تدخل معركة الانتخابات الامريكية في اسابيعها العشرة الاخيرة, وبدأ السباق نحو البيت الابيض عده التنازلي, ومعركة رئاسة ما يوصف بالدولة العظمى الوحيدة في العالم معركة فاترة منذ بدايتها, لا قضايا مهمة ولا مجادلات فكرية ولا مجال كبير للاختيار امام الناخبين عندما يتعلق الامر بالسياسات والمبادىء وعلى حد تعبير بعض المعلقين الامريكيين (اصبحنا جميعا في الوسط لم يعد هناك يمين او يسار) وبدا هذا الخواء الايديولوجي واضحا منذ البدايات انسحب برادلي من التنافس مع آل جور, وفي اليوم نفسه اعلن ماكين انسحابه من معركته العنيفة امام جورج بوش للفوز بترشيح الحزب الجمهوري, وهكذا اختزلت المعركة التي كان مقدرا لها ان تستمر من بداية العام حتى اغسطس في اسابيع قليلة واصبح تنصيب جور وبوش في مؤتمري الحزبين الرئيسيين في اغسطس تحصيل حاصل وفوز بالتزكية على نحو لم تشهده الساحة الحزبية الامريكية منذ امد طويل. ومعارك انتخابات الرئاسة الامريكية السابقة كانت فرصة امام الناخبين للمقارنة بين خيارات جدية, كانت انتخابات 1980 مواجهة من اعنف المواجهات في التاريخ الامريكي بين كارتر الذي خانه الحظ في العديد من القضايا, وفي مقدمتها تعامله مع الثورة الايرانية, ورونالد ريجان وبرنامجه اليميني, وتكررت المواجهة العنيفة مرة اخرى بعد اربع سنوات مع والتر موندال, وفي عام 1988 كانت المواجهة بين جورج بوش ومايكل دوكاكي والمساجلات العنيفة حول قضايا الحرب الباردة والضرائب, وفي عام 1992 بعد فترة من الركود الاقتصادي استطاع كلينتون ان يلحق الهزيمة بجورج بوش رافعا راية برنامج اقتصادي يضع الاقتصاد الامريكي على مسار جديد, واعدا بإدخال نظام التأمين الصحي الشامل, وفاز كلينتون بفترة رئاسة ثانية على بوب دول الذي سعى الى كسب الاصوات ملوحا بتخفيضات كبيرة في الضرائب. ولعل من اهم القضايا التي يحتد الخلاف حولها بين بوش وآل جور هي طريقة انفاق ذلك الكنز الذهبي الموعود, الفائض الذي تحققه الميزانية الفيدرالية والذي قد يصل في العام الحالي الى 125 بليون دولار, وربما يبلغ الفائض المتراكم خلال العشر سنوات المقبلة الى ما يقرب من 2 تريليون دولار, اي حوالي ربع الناتج المحلي الاجمالي ويصر بوش على استخدام هذا الفائض في خفض الضرائب, بينما يتبنى آل جور سياسة خفض الدين العام وادخال نظام التأمين الصحي الشامل, وبينما يرفع بوش شعار (الفائض ملك دافعي الضرائب وليس ملك الحكومة) يهاجم الديمقراطيون مبدأ خفض الضرائب قائلين انه سيضع في جيب اصحاب الملايين ألف دولار اضافي كل اسبوع, بل لا ينبغي لبوش في تقديرهم ان يشغل نفسه كثيرا بمشكلة انفاق الفائض, لأنه اذا ما تولى الرئاسة لن يجد امامه مشكلة من هذا النوع, سيعود الكساد وتعود البطالة ويتحول الفائض الى عجز كما كان الحال في عهد جورج بوش الاب. واذا كانت القضايا السياسية لا تشكل جوهر الحملة الانتخابية ولب الجدال والنقاش, وبالتالي الخيارات المتاحة امام الناخبين, ماذا اذا سيكون العنصر الحاسم في هذه المنازلة على ما يوصف بأنه اهم منصب في العالم؟ من الطبيعي ان يكون للمال صوت اعلى من السياسات والمبادىء, ولم يكن من الغريب ان تحتشد الاموال الضخمة وراء المرشح الجمهوري جورج بوش, والتبرعات والمساهمات التي تكدست لتفرش الطريق امامه الى البيت الابيض بالدولارات وصلت الى رقم قياسي يكاد ان يبلغ 100 مليون دولار, وبلغ ما انفقه للفوز بترشيح الحزب 87 مليون دولار, بينما لم يتجاوز ما اجتمع من مال لدعم حملة آل جور حتى شهر يونيو الماضي 34 مليون دولار, وهذه الامكانيات المالية الضخمة التي احتشدت وراء بوش جعلت المراقبين يعتبرون في الكفة الراجحة, والعنصر الثاني في الحملة الى جانب العضلات الدولارية هو الجاذبية الشخصية والتأثير على الناخبين, وفي هذا الجانب اظهر بوش تقدما, اعتمد فيه على تجنبه للخوض في القضايا والتفاصيل التي يمكن ان تصيب السامعين بالملل, بينما ساد الانطباع عن آل جور انه لا يتقن فنون الخطابة والتأثير, واظهرت استطلاعات الرأي الى ما قبل مؤتمر الحزب الديمقراطي في لوس انجلوس تقدم بوش على نحو قد يجعل من الصعب على آل جور ان يلحق به أو يتخطاه. وعندما ألقى آل جور خطابه في مؤتمر الحزب في انجلوس تغيرت الصورة, وهاجم فيه بوش على الارضية التي لا يتقنها, السياسات التفصيلية ودقائقها, وآل جور قد يكون بعيدا عن فن الحديث الشيق وعن الامساك بتلابيب المستمعين, الا انه سياسي مخضرم, يتقن التحليل والتفصيل على نحو قد لا يثير حماسا الا انه كفيل بالاقناع, ولم يكن ذلك هو كل ما في جعبة آل جور بل ادخر مفاجأة اخرى اختيار السناتور اليهودي ليبرمان ليكون نائبا للرئيس, وإذا ما وصل الديمقراطيون الى البيت الابيض سيكون ليبرمان اول يهودي في التاريخ الامريكي يتولى هذا المنصب الرفيع, وكان اختيار آل جور له مجازفة محسوبة, قد يفقد بها اصوات بعض الذين قد يعترضون على ان يكون يهوديا نائبا للرئيس, إلا ان يضرب عصفورين بحجر او ربما عدة عصافير, اولا لابد ان تتساقط اصوات الناخبين اليهود, والذين سيجدون في وجود يهودي في البيت الابيض كسبا يفوق ما قد يعد به بوش من مساندة وتأييد للدولة اليهودية, والحزب الديمقراطي على اي حال يعتمد على تأييد اليهود ولكن اختيار ليبرمان رفيقا في المسيرة نحو البيت الابيض سيحمل الناخبين من الانصار التقليديين للحزب على الا يفكروا في تغيير الولاء, وبل قد يسلب من بوش عددا من مؤيديه, وسجل الحزب الديمقراطي في مساندة الدولة اليهودية غنى عن التفصيل, وفي مؤتمر لوس انجلوس تفاخر كلينتون بما فعله من اجل دعم اسرائيل, ومنذ انهيار محادثات كامب ديفيد لم يتوانى عن القاء اللوم على ياسر عرفات, واستخدام عبارات الكرة والملاعب ليقنع العالم ان السلام بات قاب قوسين او ادنى لا يحول بيننا وبينه الا تنازلات صغيرة من الزعيم الفلسطيني قدرا بسيطا من المرونة هو التنازل عن القدس الشرقية والتسليم برضوخها الابدي للاحتلال الاسرائيلي, وتهديد عرفات بالويل والثبور ان جرؤ على اعلان دولة فلسطينية ولو على شبر واحد من الارض دون رضا اسرائيل ومباركة الولايات المتحدة, وتبارى جور مع استاذه في اظهار الولاء واعدا بأن يداوم العمل على ان يكون لاسرائيل التفوق العسكري على جميع ما يحيط بها من دول, حتى دون ان يسمي هذه الدول بأنها الدول العربية, واختيار ليبرمان هو تأكيد وتوقيع صك الولاء, ولم يكن ذلك هو العصفور الوحيد في قرار جور, بل اراد ان يعلن على الملأ خروجه من عباءة كلينتون وتبرؤه من سجل الفضائح الاخلاقية, ولم يجد رسالة اوضح من ان يختار نائبا له واحدا من أقسى من هاجموا كلينتون ابان فضيحة مونيكا, وعباراته لا تزال محفورة في ذاكرة وسائل الاعلام الامريكية عندما وصف فعلته بأنها ليست خطأ فحسب بل جريمة اخلاقية وليبرمان له حسنات اخرى في نظر جور, فهو ومعه جور من بين عشرة اعضاء من الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ وقفوا بحزم الى جانب الرئيس بوش ابان ازمة الخليج وصوتوا الى جانب الهجوم على العراق. ولم يخطأ جور في حساباته وخرج من مؤتمر الحزب في لوس انجلوس وقد تغيرت مقاديره, وفي استطلاع للرأي اجرته النيوزويك بعد المؤتمر مباشرة لقياس حظ اربعة من المرشحين, جور وبوش وبوكنان ورالف نادر, حصل جور على 48% بينما لم يزد نصيب بوش على 38% وعندما انحصرت المقارنة بين جور وبوش احتفظ جور بالمقدمة 52% وبوش 44% وقبل المؤتمر كان التقدم من نصيب بوش بنسبة 48% مقابل 38% لجور, وخرجت التعليقات الصحفية تتحدث عما تمثله لوس انجلوس من حسن الطالع للحزب الديمقراطي, وتذكر القراء ان اخر مرشح خرج من مؤتمر للحزب في لوس انجلوس كان جون كنيدي! ولعلها تقصد من ذلك ان لوس انجلوس فأل حسن على الحزب الديمقراطي, ولا تتمنى لجور نفس مصير كنيدي وهذا التقدم في استطلاعات الرأي قد يكون تغيرا مؤقتا, وقد يخبو مع الاسابيع المقبلة ويعود بوش الى مقدمة السباق, والأمر ان جور وبوش سيتسابقان على خطب ود اسرائيل وبذل الوعود بالتأييد والدعم لتحسين فرص الفوز, وتصريحات بوش وجور تتنافس على استرضاء اللوبي الاسرائيلي ونفوذه القوي في السياسة الامريكية, والسعي الى استرضاء اللوبي الاسرائيلي لا يقتصر على المرشحين للرئاسة, بل يحرص كل من اعضاء الكونجرس ان كان من احلامه يوما التسابق نحو البيت الابيض ان يكون سجله خاليا مما يغضب الدولة الصهيونية لأنه يدرك ان حياده عن التأييد المطلق لاسرائيل سيستخدمه اللوبي الاسرائيلي دون رحمة اذا ما تعلقت عيناه يوما ما بالمنصب الكبير, واللوبي الاسرائيلي, وربما تكون هذه تسمية اكثر شمولا من عبارة لوبي يهودي, لأن اللوبي الاسرائيلي يجند كذلك بين صفوفه انصارا من غير اليهود, اللوبي الاسرائيلي لا يقتصر على اللوبي الرسمي, واعني اللجنة الامريكية الاسرائيلية للشئون العامة (AIPAC) American - lsraeli Public Affairs Committee بل يسعى اللوبي الاسرائيلي الى التأثير على السياسة الخارجية الامريكية عن طريق لوبي غير رسمي, اصوات اليهود والرأي العام الامريكي, والذي يقع تحت اكبر قدر من تأثير اجهزة الاعلام وآلياتها الجبارة. ويحرص اليهود الامريكيون على التصويت في الانتخابات سواء انتخابات الكونجرس او الرئاسة, ونسبة المشاركين في التصويت منهم تزيد على نسبة من يصوتون من اية جماعة اخرى ويبلغ تعداد اليهود في الولايات المتحدة 6 مليون نسمة, مجرد 2.3% من مجموع السكان, ويعيش 89% منهم في ولايات ذات اهمية رئيسية في الانتخابات مما يعطي لاصواتهم القدرة على ترجيح النتائج, خاصة عندما نضيف الى اصوات اليهود اصوات غير اليهود المتعاطفين مع اسرائيل نتيجة لجهود اللوبي الاسرائيلي ولوسائل الاعلام المناصرة لاسرائيل. ومن الطبيعي ان يكون اعضاء حريصين على تأييد اسرائيل, وفي الوقت الحاضر يشغل اليهود مناصب ذات نفوذ اكثر من اي وقت مضى, 11 سيناتور يهودي في مجلس الشيوخ (11%), و5% من اعضاء مجلس المندوبين بالكونجرس, كما عين كلينتون اثنين من قضاة المحكمة العليا من اليهود, واختار عددا من اليهود في مناصب وزارية, بما في ذلك ساندي بيرجر مستشار الامن الاقومي ودان جليكمان وزير الزراعة ولاننسى مادلين اولبرايت, الى جانب عشرات من اليهود في مناصب رئيسية, واليهود ممثلين على اعلى مستوى في المخابرات المركزية وفي وزارة الخارجية الامريكية, وفي مقدمتهم دنيس روس كبير المفاوضين الامريكيين في عملية السلام منذ سنوات طويلة, كما عين كلينتون اول سفير يهودي لامريكا لدى الدول الصهيونية وهو مارتن انديك. وهذا التأثير اليهودي الذي يفوق بمراحل القوة العددية لليهود الامريكيين يتناقض تناقضا حادا مع التواجد السياسي او الدور الانتخابي للعرب الامريكيين, ويقدر عدد هؤلاء بحوالي 3 مليون نسمة, ويلاحظ الباحثون ان عددا كبيرا من هؤلاء لا يظهر تعاطفا مع اللوبي العربي ويعرض عن الزج بنفسه في العمل السياسي, ولا يوجد تنظيم لهؤلاء يجعل منهم قوة انتخابية يحسب لها حساب او قادرة على ترجيح كفة مرشح او آخر, لذلك لا يوجد سبيل امام اللوبي العربي للتأثير على السياسة الامريكية سوى اثارة تعاطف الرأي العام مع القضايا العربية, وقد حاول اللوبي العربي تأييد الجماعات الامريكية التي تتعاطف مع العرب, واقامة صداقات مع الاوساط الاكاديمية وأوساط الاعمال, الا ان استطلاعات الرأي تدل باستمرار على عدم وجود تعاطف كبير مع القضايا العربية, ووفقا لهذه الاستطلاعات تراوح التعاطف مع اسرائيل منذ عام 1967 بين 32 و64 في المئة بمتوسط 46% بينما تذبذب التعاطف مع العرب بين 1% و30% بمتوسط 12% وقد زاد التعاطف مع العرب في السنوات الاخيرة زيادة طفيفة الا ان ذلك لم يكن على حساب التعاطف مع اسرائيل واللوبي العربي لم يعجز فقط عن تحسين مكانته لدى الرأي العام بل فشل في اقناع الشعب الامريكي بأن اللوبي الاسرائيلي يتحكم في السياسة الامريكية تجاه الشرق الاوسط. ويلاحظ المراقبون للساحة السياسية الامريكية ان اللوبي العربي يختلف عن اللوبي الاسرائيلي في جانبين مهمين, اولا اللوبي العربي دائما لوبي سلبي, يمارس ضغوطا سلبية, اي ضد تشريعات مناصرة لاسرائيل بدلا من ان يقوم بجهود ايجابية لاستصدار تشريعات مؤيدة للعرب, دوره اذا قاصر على ردود الافعال وليس المبادرات, والفرق الثاني ان اللوبي العربي في احوال كثيرة يعتمد على خبراء امريكيين يؤدون وظيفة تعاقدوا عليها الامر الذي يضعف تأثيرهم على الرأي العام بينما ترجع فعالية وتأثير اللوبي الاسرائىلي انه يعتمد على عضوية كبيرة وذات صوت مؤثر واعضاء يشغلون مناصب لها نفوذها وتأثيرها ودرجة عالية من المشاركة في العملية الانتخابية سواء بالتصويت او بالتمويل. والحقيقة المؤسفة التي لا نستطيع ان نتجاهلها ان جهود اللوبي الاسرائيلي خلقت نوعا من القبول للالتزام الامريكي تجاه اسرائيل واعتباره من المصالح القومية الامريكية. والامل ضعيف ان يصل اللوبي العربي في محاولته للتأثير على السياسة الامريكية في وقت قريب الى نفوذ يماثل او حتى يقترب من نفوذ اللوبي الاسرائيلي, والنوايا الطيبة وحدها لا تكفي, لابد من قاعدة عريضة ذات تأثير انتخابي فعال يعتمد عليه اللوبي العربي, ولابد من امكانيات مالية وتنظيمية تضاهي ما تحت ايدي اللوبي الاسرائيلي من امكانيات ضخمة وتسمح بالقيام بحملات اعلامية تدخل نسيج المجتمع الامريكي وتوصل الرسالة الى الناخب الامريكي وتحشد تأييده وراء القضايا العربية, ولعل الضغط الذي يمكن ممارسته على صانع القرار السياسي الامريكي في الوقت الحاضر هو ضغط الدول العربية التي تمثل العلاقات معها اهمية استراتيجية للمصالح الامريكية, اما التأثير من الداخل, على النحو الذي اتقنه اللوبي الاسرائيلي وتفوق فيه, فيحتاج الى سنوات من التنظيم والتخطيط. وقد تنقضي سنوات طويلة قبل ان يجد المرشحون للرئاسة الطريق الى البيت الابيض مفروشا بمناصرة الحقوق العربية. بقلم: محمد خليل كاتب مصري مقيم في لندن