لم يكن النقد الذي وجهه رئيس الحكومة المهندس علي ابو الراغب الأردني للنقابات المهنية في بلاده , و ما وصفه بتحول هذه النقابات من بيوت خبرة مهنية إلى بيوت خبرة سياسية جديدا على الحكومات الأردنية المتعاقبة , ولكن الجديد في هذا النقد انه جاء في أجواء لا يمكن وصفها بالمتوترة بين الحكومة الأردنية والفعاليات الشعبية والحزبية , فقد دأبت الحكومات الأردنية المتعاقبة على التلويح بعدم شرعية النقابات المهنية في ظل أجواء متوترة بينها و هذه النقابات تصعيدها للمواقف في بعض الملفات السياسية. ويكمن سر قوة النقابات المهنية الأردنية ليس في الشرعية التي اكتسبتها على مر السنين خصوصا في الفترة التي غابت فيها الأحزاب السياسية عن الساحة , جراء فرض الأحكام العرفية في الأردن وحسب, بل تكمن هذه القوة في اعتراف الحكومة الأردنية نفسها بدورها المهني الوطني , واستحالة ملء الفراغ الذي ستتركه هذه النقابات إذا ما غابت أو غيبت, وفي المقابل عدم تقديم أي من الحكومات المتعاقبة لأي خيارات بديلة مقنعة. وهذا يعني بالضبط أن القوة التي تمتلكها النقابات نابعة من الحكومة الأردنية نفسها , وتأسيسا على ذلك ذكر رئيس مجلس النقباء نقيب المحامين صالح العرموطي رئيس الحكومة المهندس علي أبو الراغب في اللقاء الذي جمعهما مؤخرا بالدور الذي تضطلع به النقابات في خدمة المجتمع الأردني , مشيرا إلى انها تخفف عبئا كبيرا عن مؤسسات الدولة. ويدرك حتى الرجل العادي في الشارع الأردني القوة التي تمتلكها النقابات قياسا بكافة مؤسسات المجتمع المدني ومنها الأحزاب السياسية بل إن قوة الأحزاب السياسية الأردنية على الحياة العامة في الأردن عدا الحركة الإسلامية لا تقاس , إذا ما قورنت بالنقابات المهنية . مبرر انتقادات ابو الراغب حسب قوله أن النقابات المهنية ( تشهر ) بأي رجل أعمال أردني أو مستثمر يستورد أو يورد إلى إسرائيل , وان هذا التشهير يعتبر إعاقة كبيرة لعملية الاستثمار في الأردن , وبالتالي إعاقة ما تقوم به الحكومة الأردنية من محاولة للنهوض بالاقتصاد ومعالجة مشاكله المتراكمة . وكان من المتوقع أن تواجه دعوة ابو الراغب الأخيرة لتوقف النقابات عن تمثيل أي دور سياسي في الحياة الأردنية معارضة شديدة من قبل مجلس النقباء وشريحة كبيرة من الكتاب والصحفيين , وهذا ما حصل بالفعل , بل إن الكثير من الكتاب والصحفيين اعتبروا ما تقوم به الحكومة من لقاءات وحوارات مع قيادات الأحزاب السياسية والنقابات (حمل كاذب ) لا فرق بينه والمؤتمرات الصحفية التي تعقدها الحكومة وتقدم من خلالها إجابات عن استفسارات الصحفيين في إشارة إلى أن تلك اللقاءات ما هي إلا مجرد عرض للمطالب والاعتراضات وأجوبة وردود الموقف الرسمي , وهذا كل شيء . الولادة المتعسرة التي تقوم بها حكومة المهندس لا تخلو من مخاطر إلا أن طبيبها وهو المهندس أبو الراغب هذه المرة يدرك أهمية المولود الجديد , وبالتالي هو لا يريد إخراجه مشوها بل في كامل صحته ولكن بملامح معدلة قدر المستطاع , وهذا ما يبرزه العرض المغري لهذه النقابات في سبيل تركها للعمل السياسي , وهو الاستعانة بالنقابيين في شركات ومجالس الإدارات الحكومية . وعرض التعاون هذا لا يخلو من إغراء شديد لدى شريحة كبيرة من النقابيين حيث إشراكهم في الحياة العامة والقرارات . و بالرغم من أن الرئيس لم يقل صراحة بهذا الأمر إلا انه المح إليه. العقبة التي ستواجه الرئيس ومؤيديه معا أن جزء كبيرا من النقابيين الأردنيين ما زالوا يعتبرون الجسم النقابي منبرا سياسيا أو حالة يستطيعون من خلالها ممارسة العمل السياسي , حيث أن الكثير منهم ما زال غير مقتنع بما تقدمه الأحزاب من عمل سياسي . بالإضافة إلى أن طبيعة عمل النقابات السياسي يعتبر اكثر فاعلية من عمل الأحزاب في المجال نفسه , في الوقت الحاضر, مع العلم أن معظم قيادات النقابات ذات انتماءات حزبية, إلا أن هذه القيادات نفسها تعرف أن العصا السحرية للنقابات تقوم بما لا تقوم به الأحزاب مجتمعة. عمان ـ لقمان اسكندر