يرى البعض ان التاريخ لا يعيد نفسه .. والبعض الآخر يرى ان التاريخ قد يعيد نفسه ولكن على شكل مهزلة .. لا ندري هل ما يجري اليوم في ساحتنا اليمنية هو مهزلة ام هو استمرار لتاريخ لم ينقطع؟ منذ سبعين عاما واليمنيون يناضلون في سبيل الحد من سلطة الحاكم الفرد وتوسيع سلطة مؤسسات المجتمع قدموا في سبيل ذلك رتلا من الشهداء وانهارا من الدماء الزكية .. وكانوا عند فاصل تاريخي يتصورون انهم قد وصلوا واستراحوا .. واذا الوجه الذي باتو به هائمين (رمتهم بالدواهي عواقبه) . منذ السادس والعشرين من سبتمبر سنة 1962م وحتى الفتاح من سبتمبر سنة 2000 يكون اليمن بشطريه قد اصدر ما يقرب من سبعة دساتير اي بما يعادل دستورا لكل خمس سنوات. اما التعديلات التي قد يشمل بعضها اكثر من نصف الدستور فحدث ولا حرج . آخر هذه التعديلات وليس الاخير هو التعديل الذي تم بعد حرب الصراع على السلطة سنة 1994 وقد شمل حينها 65 مادة من اصل 131 مادة .. واضيف الى الدستور حينها 38 مادة جديدة والآن وبعد مرور الخمس سنوات المعتادة انزلت رئاسة الجمهورية مقترحها بتعديل 16 مادة واذا ما حسبنا المواد المعدلة والمضافة والملغاة فسنجد انه لم يبق من دستور الوحدة الذي تم الاستفتاء عليه سوى 3 مواد فقط .. وبذلك تكون اليمن قد تخلصت من آخر لمسة لاولئك الاشتراكيين الانفصاليين الذين ساهموا في صياغة هذا الدستور ووقعوا عليه وعلى وثيقة انشاء دولة الوحدة. صحيح انه لا الدستور القائم ولا الدساتير السابقة, ولا الدستور الجديد تم ويتم العمل به . لكن الانظمة السلطوية لا تريد ان يكون للناس اي حق حتى ولو كان حقا نظريا لا وجود له في الواقع العملي. منذ صدور اول دستور في اكتوبر سنة 1962 كان الهم الاساسي لواضعي هذه الدساتير او المعدلين لها هو احد امرين, اما توسيع صلاحيات الحاكم الفرد وتضييق صلاحيات المؤسسات, واما توسيع صلاحيات المؤسسات وتضييق صلاحيات الحاكم الفرد . ويتم التغيير طبقا لتغير ميزان القوى فحين يقوى نفوذ الحاكم الفرد وتضعف مقاومة المجتمع يكون التعديل لصالح الحاكم الفرد, وحين يضعف نفوذ الحاكم الفرد وتقوى مقاومة المجتمع يكون التعديل لصالح المؤسسات. التعديل الدستوري المقترح اليوم لم يخرج عن هذه القاعدة الذهبية فقد استهدف في جوهره توسيع صلاحيات رئاسة الجمهورية, والحد من صلاحية مجلس النواب, الى جانب الحد من مشاركة المجتمع في اتخاذ القرارات الهامة وذلك بالغاء الاستفتاء الشعبي عند تعديل الدستور او عند حل مجلس النواب, وسحب حق الناس في ترشيح وانتخاب رؤساء الوحدات الادارية المحلية. هناك تعديلات هامشية اخرى جاءت اما للادعاء بنمو الحس الحضاري لدى السلطة كالمادة الخاصة بالاهتمام بالبيئة واما لارضاء جهات خارجية كتحرير التجارة والاستثمار من اي قيود, وارضاء البنك الدولي بتسهيل مهمة السلطة في فرض الرسوم دون الحاجة الى قانون وحتى تتمكن هذه السلطة من فرض رسوم على التعليم والصحة, ورفع رسوم الخدمات الاخرى متى ارادت وعلى حساب الفقراء وذوي الدخل المحدود اما مراكز القوى فهي تأخذ ولا تدفع. التعديلات الجوهرية التي يمكن ان نضيفها الى القاعدة الذهبية ونعتبرها حلقة من حلقات الصراع بين سلطة الحاكم الفرد وسلطة المؤسسات هي التعديلات التالية: 1ـ الغاء تعقيدات اجراءات التعديل للدستور وذلك بالغاء الاستفتاء الشعبي, وبذلك تسهل مهمة القوى المهيمنة في تعديل الدستور متى ارادت, ولعله ارضاء للتجمع اليمني للاصلاح وثمن لموافقته وسكوته استثنت المادة المعدلة له الباب الاول والثاني من الدستور والذي لا بد من الاستفتاء الشعبي عند تعديل مادة من مواده .. ولا اعتقد ان التجمع اليمني للاصلاح بهذه السذاجة التي تنطلي عليه هذه اللعبة ولكنه قبل بذلك حفظا لماء الوجه على الاقل اما كوادره وفي اعماقه يردد المثل السائر: (يد لاتستطيع كسرها عليك ان تقبلها) والا فهذه المادة نفسها تدخل في الابواب القابلة للتعديل. اضافة الى ذلك فان الابواب الاخرى هي التي عليها العين لانها هي التي تمس الاختصاصات والصلاحيات لكل مؤسسات الدولة كما انها هي الابواب التي تتعلق بحريات المواطن واحترام حقوقه وصون كرامته. 2ـ الغاء تعقيدات اجراءات حل مجلس النواب بالغاء ضرورة الاستفتاء الشعبي على الغائه وبذلك يصبح مجلس النواب مرتهنا بقرار رئيس الجمهورية يحله متى اراد. 3ـ انشاء مجلس شورى من (111) عضوا جميعهم يعينهم رئيس الجمهورية .. اعطى مجلس الشورى صلاحيات دستورية هامة مشاركا فيها مجلس النواب من ذلك: اقرار الخطط التنموية , المشاركة في التصديق على التشريعات والمعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بالدفاع او التحالف او الصلح او السلم او تعديل الحدود .. كما اعطى حق مشاركة مجلس النواب في تزكية المرشح لرئاسة الجمهورية .. وخففت النسبة المطلوبة للتزكية من 10% الى 5% وهذا التخفيض لا يعني شيئا لان مجلس النواب قد اضيف اليه 111 عضوا هم اعضاء مجلس الشورى وبالتالي لم يزد التخفيض على 10 اعضاء فقط. وما نسيه المشرع للسلطة هو مشاركة مجلس الشورى في انتخاب اعضاء اللجنة العليا للانتخابات واعتقد انهم سوف يتداركون هذا الخطأ يوما ما. بهذا التعديل وبهذه الصلاحيات لمجلس الشورى يكون رئيس الجمهورية قد ضمن ثلث اعضاء مجلس النواب وبصفة مستمرة فهو الذي اعطى الحق في تعيينهم اعضاء في مجلس الشورى وقد حذف من المادة السابقة الخاصة بالمجلس الاستشاري الاشارة الى تعيينهم من المناطق المختلفة وبذلك يملك الرئيس حرية اكبر في الاختيار ودون قيود. 4ـ اضافت التعديلات كلمة (تعيين) الى المادة الخاصة بترشيح وانتخاب واختيار رؤساء الوحدات الادارية المحلية وبذلك يستكمل الحاكم الفرد الهيمنة على كل سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية بحكم انه رئيس المجلس الاعلى للقضاء او السلطة المحلية بفضل حقه في تعيين رؤساء وحداتها وكأننا (يا بدر لاسرنا ولا جينا) . 5ـ آخر التعديلات المهمة اضافة سنتين الى مدة مجلس النواب ليكون ستة اعوام بدلا عن اربعة, ويستتبع ذلك بالطبع ان تكون مدة رئيس الجمهورية سبع سنوات بدلا عن خمس سنوات. واذا ما سرى التمديد على المجلس الحالي فانه يعني استبعاد كل القوى السياسية التي لم تدخل البرلمان وعلى رأسها الحزب الاشتراكي الذي قرر دخول الانتخابات هذه المرة .. وعلى يد هذا المجلس المطواع يمكن خلال السنتين ان تجري من التعديلات ما فات على علماء السلطة ومستشاريها القانونيين. التعديلات جاءت لتقص اجنحة مجلس النواب وتضعف من قوته الدستورية وتجعل مصيره مرهونا بقرار من الحاكم الفرد .. والاكثر اذلالا ان يتم ذلك على ايدي اعضاء مجلس النواب والسعداء بتمديد مدتهم سنتين ليقضوا اياما ويقبضوا راتبا. مع ان ذلك لن يتم لهم, فالمستفيد من التمديد هم القادمون ومهمتهم ستنتهي بالتعديل. قصة تروى منذ الثلاثينيات في مسلسل لم تنته حلقاته رحم الله محمد محمود الزبيري كم كان صادقا في قوله: