توقعت دراسة اردنية اعدتها دائرة حكومية ان يلج التقارب السوري العراقي المتنامي فضاءات واسعة خلال المرحلة المقبلة. ورصدت الدراسة التي حصل (بيان الاربعاء) على نسخة منها دوافع التقارب السوري العراقي في اطار الظروف الجيبوليتكية والتقاطعات الدولية، في المنطقة وحذرت من ان تذهب دمشق وبغداد الى تشكيل محور على حساب دول عربية اخرى كما حذرت الدراسة من ان يكون هذا التقارب ممارسة تكتيكية عابرة. واوضحت الدراسة الاردنية ان هناك قوى اقليمية ودولية تمنع جاهدة تطور العلاقات بين دمشق وبغداد لكن سوريا نجحت في المرحلة الاخيرة من ادارة علاقات مع بغداد في براعة دبلوماسية لم تثر احقاد جهات اخرى لا يرضيها التوجه السوري شرقا. وابانت الدراسة الاردنية ابعاد المصالح التبادلية بين سوريا والعراق .. وفيما يلي نص الدراسة : ان الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد قدم جوابا لسؤال وجه اليه حول اوجه الشبه بينه وبين الرئيس العراقي صدام حسين, قائلا: اما حول اوجه الشبه فلا توجد, واما اوجه الاختلاف فهي في كل شيء. هذا التوصيف الذي اطلقه الاسد الراحل يعكس الى حد كبير طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين الرئيسين ولعقود طويلة, ويرى عدد من المحللين ان اسباب الخلاف تعود الى قضايا عقائدية تتعلق بالمضمون الفكري الحاكم لكلا البلدين الجارين, وان الخلاف ولد مع ولادة النظامين في بغداد ودمشق وكان يتمحور حول من يمتلك الشرعية الحزبية, والبعض الآخر يرى ان هناك موقفا دوليا يدعم استمرار هذا الخلاف ويعمل على منع حدوث اي تقارب من شأنه ان يترتب عليه حدوث تغييرات في اوضاع المنطقة من شأنها ان تعرض مصالح هذه القوى للخطر, فيما يرى قسم ثلاث ان العلاقة العدائية بين البلدين ماهي الا امتداد طبيعي للعلاقة التاريخية العدائية بين عاصمة الامويين وعاصمة العباسيين. غير اننا اصبحنا نلمس في الآونة الاخيرة نشوء نهج سياسي جديد بين البلدين قائم على اساس تجاوز العداءات القديمة وتقريب وجهات النظر, ولا ادل على هذا التقارب الذي تجاوز في سنواته الخمس الماضية كثيرا من التحفظات التي كانت تعترض حتى مجرد التنسيق في ابسط صوره من مشاهدة الزيارات المتبادلة لكبار المسئولين من كلا البلدين, اضافة الى تزايد التبادل التجاري وفتح المعابر الحدودية وتصريحات مسئولين من كلا الجانبين وهي ظاهرة تدل بمجملها على ان الفترة المقبلة ستشهد نموا متزايدا للعلاقات الدبلوماسية والتجارية بين البلدين, وبدا واضحا لجميع المراقبين ان الرئيس السوري الدكتور بشار الاسد يعمل على تأسيس علاقات جديدة لدولته مع كافة الدول العربية وتحديدا دول الجوار ومن ضمنها العراق. وادرك الطرفان ان العصر الذي نعيش فيه والتحديات المشتركة التي تواجهنا تحتم على الجميع تجاوز الخلافات المحدودة والعمل بجد على تعزيز المصالح وتلبية الحاجات المشتركة. الموقف الدولي تضمنت محاضرة لوزير الخارجية السوري فاروق الشرع, في احدى فقراتها توصيفا يعكس وجهة النظر السورية الرسمية من موضوع العلاقة الخارجية التي تربط سوريا بجيرانها ومن ضمنها العراق, ومما جاء في المحاضرة وزاد الامر سوءا ان سوريا ـ بعد تقسيمها ـ منعت ان تقيم علاقات طيبة وطبيعية مع جيرانها .. فالعراق ابعد عن سوريا باساليب وضغوط شتى, واصبح مجرد التفكير بالوحدة بين العراق وسوريا امرا مستحيلا, واصبح جل ما نطمح اليه ان تكون العلاقة بين البلدين الجارين عادية وطبيعية. الملاحظ ان الشرع لجأ الى توصيف العلاقة السورية ـ العراقية بخطاب دبلوماسي دلل من خلاله على القوى التي عمدت الى التفريق بين البلدين وذلك من خلال استخدامه صيغا لغوية مبنية للمجهول, غير ان هذا المجهول معلوم بالضرورة لدى الخطابين السياسي والاعلامي في العراق وسوريا على حد سواء, فالطرفان يرجعان اسباب حالة التوتر والعداء بين البلدين, اضافة الى الوضع المتدهور الذي تشهده المنطقة بكاملها الى المثلث: الامريكي, الاسرائيلي, التركي, فهذه الدول تعمل جاهدة لمنع اي تقارب او لقاء بين سوريا والعراق خوفا من حدوث تغييرات جذرية في اوضاع المنطقة تعرض مصالح هذه القوى للخطر. فالولايات المتحدة الامريكية ترى في نشوء تحالف وتقارب بين البلدين من شأنه ان يعرض مصالحها الحيوية في المنطقة ولاسيما المصالح النفطية للخطر, وقد تناولت الصحف العربية في عام 1998 عددا من التصريحات الصحافية لمصادر دبلوماسية عربية في القاهرة, وتم الكشف من خلالها عن طلب امريكي وجهته واشنطن الى دمشق بالعدول عن خطوات تنشيط العلاقات بين دمشق وبغداد والتي من شأنها ان تحدث ثغرة في الحصار المفروض على العراق. اما تركيا فهي تتطلع لان تلعب بالاضافة الى اسرائيل, دور القوة الاقليمية الاساسية في المنطقة, كما وتتطلع الى مشاريع التنمية المستقبلية في سوريا والعراق من خلال درجة التحكم في كمية المياه العابرة الى هذين البلدين. وفي السنوات الخمس الماضية برزت بشكل واضح مظاهر تعاون عديدة بين تركيا واسرائيل خاصة تلك المتعلقة بالتعاون في المجال العسكري, وهو تعاون مدعوم من الولايات المتحدة الامريكية التي ترى في مثل هذا التحالف ضرورة للاستقرار الاقليمي لمواجهة قوى من شأنها ان تحالفت ان تشكل تهديدا لمصالحها في المنطقة. ومن مظاهر التقارب بين سوريا والعراق والتي تلقي بظلال عدم الارتياح والانزعاج على القوى الثلاث, اعادة تشغيل خط كركوك ـ بانياس الذي وقعت دمشق وبغداد مذكرة تفاهم بصدد اعادة تشغيله في مطلع يوليو 1998, ويعني اعادة تشغيل هذا الخط من جملة ما يعنيه, انه يؤثر وبشكل حاد على مستوى صادرات نفط العراق عبر تركيا, وبالتالي يحرم الاخيرة من المزايا المالية فضلا عن الاستراتيجية التي تتحقق لها الآن بفضل مرور هذا الخط باراضيها, يأتي هذا التحول في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة الى دعم الاقتصاد التركي وتعزيز نفوذ انقرة الاقليمي, لذا قامت واشنطن بحملة مكثفة بهدف اقناع دول بحر قزوين النفطية بتصدير نفطها عبر مرفأ جيهان التركي بدلا من المرافىء الايرانية, وبالفعل فقد نجحت تركيا في عقد اجتماع في اسطنبول في شهر مارس 1998 تقرر فيه الموافقة على خط الانابيب المدعوم من واشنطن, لذا فان الولايات المتحدة حريصة على الزام العراق وكذلك دول بحر قزوين على ان تصدر نفطها عبر الاراضي التركية. وكما هي واشنطن حريصة على دعم وتعزيز المكاسب التي تتحقق لتركيا فانها كذلك حريصة على تحقيق ذات المكاسب لاسرائيل, كذلك ان الادارة الامريكية حريصة على ان تكون انفراجات المشاريع الاقتصادية الهامة حصيلة علاقة الدول العربية باسرائيل وليس نتيجة علاقتها ببعضها, وقد اشار الى ذلك بوضوح التقرير الذي نشره معهد واشنطن لدراسة الشرق الادنى بعنوان (بناء الامن والسلام في الشرق الاوسط) والذي حذر من النتائج الاقتصادية السياسية نتيجة نمو العلاقات الاقتصادية العراقية ـ الاردنية, واشار التقرير الى ان تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين من شأنه ان يعيق عملية السلام, وما ينطبق على العراق في علاقته الاقتصادية مع الاردن, ينطبق بالضرورة على علاقته بسوريا. الحاجة الى التقارب ارتفعت وتيرة التقارب بين بغداد ودمشق في النصف الثاني من العقد الماضي, وتحديدا في عام 1996 لتبدأ بالظهور منذ ذلك التاريخ والى الآن ملامح عديدة تدل على تنامي التقارب بين العاصمتين في مختلف المجالات. والامر الذي تجدر الاشارة اليه هنا انه من التبسيط القول ان التعاون بين البلدين يخضع فقط لمبدأ الحاجة او المصلحة او انه نتاج اوحد لهذه الحاجات, ذلك ان العلاقة بين البلدين لم تكن خارج نطاق دائرة التوازنات الاساسية في المنطقة. وسوريا من خلال انفتاحها على القوى الدولية, وتحديدا الولايات المتحدة الامريكية انما تسعى بذلك الى جلب انتباه هذه القوى, خاصة ان التحرك السوري في المقاربة مع العراق يقع ضمن الهامش المتاح لقرارات مجلس الامن التي تسمح بالتبادل التجاري مع العراق, خاصة وان دولا مثل: الاردن, الامارات العربية, ايران, تركيا, تقيم علاقات تجارية مع العراق, وبالاضافة الى قضية جلب الانتباه الغربي للدور السوري بشكل اكبر, فان سوريا حريصة كل الحرص ان لا يتعارض انفتاحها على العراق مع توجه سياستها الحالية في الانفتاح على العالم الغربي, لتظهر هنا مدى البراعة في الدبلوماسية السورية بين المواءمة في انفتاحها باتجاهين متعارضين, وبما يتفق مع ثوابتها السياسية ومصالحها لدى الطرفين. وفي السنوات الخمس الماضية, ادلى عدد من المسئولين السوريين بتصريحات صحفية عكسوا من خلالها موقفا جديدا للحزب الحاكم ولبعض المؤسسات المدنية السورية تجاه موضوع التقارب مع العراق, ومن ابرز الشخصيات السورية التي عبرت عن هذا الموقف بشكل اساسي نائب رئيس الجمهورية عبدالحليم خدام, الذي دعا الى تطوير العلاقات مع العراق على قاعدة (العمق الجغرافي) و (الوحدة الايديولوجية) , واعتبر ان مواصلة الضغط على النظام العراقي يعني احد امرين: اما عودته الى المنطقة عبر التطبيع مع اسرائيل على حساب سوريا والموقف القومي العربي او تقسيمه على اساس ديني قومي, ولكلا الامرين او لاحدهما انعكاساته الخطيرة على سوريا كما واشار نائب الرئيس الى ان الخلافات السورية العراقية قائمة منذ زمن طويل وان (العلاقات بين دمشق وبغداد في صعود وهبوط, وكنا في كل الظروف لم ننظر الى العراق من جهة نظر قطرية, وان هناك استراتيجية من وراء الحصار المفروض على العراق اهمها ربط العراق بتركيا لتكون تركيا هي نافذته الوحيدة) . وعودة لمبدأ الحاجة في التقارب, فيبدو ان هناك جملة من الدوافع جعلت من عملية الانفتاح بين البلدين تصبح تبادلية, فكما ان للعراق حاجاته ودوافعه للتقارب مع سوريا, فان للاخيرة حاجاتها ودوافعها للانفتاح شرقا, ومع الزمن سيتعمق حجم هذا التقارب كلما تعمقت الحاجة اليه, فالعراق الواقع تحت الحصار زهاء عشر سنين يتطلع الى جيرانه حتى يساهموا في اخراجه من مأزقه السياسي والاقتصادي, وكما مارس الاردن دورا مهما في هذا الشأن طيلة الفترة الماضية, فان العراق يتطلع كذلك الى سوريا حتى تساهم هي الاخرى بهذا الدور, خاصة وان سوريا تملك مفاتيح هامة لاعادة تأهيل العراق في الاقليم وتحديدا مع ايران وعدد من دول الخليج العربي. ومن خلال رؤية للجغرافيا السياسية فان اي تقارب بين البلدين من شأنه المساهمة في اخراج العراق من حصاره المفروض, كما وتتطلع بغداد كذلك الى توفير منافذ تصدير وايرادات جديدة, وخلق بدائل وطرق جديدة, واستخدام هذه البدائل كورقة ضغط من جانبها كلما اقتضت الحاجة ونشير هنا تحديدا الى المنافذ المتعلقة بتصدير النفط عبر الاراضي التركية, وحصر عملية التصدير بكاملها او بالجزء الاغلب منها بالمنافذ السورية, الامر الذي يجعل من المنافذ السورية ورقة بغداد الاقتصادية في التعامل مع تركيا. وقد تم الكشف مؤخرا عن المساعي السياسية التي تبذلها بغداد مع الحكومة السورية للسماح للنفط العراقي بالتصدير عبر ميناء بانياس على البحر المتوسط واعادة تشغيل خط كركوك ـ بانياس الذي توقف عن العمل منذ اكثر من 18 عاما. وفي يوليو 1998 وقع البلدان اتفاقية لاعادة تشغيل الخط بعد ان ينهي خبراء من البلدين خططا لاعادة تأهيل الخط من جديد. وقالت وزارة الخارجية العراقية في دراسة رسمية لها ان اعادة تشغيل الخط سيضمن تخفيفا للضغط التركي على العراق, مما سيضطر انقرة لاعادة موقفها من بغداد, كما ان فائدة اقتصادية سيجنيها البلدان سوريا والعراق من هذا التعاون وسيحقق اعادة تشغيل انبوب النفط ربحا سنويا لسوريا مقداره 200 ـ 250 مليون دولار, فضلا عن توفير فرص عمل للسوريين. ومن الفوائد التي سيجنيها العراق نتيجة انفتاحه على سوريا, تحييد اهم مركز للمعارضة العراقية, ذلك ان سوريا هي الحاضنة التاريخية للمعارضة العراقية, وتحييد هذا المركز من شأنه ان يتيح للنظام العراقي الحركة بحرية اكبر. ذلك ان الخلاف السوري العراقي اخذ في السابق اشكالا وصورا عديدة, كان من ضمنها تشجيع السوريين للمعارضة العراقية بكل اشكالها وتوجهاتها السياسية ولم يمنع وجود مشكلة للاكراد داخل سوريا اضافة للصراع بين الدولة والاخوان المسلمين, من استقبال معظم اطراف الحركة الاسلامية العراقية سواء أكانت سنية او شيعية, اضافة الى توفير الحماية والامكانيات لجميع التنظيمات الكردية العراقية. وفي المقابل شجع العراق المعارضة السورية, وقدم لها كل اوجه الدعم على ارضه, وعلى الرغم من وجود مشكلة بين الحركات الاسلامية وبين الحكم, الا ان العراق شجع المعارضة السورية, وعلى الاخص حركة الاخوان المسلمين. ومنذ بدايات التقارب بين البلدين اخذ نشاط المعارضة العراقية في سوريا بالتراجع والتلاشي, حتى باتت لا تمارس الآن اي دور ضد بغداد, وكذلك الحال بالنسبة للمعارضة السورية في العراق. ومن العوامل المهمة في تحسين العلاقة بين سوريا والعراق احساسهما المشترك بالخطر التركي, فهناك تخوفات مشتركة نتيجة لاجواء التهديد التي تشيعها الالة العسكرية التركية, خاصة بعد انجاز التحالف الاستراتيجي العسكري بين تركيا واسرائيل, وهو التحالف الذي فسر من منطلقات عدة من ضمنها انه يسعى الى ادخال تغييرات جغرافية في الاقليم, والتي من ضمنها تقسيم العراق, وبالاضافة الى حرص العراق وسائر الدول العربية على وحدة الاراضي العراقية, الا ان سوريا لها مخاوفها من انحدار العراق لهاوية التقسيم نتيجة للفعل التركي, الامر الذي سينعكس سلبيا على سوريا التي ستكون المرشح الثاني لمثل هذه المخططات, الامر الذي يجعل من وحدة العراق ضرورة استراتيجية لسوريا, وعندما شنت تركيا عمليات عسكرية مكثفة على شمال العراق عام 1997, صرح خدام للصحافة العربية, بشكل يدل على مدى العناية التي توليها سوريا لهذا الاجراء العسكري: عندما يتعرض العراق لخطر, نحن لا يمكننا الا ان نعمل كل ما نستطيع لدفع هذا الخطر . وان كان خدام والمسئولون السوريون آثروا ان يتناولوا هذا الموضوع بشكل غير مباشر وبتصريحات تحمل الطابع الدبلوماسي, غير ان بشار الاسد صرح للصحافة خلال فترة اعداده لتولي مهام رئاسة الجمهورية, وبشكل صريح وواضح الموقف السوري من قضية التقسيم والاثار المترتبة على هذا المخطط ان تم, وذلك في مقابلة صحفية اجرتها معه (مجلة الوسط) (26/8/1999) وقال في هذا اللقاء: (واضح ان التدخلات الحالية في شئون العراق الداخلية تحمل بذور التقسيم, وهذا التقسيم لن يتوقف عند حدود العراق في حال حصوله بل سيتجاوزها وسيصعب التكهن بمداه, وهو ما يدخل المنطقة في دورة من التشرذم والاقتتال) . وتتهم كل من سوريا والعراق تركيا بحبس مياه الفرات بسبب بناء السدود من دون الاخذ في الاعتبار الاحتياجات المائية للدول التي يمر بها هذا النهر, وقد فوض العراق سوريا للتفاوض باسمه حول كمية المياه المسموحة له ولسوريا من حوض نهر الفرات الامر الذي تطلب معه تبادل الوفود والزيارات. غير ان السبب الابرز لانفتاح سوريا شرقا, والذي تركزت حوله التحليلات السياسية يتمثل في جمود عملية السلام السورية ـ الاسرائيلية, اضافة الى الموقف الامريكي من هذا المسار. فهناك خلافات اساسية حول مفهوم السلام وكيفية تحقيقه بين سوريا واسرائيل, الامر الذي يتطلب وفق وجهة النظر الامريكية والاسرائيلية ان تتجاوز سوريا الاقرار بان السلام هو خيار استراتيجي, وتحويل هذا الاقرار المبدئي الى واقع ملموس عن طريق اظهار مزيد من المرونة وتقديم تنازلات محددة حتى يتم التوصل الى حل مقبول بين الطرفين. وكان الرئيس الامريكي بيل كلينتون نصح الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد بعدم فرض شروط مسبقة لاستئناف المفاوضات, والتراجع عن المطالبة بترسيم الحدود النهائية العالقة في وقت واحد, ونتيجة لعدم تحقيق قمة جنيف الغايات المرجوة منها والتي عرض خلالها الرئيس الامريكي جملة المقترحات الاسرائيلية لاستئناف العملية السلمية السورية ـ الاسرائيلية فقد بدا واضحا ان الادارة الامريكية تحمل سوريا مسئولية وقف عملية التفاوض مع اسرائيل, نتيجة للتمسك السوري بضرورة الانسحاب الاسرائيلي الى الحدود الدولية لعام 1967. اما السوريون فهم مقرون بالالتزام بالسلام كخيار استراتيجي, وقاموا بالعديد من الخطوات والاجراءات التي تثبت صدق توجههم, ووافقوا بعد سلسلة من اللقاءات التفاوضية على عدد من المطالب الاسرائيلية خاصة المتعلق منها بالتطبيع والامن غير ان الاولوية الاولى عند السوريين هي استعادة كامل الاراضي السورية وبصورة غير منقوصة ووفقا لما نصت عليه واقرته القرارات الدولية, وهذا الموضوع بالنسبة للسوريين موقف ثابت غير خاضع للمساومة والمقايضة. اما الآن وبعد رحيل حافظ الاسد, فان غالبية التحليلات السياسية ترى ان القيادة السورية الجديدة سيستغرقها وقت غير قصير في التركيز على الشأن الداخلي وارساء دعائم الحكم قبل مواجهة الاسرائيليين, مع التنبيه الى ان هذه القيادة لن تستطيع ان تقبل اقل من تلك التي رفضها الاسد الاب في جنيف قبل اربعة اشهر. وقال وليام كوانت المسئول الاسبق عن ملف الشرق الاوسط في عهد جيمي كارتر تعليقا على وفاة الاسد: ستؤدي الوفاة الى تعزيز ميل رئيس وزراء اسرائيل باراك الى التركيز على المسار التفاوضي الفلسطيني, وبالفعل فاننا نشهد في ايامنا هذه تركيزا كاملا على المسار الفلسطيني في المفاوضات, وجمودا على المسار السوري, خاصة وانه لا يظهر في الافق حاليا بوادر حقيقية لان يغير السوريون موقفهم تجاه المطالبة العادلة, هو الامر الذي عبر عنه مؤخرا الدكتور بشار الاسد بكل وضوح, حين قال ان (سوريا مستعجلة لتحقيق السلام انه خيار استراتيجي لكننا غير مستعدين للتفريط بالارض ولا نقبل لسيادتنا ان تمس) . آخر التطورات بعد وفاة حافظ الاسد, سادت حالة من الترقب والتأهب لرصد مستقبل العلاقة السورية ـ العراقية, واحتمالات تحقيق مزيد من مظاهر التقارب بين البلدين, او عودتهما الى النقطة التي كانا عليها سابقا. وكان هذا الموضوع مضافا اليه المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية من اكثر المواضيع خطورة وحساسية لتبيان ملامح السياسة الخارجية السورية في المرحلة المقبلة. وما لبثت هذه العلاقة ان اتضحت فضاءاتها وتبينت معالمها, وهي معالم تسعى لتحقيق مزيد من التعاون وتوطيد العلاقة, وما كان استقبال الرئيس د. بشار الاسد لوزير الخارجية العراقي محمد سعيد الصحاف في شهر يونيو الماضي الا مؤشرا على تنامي العلاقات بين البلدين, واشارت مجلة الوطن العربي الى معلومات اسندتها لمصادر امريكية وثيقة الاطلاع على خفايا العلاقات السورية ـ العراقية. ان بعض الجهات الامريكية والغربية سارعت منذ لقاء الاسد مع الصحاف الى اعادة النظر في تحليلاتها للتطور المتزايد في علاقات البلدين. وكان الصحاف قبل لقائه الرئيس السوري التقى نظيره فاروق الشرع في دمشق, واجرى معه مباحثات مطولة, واكتفت المصادر الرسمية السورية بوصف اللقاءين بانه تم التباحث فيهما حول العلاقات الثنائية في جو من الود, فيما نقلت وكالة الانباء العراقية على لسان وزير الخارجية العراقي قوله: ان لسوريا دورا مهما في رفع الحظر المفروض على العراق, وانه عرض على الدكتور بشار الاسد ان تقوم سوريا بدور واضح في المطالبة برفع الحصار. وفي هذا الشهر عقدت اللجنة الاقتصادية السورية ـ العراقية عددا من الاجتماعات, وترأس الاجتماع وزير الاقتصاد السوري ووزير التجارة العراقي. ويعود آخر اجتماع للجنة المشتركة الى السبعينيات, حين شكل البلدان لجنة اقتصادية في اطار توجهاتهما الى تأسيس (ميثاق العمل المشترك) عام 1979, وفي الحادي عشر من هذا الشهر وصل الى حلب اول قطار عراقي من الموصل ايذانا بافتتاح الخط الحديدي الذي يربط سوريا بالعراق تنفيذا للاتفاق المبرم بين وزارتي النفط في البلدين. استنتاجات رئيسية يرى عدد من قادة الرأي والمحللين السياسيين ان اسباب الخلاف السوري ـ العراقي تعود الى قضايا عقائدية متعلقة بالمضمون الفكري لكلا البلدين, فيما يرى عدد آخر ان هناك قضايا استراتيجية في غاية الاهمية تفسر استمرار الخلاف, وتتمثل في وجود موقف دولي يمنع حدوث اي تقارب بين البلدين حفاظا على مصالحهما من اي خطر يهددها نتيجة هذا التقارب. محاولات فرض سلام على سوريا ضمن المفهوم والمصالح الاسرائيلية, والذي لا يراعي المصالح والسيادة السورية, اضطر الاخيرة للتوجه شرقا نحو العراق, في مناورة سياسية الهدف منها افشال محاولات الضغط على سوريا, خاصة بعد ان تم اخراج المشكلة اللبنانية من دائرة الصراع, وهي الورقة التي كانت تراهن عليها سوريا بشكل كبير في مفاوضاتها مع اسرائيل. على الرغم من عمق وكبر حجم الخلاف بين القطرين, والذي يرى فيه البعض انه اعمق بكثير من عوامل التقارب الجيوسياسية, الا ان المواطن السوري ومعه العراقي وصلا الى قناعة مشتركة ملخصها ان العلاقات الاقتصادية والاجتماعية هي الارضية الصالحة لنمو علاقات طبيعية بين القطرين, في الوقت الحاضر على الاقل, وانه من الافضل تأجيل البحث في القضايا السياسية التي شكلت مع الزمن تراكمات من الخلافات والتوتر بين البلدين. اذا ما اريد لهذا التقارب النجاح والاستمرارية, فمن الاهمية بمكان ان لا يكون تحالفا او محورا هدفه منافسة دول عربية اخرى, وعلى الاخص الدول العربية المجاورة, فمن شأن هذه السياسة ان كان هذا مقصودها, ان تكرس الاهداف السياسية الآنية على حساب المنفعة المتبادلة. هناك قناعة لدى المسئولين في كلا البلدين بوجود مخططات دولية تسعى الى الحيلولة دون تنامي مظاهر التقارب بينهما, الامر الذي يتطلب معه من الجانبين ان لا يكون تقاربهما ردا عابرا او تكتيكا الهدف منه تجاوز ازمة سياسية او ظرف ما, وانما ينبغي ان يكون توجها اصيلا يراعي حاجات ومصالح البلدين.