اشغل باراك اوساط الرأي العام في اسرائيل باقتراحه الاعداد لدستور للدولة. وقد بدا الاقتراح, وبحق, مناورة اعلامية تهدف الى استعادة تأييد ذلك الجزء من الجمهور العلماني، الذي خسره وهو يحاول كسب ود حركة شاس بعد كل ضربة سددتها هذه الحركة لائتلافه الهش وبعد كل درس في السياسة لقنته اياه, لقد ارتبك برنامج باراك السياسي الى درجة حيرت الجمهور, فقد انتقل في استراتيجية السلام مع سوريا الى الانسحاب من لبنان مدحورا دون سلام, كما انتقل من اقتراحه قانون تجنيد تلامذة المدارس الدينية اليهودية الى (لجنة طال) التي حررتهم عمليا من الخدمة, ومن الاصلاح الاقتصادي الضريبي الذي اعلن عنه بالطبول والزمور الى تخفيض ضريبة الشراء ومعها قيمة البضائع الكهربائية الاستهلاكية دون اصلاح اقتصادي, ومن مأزق عملية المفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية الى اقتراح الدستور. وكان يتضح في كل مرة أن محاولته تبوء بالفشل نتيجة لانعدام الحساب الدقيق للقوى السياسية الفاعلة في السياسة الداخلية ولمدى تصميم الطرف العربي, في حالة عملية السلام. هكذا وصل ائتلاف باراك الى هذه (البهدلة) المعروفة, وهكذا يبدو اقتراح الدستور كأنه منفصم عن الحياة والواقع السياسي. ولكن مع ذلك اثار اقتراح الدستور كما اسلفنا ضجة قد لا يستحقها, فما سر هذه الضجة؟. واضح ان الاعلام متعطش لما يشغله في شهر اغسطس القائظ والخاوي نسبيا, ومع ذلك فان اسبابا اعمق دفعت باراك لاستخدام هذا البالون. لجنة القانون والدستور في الكنيست هي احدى اللجان الاكثر اهمية, وتبحث هذه اللجنة عادة القضايا والقوانين المتعلقة بمؤسسات الدولة وعلاقة المواطن والتنظيمات بهذه المؤسسات, كما تبحث القوانين الجنائية وقانون العقوبات, وكل ما يتعلق بالحقوق المدنية وحقوق المواطن والمحاكم وغيرها. ولكن حتى الساسة الاسرائيليين ينسون عادة ان هذه اللجنة اقيمت مع تأسيس البرلمان الاسرائيلي بهدف وضع دستور للدولة, وما لبثت ان تحولت الى لجنة برلمانية داعمة وعادية. وهذا يعني ان تاريخ قضية الدستور يبدأ مع تاريخ الدولة العبرية, وان هنالك هما قديما اسمه الدستور في اسرائيل يخاطبه باراك باقتراحه الاخير غير الجدي. مع مر الزمن سن البرلمان الاسرائيلي مجموعة قوانين تسمى قوانين اساسية ترتفع من حيث وزنها المعياري فوق القوانين العادية, بداية بالقوانين الاساسية الشكلية مثل قانون الكنيست وقانون رئيس الحكومة وقانون الحكومة على سبيل المثال لا الحصر, وتنظم هذه عمل مؤسسات الدولة, ونهاية بالقوانين الجوهرية التي تضع قيما اجتماعية وسياسية اساسية بمرتبة القانون القادر على الغاء القوانين التي تتعارض معه. في هذه الحالة تتحول المحكمة العليا الى شبه محكمة دستورية قادرة على الغاء قانون معين تسنه اغلبية لحظية او مفارقة باعتباره قانونا غير دستوري. ومن هذه القوانين قانون (حرية العمل والمهنة) , وقانون (كرامة الانسان وحريته) . وقد تحولت هذه القوانين التي تبعتها قوانين اخرى الى ما يشبه الثورة الدستورية الهادئة, ويبدأ كل من هذه القوانين الاساسية التي حولت (الحقوق الليبرالية) او (الحقوق المدنية) الى قيم دستورية فوق الكنيست بالتعبير التالي: (دولة اسرائيل هي دولة يهودية وديمقراطية) . وسوف نعود الى هذا التعبير لاحقا. المهم هنا ان الرأي المنتشر والقائل ان الدستور ضرورة للدولة الديمقراطية لا يستند الى اساس تاريخي او منطقي. فبريطانيا دولة ديمقراطية دون دستور. تستظل ديمقراطيتها بقيم سائدة ومتراكمة تنظم عملية التشريع. ومن الناحية الاخرى تحتفظ دول عديدة بدستور ديمقراطي جدا, ولكنها دول غير ديمقراطية لانها لا تلتزم بدستورها محولة حالة الطوارىء الى حالة عادية دائمة المفعول, او لان اجهزتها الامنية وانعدام الفصل بين السلطات والقيم غير الديمقراطية السائدة لدى النخبة تفرغ الدستور من اي مضمون وتحوله الى (شرشوح) . ديمقراطية الدولة العبرية غير مرتبطة بوجود دستور او غيابه, ولكن النقاش الذي ادى ويؤدي الى غياب دستور كامل ومتكامل يرتكز بالاساس على موضوعة علاقة الدين بالدولة. وقد لوحظ ابان مناقشة القوانين الاساسية ( الدستورية الجوهرية) ان الاحزاب الدينية تتحفظ وترفض التسليم برفع قيم علمانية حقوقية فوق الاغلبية اللحظية في الكنيست, والتي قد تسن قوانين تمس بحرية الانسان لدوافع دينية مثلا, فتمنع استيراد انواع معينة من اللحوم لاسباب دينية وتمس بذلك بحرية العمل والمهنة التي تحولت الى قانون, او قد تقيد الحريات المدنية الشخصية عبر الزامات دينية معينة متعلقة بالزواج والطلاق او احترام يوم السبت وغيرها. وتعتبر الاحزاب الدينية الاغلبية البرلمانية العادية المضطرة الى مسايرة هذه الاحزاب, او مسايرة مشاعر جمهور المتدينين البسطاء انها اساس النظام الديمقراطي ولا تعترف بقيم سياسية ديمقراطية فوق الاغلبية, والنص الديني هو القيمة الوحيدة التي تعترف بها هذه الاحزاب, باعتبارها اعلى واكثر اهمية من اي اغلبية والذي قد تلجأ اليه عند اللزوم لمعارضة ومقارعة قوانين الاغلبية البرلمانية التي قد تكون علمانية وقائمة على ائتلافات لا تشمل المتدينيين. وقد تحول الصراع بين الاحزاب الدينية والمحكمة العليا الى جبهة الصراع الدستورية الاساسية. فالقوانين الدستورية تخول هيئة غير منتخبة هى المحكمة العليا صلاحية الغاء قوانين هيئة منتخبة بصفتها اي المحكمة وصية على القيم الدستورية. وفي هذا الصراع تبدو الاحزاب الدينية كأنها حاملة لواء الديمقراطية الاغلبية المنتخبة ضد طغيان قوة غير منتخبة وبالتالي غير ديمقراطية هى المحكمة العليا. وغالبا ما تقع الاحزاب الدينية ( او توقع الآخرين) في هذه المغالطة التي تقصر الديمقراطية على الانتخابات وحكم الاغلبية, خاصة في الفترات التي تحوز فيها هذه الاحزاب على ثقة الاغلبية في بعض الدول او تستطيع المناورة ائتلافيا للتحكم بالاغلبية كما هو الحال في الدولة العبرية. والحقيقة ان الديمقراطية هي حكم الاغلبية, ولكنها حكم الاغلبية بموجب قيم ديمقراطية. فلو حكمت الاغلبية بحل البرلمان مثلا وتأسيس نظام حكم مطلق, او لو حكمت باجبار الناس على التزام عقيدة معينة, او لو حكمت باغلاق الصحف وتقييد حرية التعبير, فانها تصبح اغلبية غير ديمقراطية وحكمها غير ديمقراطي ـ هذا هو احد المعاني العميقة للقاء بين الديمقراطية والليبرالية. ولكي تكون اية هيئة قادرة على ان تكون وصية على القيم الدستورية الديمقراطية فيجب ان تكون معينة باجراء ديمقراطي بالطبع. ولكن من المحبذ الا تكون منتخبة لانه عند ذلك لا تلتزم تجاه هذه القيم الدستورية بمقدار التزامها بمن انتخبها وبالرغبة في اعادة انتخابها. النقاش الدائر حول الدستور في الدولة العبرية اذن هو نقاش حقيقي ولكن باراك حوله الى مناورة انتخابية. نحن والدستور من الطبيعي ان يطمح مواطن الدرجة الثانية بكل ما من شأنه ان يعزز المساواة والقيم الديمقراطية السائدة وكل ما يضعها في مرتبة ملزمة تحمي الاقلية من تجاوزات الاغلبية الصهيونية. ولكن عند مناقشة موضوع الدستور من المفيد ان نعود الى المبادىء الاساسية التي طرحناها كحركة وطنية وتيار قومي ديمقراطي في الداخل والتي تحولت او تكاد تتحول الى مبادىء عامة تمنع عملية صهينة او أسرلة الجمهور العربي في الداخل: 1ـ ان تعريف الدولة اليهودية ـ كدولة يهودية وكدولة لليهود في كافة انحاء العالم دستوريا وعمليا, اي بالممارسة, يتناقض مع مبدأ المساواة الكاملة المستند الى المواطنة المتساوية. 2ـ يجب ان يحتوي اي دستور شامل على الاعتراف بوجود جماعة قومية عربية في هذه البلاد لها حقوق جماعية ـ هذا بغض النظر عن قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة, 3ـ ان موضوع حقوق العرب كسكان اصليين في هذه البلاد لا يرتبط بالتعريف الصهيوني للواجبات باعتبارها تشمل الخدمة العسكرية او بدائل الخدمة العسكرية, وانما يرتبط بوجودهم الاصيل في هذا الوطن كاستمرار وتواصل عربي فرضت عليه الدولة العبرية فرضا. من الواضح ان الصراع الذي تفتحه هذه المبادىء يتخذ مسارا مخالفا للنقاش الدائر في المجتمع الاسرائيلي حول الدستور, ولكن هنالك نقاط تماس بين المسارين تزداد كلما ازداد الصراع بين المتدينين والعلمانيين على طبيعة بنية النظام والقيم السياسية السائدة فيه.