حرب رواندا بين قبيلتي الهوتو والتوتسي في رواندا كانت اكثر احداث القرن العشرين دموية بل لعلها كانت الاسوأ في تاريخ البشرية, لانها كانت حربا طائفية غير مبررة ازهقت فيها ارواح مليون رجل وامرأة وطفل. ربما انتهت حرب الابادة الجماعية تلك نظريا منذ ست سنوات, لكن ذاكرة الذين عايشوها مازالت تختزن ابشع الذكريات ومازالت قلوبهم تنزف الما الى اليوم, انهم يحاولون فهم ماحدث, خاصة افراد قبيلة التوتسي التي قتل يجاهد هذا البلد الافريقي الفقير اليوم لتجاوز آلام الماضي والبحث عن مخرج من النفق المظلم الذي دخله منذ عام 1994. وفيما تتعثر الخطى على طريق السلام واعادة الاعمار, يبزغ امل جديد في امكان تعويض الاف الضحايا الذين حطمتهم الحرب جسديا ونفسيا, هذا الامل تحمله حركة (الفتيات المرشدات) وهي حركة اشبه بالجمعيات الكشفية. فرت من المذبحة ثيرمس ندوامونجو زعيمة الحركة واحدة من النساء اللواتي شاهدن ازواجهن وافرد اسرهن يذبحون امام اعينهن. فرت من المذبحة شأنها شأن الالاف من الروانديين الذين طوردوا لمجرد انتمائهم لقبيلة التوتسي او لرفضهم التعاون مع مرتكبي المجازر. رغم مرور هذه السنوات ترفض ندوامونجو دخول مناطق مدينة في ضواحي العاصمة كيجالي حيث قتل اقرب الناس الى قلبها وحيث تتكوم كميات هائلة من عظام الضحايا في العراء تقول بعينين لم يجف فيهما الدمع: (زيارة هذه المقابر الجماعية تنكأ جراحا نحاول نسيانها, وتزكي مشاعر تتناقض واهداف حركة الفتيات المرشدات, التي تسعى جاهدة الى غرس بذور السلام في قلوب الجميع هنا. (ثم تتساءل: (ماذا يفيدنا ايقاظ آلام تدمي قلوبنا الى اليوم) ؟ وبالمنطق ذاته تسعى الحكومة الانجولية القائمة الى وأد العداءات العرقية في مهدها وانتزاع آثار الكراهية والحقد العصبي الذي ادخل هذا البد الافريقي الصغير في دوامة مأساوية من الحروب القبلية. اسأل اي رواندي هذه الايام عن العلاقات بين الهوتو والتوتسي والتوا ( قبائل تشكل 1 في المئة من اجمالي عدد السكان) وغالبا ما تكون الاجابة واحدة: (الاهم اننا جميعا روانديون) . ربما توارت ذكريات الحرب الاهلية البشعة ظاهريا في الاحاديث اليومية وتحت ضغط المتطلبات الحياتية, لكن المقابر الجماعية والمدافن والكنائس المهجورة تظل شاهدا حيا على ما ارتكب من فظائع لم تتكشف تفاصيلها حتى يومنا هذا, عاد بعض الهدوء الطبيعي الى رواندا التي تئن تحت وطأة الفقر المدقع. وهذا بالتحديد في مقدمة التحديات التي تواجهها حركة (الفتيات المرشدات) التي برزت بين عدد من الحركات الارشادية منذ العام 1995. نشأة الجماعات وعن نشأة هذه الجماعات تقول الناشطة الاجتماعية بيلانسيل (في تلك المرحلة اي فترة الحرب الاهلية) لم تختلف حال الحركات الارشادية الاجتماعية كثيرا عن حال البلد المتردية في ظلمات الضياع والاحباط. اذ دمرت الحرب اماكن الاجتماعات وشردت زملاءنا التوتسي المعرضين لخطر مستمر. ثم ما لبثت المجازر ان تصاعدت وانفصلنا عن بعضنا البعض وانقطعت اخبار الكثيرين منا. لم يدر بخلد اي منا انه سيأتي اليوم الذي نجتمع فيها مجددا. كانت الاجتماعات الاولى لاعضاء هذا النوع من الجماعات النسائية في بدايات الحرب تعقد بهدف رئيسي واضح الا وهو العمل من اجل تحقيق السلام والمصالحة بين الاطراف المتقاتلة. لم تكن الخطوات الاولى طموحة بقدر ما كانت فعالة في توفير مناخ من الدفء والصداقة لآلاف الفتيات في انحاء القرى الرواندية عبر الاغنيات والاناشيد والصلوات, الفكرة الثابتة التي سيطرت على منظمي الحركة تمثلت في تعليم هؤلاء الفتيات من ضحايا الحرب معنى كلمة (اناهارو) اي سلام. تقول جين فرانسواز مسترجعة تلك الايام (لم يكن الامر سهلا على الاطلاق في الايام الاولى, فاغلبية القرويين التوتسي لم يكونوا قد عادوا الى قراهم بينما لم يستهو الاهالي الهوتو منظر بناتهم في زي الكشافة وهن ينشدن اغنيات السلام (الضائع عمليا). لكن ومنذ العام 1997 قادت الحركة سلسلة من حملات السلام الوطنية شاركت فيها وحدات من الناشئات والكشافة اسهمت بدور كبير في تخفيف معاناة ضحايا الحرب من المرضى نفسيا وجسديا علاوة على الايتام والمشوهين من جراء المذابح اللاانسانية. وعملت اخريات على اقناع الارامل والعجائز بالانضمام الى هذه الجمعيات الخيرية لاشاعة جو من التضامن الاجتماعي كل ما فعلناه آنذاك ان ترجمنا كلمات اغنياتنا الى افعال تقول بيلانسيل بتواضع شديد. وبينما هي تتحدث اليها, (تقترب نحو عشرون فتاة صغيرة في تنورات حمراء وقمصان بيضاء بسيطة وحول عنق كل منهن وشاح الكشافة المميز مرددات ترانيم غنائية وهن يحملن اعواد الحطب الى مركز بيومبا الصحي. المواساة ويبدو ان لدى مرشدات رواندا اليوم حملة جديدة يطلقن عليها (مواساة) تتضمن عددا متنوعا من الانشطة الاجتماعية. واحد هذه المشروعات يستهدف اقامة ورشة لتصنيع الملابس في كيجالي تعمل فيها ارامل الحرب الاهلية وايتامها او اي من ضحاياها. فيما يخصص مشروع آخر يتخذ من تلال موشا (القريبة من العاصمة كيجالي) مقرا لايواء ستين طفلا يتيما من المعوقين تم استقدامهم من مناطق الغابات النائية في زائير وتنزانيا حيث عثرت عليهم منظمات الاغاثة الدولية في ظروف بائسة يحيون حياة الحيوانات. كلوديت ذات الثمانية والعشرين ربيعا التي ترملت في احدى المجازر هي واحدة من الامهات اللاتي تبرعن بتبني هؤلاء الايتام الذين تمنعهم عاهاتهم النطقية او الجسدية من الذهاب الى المدرسة. ومثلها مثل غيرها. فان كلوديت تأكل وتنام وتقيم في الملجأ المكون من سبع بنايات صغيرة اقامتها اليونيسيف. وثمة حاجة ماسة في هذا الملجأ الى كافة انواع الضروريات من صابون وبطانيات واوراق واقلام. توضح كلوديت في كل اسبوع تزورنا وفود من فتيات الكشافة في القرى المحيطة, الاغاني التي ينشدنها والالعاب التي ينظمنها وجو المرح الذي يبعثنه في المكان يجعل منهن الاسرة الحقيقية لهؤلاء الايتام المساكين. وتضيف بيلانسيل وبضعة اطفال يتعلقون في ذراعيها (لا شيء يستطيع مداواة جراح رواندا مثل حب الآباء والامهات للاطفال ... وهو الحب الذي نفعل المستحيل لكي نعيده الى هذا البلد) . الفتيات الكشافة او المرشدات لا يكتفين بمساعدة الايتام وانما يحدوهن امل كبير في تنمية الوعي العام بحقوق المرأة في بلد تنتعش فيه حوادث الاغتصاب والعنف الموجه ضد النساء. وتؤكد زعيمات الجمعيات النسائية ان الاجيال الجديدة في رواندا لن تحاول طي صفحات التسعينيات الاليمة بدون استقاء دروس مستفادة تعينها على تحقيق مستقبل افضل .. لا تتكرر فيه مذابح وحشية على الاقل. فتقول قائدة الكشافة النسائية جين فرانسواز (التي نجت امها التوتسي من المجازر وقتل والدها من الهوتو فيها) تقول بنبرة تفاؤل واضحة (ستنتصر الرغبة العارمة لدى هؤلاء الصغار في الاستمتاع بالحياة على جراح الماضي. واذا ما استمرت قلوبهم في ترديد اغنيات السلام, سوف يتوقف نزيفها دون شك) .