعويل, وانما ينصب التعويل على تبرعات افراد وشركات قلائل, تأتي بمعظم ذلك التمويل, وقد لا يتعدى عدد هؤلاء المئة شخص أو شركة كبرى في كثير من الأحيان. وقد لا يصل التمويل الحقيقي للحملات الانتخابية رقما اسطوريا, بل ان المرء ليتعجب أحيانا من تواضع ذلك الرقم. وقد أحصت مجلة (واشنطن ريبورت) المعادية للوبي الصهيوني في قائمة مطولة حجم التمويل اليهودي لنحو مئة وخمسين مرشحا للكونجرس في انتخابات 1999 ـ 2000 فلم يزد المبلغ الاجمالي المدفوع لدعم هؤلاء جميعا على 634.824 دولارا, أي ما يزيد قليلا على نصف مليون دولار.. اما عندما احصت المجلة المبالغ التي دفعت لدعم المرشحين في الانتخابات البرلمانية, خلال ربع قرن تقريبا, (1976 ـ 1999) وصل المبلغ الى 33.196.400 دولار, دفع لتمويل الحملات الانتخابية لـ 1650 مرشحا للكونجرس. اعادة الانتخاب هذا التمويل رغم تواضعه, هو الذي يحسم المعارك الانتخابية في امريكا, فالنسق العام يؤكد ان المرشح الذي يصرف اكثر على حملته الانتخابية, هو الذي يفوز, وذلك طبعا مع افتراض الكفاءة السياسية في المرشح, وافتراض تمتعه بالقبول العام. ولكن المال هو الذي يرجح كفته على مرشح آخر يتمتع بنفس مستوى كفاءته ومقبوليته. بل انه ربما خاض الانتخابات مع مرشح آخر أكفأ منه, وأكثر شعبية, ولكن أقل في القدرات المالية, فيستطيع ان يكتسحه بسهولة. وهذا هو سر تركيز الميديا على تفحص الامكانيات المالية لكل مرشح, حيث تمثل تلك الامكانات عامل الترجيح فيما لو تساوت كفاءة وشعبية المرشحين, ومن هنا يتدخل اليهود ليمثلوا عامل الترجيح في أكثر الأحيان, أو للابقاء على ذلك الترجيح راجحا, في حالة الانتخابات البرلمانية, حيث تجدهم دائما في سند من يطلب اعادة انتخابه ضد أي مرشح جديد, أو أي مرشح لم يتمتع بعضوية الكونجرس من قبل. في حالة آل جور الآن, فهو في حكم صاحب المنصب الذي يطلب اعادة انتخابه, هذا فضلا عن انه يبرهن عن انه صاحب ولاء مطلق لاسرائيل, فقد وعد بأنه في ادارته المقبلة, سيواصل مساعي السلام في الشرق الاوسط, ولكن بشرط ان يظل امن اسرائيل مرعيا في كل الاحوال, وان يترك لاسرائيل وحدها ان تقرر متى يكون أمنها مرعيا, وبالتالي ان تقرر هي وحدها خطوات محادثات السلام ونتائجها.. أما عن نقل السفارة الامريكية الى القدس, فقد غير آل جور موقفه السابق والذي كان متطابقا مع موقف كلينتون, والقائل بتأجيل تلك الخطوة الى حين اكتمال محادثات السلام, هكذا عاد آل جور ليخاطب مؤتمر المنظمات اليهودية الامريكية الرئيسية قائلا: ان موقفي من هذا الموضوع تقررونه انتم, فهو الموقف المنبثق من رغباتكم انتم, لا من رغبات احد آخر.. واما رغبة اولئك المؤتمرين الكبرى, فقد حققها لهم باختياره لواحد منهم, كنائب له في منصب الرئيس. كيف حدثت المعجزة؟ وهكذا ألقى اليهود بثقلهم الانتخابي والمالي مع آل جور. وفورا حدثت المعجزة فتفوق آل جور على بوش الابن, في نتائج استطلاعات الرأي العام, التي ظل آل جور متخلفا فيها بعض عشرة درجة, بضعة عشر اسبوعا انتخابيا! أما موقف اليهود السلبي من بوش الابن, وهو الموقف المحكوم بسجل ادارة ابيه مع اليهود, فإنه ظل موقفا مدروسا, بحيث لا يصل الى مستوى العناد أو العداء, ولذلك فقد انتدبوا بعض قادتهم لتأييده ودعمه جزئيا بـ (الكلام فقط) ولذلك بادر زعيم اليهود بمدينة ديترويت المليونير ماكس فيشر بإعلان دعمه لبوش, وبذلك غطى اليهود على بعض مواقفهم الاستفزازية الأولى ضد بوش الابن, عندما دعموا ضده جون ماكين منافسه من الحزب الجمهوري, ويومها كان اليهود قد بلغوا شأوا بعيدا في استفزاز بوش الابن, حيث اسسوا تنظيما من اليهود من اعضاء الحزب الديمقراطي لدعم ماكين الجمهوري, وسموه (اعضاء ديمقراطيون لدعم ماكين) وذلك مع ان تلك الانتخابات كانت تخص اعضاء الحزب الجمهوري وحدهم. وهكذا فإذا فاز بوش الابن فسيكون لليهود بعض خطوة وموطىء قدم في ادارته, أما اذا كانت استطلاعات الرأي العام الاخيرة صحيحة, وسارت ايقاعات الحملة الانتخابية على هداها, وتولى آل جور السلطة, فسيصل يهود أمريكا الى قمة السلطة في غضون العقد الأول من هذا القرن وحينها يتمكن ليبرمان من تولي رئاسة الجمهورية في عام 2008.. ويتحكم يومها 2% من السكان في بقية السكان. بقلم: د. محمد أبو إبراهيم أستاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة