تعتبر كشمير وفق البعض السبب الرئيسي لسباق التسلح بين الهند وباكستان وجوهر التوتر في العلاقات بين البلدين منذ اكثر من واحد وخمسين عاما, وقد حدد هذا الصراع معالم السياسة الخارجية للبلدين. اهمية كشمير الاستراتيجية يحددها موقعها الجغرافي, اذ تحدها الصين وافغانستان وطاجيكستان والهند وباكستان, وقد وصفت بانها درة الهمالايا, ولذا كان ضمها قسرا للهند مدعاة للاستنكار عند الباكستانيين . وتفسر السلطات الباكستانية عملية الانضمام المذكورة بانها تمت بالقوة وعلى اساس النفاق والخداع, لكن الهند تعتبرها ترجمة حقيقية لانتخابات قامت بها هي. ونظرا لطبيعتها الخلابة التي تجمع بين الغابات والانهار والبحيرات والجبال فقد كانت في الماضي هدفا لاطماع القوى الخارجية ومنها الاستعمار البريطاني, ومع ظهور حركة الانفصال عام 1989 وتحولها الى مايشبه الحرب بين افرادها المسلمين والقوات الهندية تغير الشعار القديم المطالب بالانفصال عن الهند والانضمام الى باكستان, وحل محله شعار يدعو الى الاستقلال وقيام دولة كشمير الموحدة. ولكي تتصدى الهند لهذه الحركة ارسلت قوات عسكرية الى كشمير قدرت بنحو نصف مليون جندي الامر الذي خلق داخل كشمير جبهة مواجهة للتمركز العسكري الهندي المكثف فوق اراضيهم. ولذا فلابد لاي خطوة سواء للحوار او لاحلال السلام ان تأخذ بعين الاعتبار اقليات كشمير والتيارات المتناحرة مابينها بمن فيهم هندوس ومسلمون وبوذيون, وينبغي ايضا الاخذ بعين الاعتبار ان يسوى السلام او الحوار ليس فقط قضية من يحكم كشمير بل الفساد المنتشر في اوساط الحكومتين المحلية والمركزية ايضا. بداية توجد عقبتان رسميتان امام انطلاق اية محادثات حول كشمير: * اولهما اصرار الحكومة الهندية على ضرورة حصول هذه المحادثات في اطار (الدستور الهندي) وهو امر لا تقبله اية مجموعة داخل الاحزاب التي تشكل ائتلاف جبهة حريات .. كما لا تقبله باكستان. * ثانيهما: يتعلق بجبهة الاحزاب (حريات) فهي تؤكد على وجوب مشاركة باكستان في هذه المحادثات والتي تسيطر تقريبا على ثلث ولاية كشمير وتعتبر ان باقي الولاية من حقها, بينما تعتبر الهند كشمير جزءا لا يتجزأ من اتحادها وانها لن تتفاوض مع باكستان على السيادة عليها. العقبات الاكبر يمثلها تداخل السياسة والعقائد فالحكومة الهندية تخضع لسيطرة حزب (بهارتياجاناتا) الذي لا يمارس الا اقل قدر من التسامح مع المطالب الخاصة بالاقليات, وهو لا يشجع المحادثات, كما لا ينتظر منه سوى اتخاذ مواقف اقوى من اي نوع من الحكم الذاتي يمكن للكشميريين قبوله بدلا من الانفصال. اما حزب حريات فيتضمن اكثر من 20 مجموعة داخله والتي قد لا تتفق حول القواعد الاساسية مثل تلك التي تتعلق بمصير كشمير وهل ستستقل ام تصبح جزءا من باكستان وهل يجب ان تكون دينية ام علمانية. وبناء على كل هذه التداخلات يصبح من الصعب القول ان الشعب الكشميري يمكن ان يقبل (حلا مستوردا) . خيارات مستحيلة كثيرة ومتعددة هي المصادر التي تناولت احتمالات حل النزاع الكشميري وجميعها اجمعت على حصرها باربعة خيارات هي: * الاستقلال * التقسيم * الرقابة الاممية المؤقتة * واجراء الاستفتاء الشعبي. وترى الاوساط السياسية ان المشكلة لا تكمن في عدم وجود خيارات او مقترحات للحل وانما في افتقار الهند لارادة سياسية لحل الازمة بتطبيق هذه الخيارات, اضافة الى ان الامم المتحدة فشلت عدة مرات في عقد محادثات ثنائية نظرا لانعدام اتفاق بين الهند وباكستان. مشاكل عديدة تقف امام تطبيق هذه الخيارات وجميعها سببها العناد والتصلب بين الدولتين المتنازعتين على كشمير. طفا خيار الاستقلال على واجهة الاحداث, وفق مصادر كثيرة, منذ بدايات حركة المقاومة الحالية. ويستند هذا الخيار في فكرته على اعادة انشاء ولاية كشمير كما كانت عليه سنة 1947 دون ان تتبع الهند او باكستان. ويرى مناصرو هذا الرأي أن الشعب الكشميري يمتلك هوية ثقافية مستقلة رغم تنوع جغرافية كشمير واقتصادها وسكانها, حيث كان شعب كشمير يختلف دائما عن سكان شبه القارة الهندية, ولذا فهو جدير بأن تكون له دولة مستقلة رغم تنوع الديانات التي يعتنقها افراده. تعد جبهة تحرير جامو وكشمير من اهم الاحزاب التي تقف وراء هذا الخيار, تشاركها بعض المنظمات الصغيرة الاخرى, لكن هذا الخيار تواجهه مشاكل عديدة اهمها: * ان شعب جامو وكشمير اصبح مقسما بشكل واضح تبعا لمعتقداته الدينية الامر الذي يجعل من الصعب الاعتقاد بامكانية قيام علاقة آمنة متناغمة بين المسلمين والهندوس. * اذا ما ادرج خيار الاستقلال في الاستفتاء فانه سيؤدي الى انقسام اصوات المسلمين الانتخابية بين الموالين لباكستان وبين الذين يرغبون في الاستقلال وهذا سيمنح الموالين للهند فرصا اكبر. * تجمع الصين والهند وباكستان على ان وجود ولاية كشمير المستقلة بهذا الشكل سيكون سابقة سيئة في طريق بلقنة المناطق الاخرى التي تقطنها اقليات عرقية في هذه الدول مما سيؤدي الى ان تصبح هذه المناطق بؤرا لنشاط الدول الغربية ضد هذا المثلث. هذه العوامل التي تجعل خيار الاستقلال مرفوضا ومستحيلا, تقدم خيارا ثانيا وهو التقسيم الذي قدمت تصورات وسيناريوهات عديدة حوله فالهند تحبذ ان تقسم كشمير اعتمادا على خط المراقبة الحالي وهذا يعني ابقاء الوضع على ماهو عليه مع ادخال بعض التعديلات الطفيفة وهو امر ترفضه باكستان ويرفضه الكشميريون. هناك تصور آخر للتقسيم قدمته دول الغرب يستند الى التقسيم بناء على اللغة, وهذا يعني ان الناطقين باللغة الكشميرية, بضمنهم سكان الوادي المحتل, سيصبحون جزءا من باكستان, اما الناطقون بلغة البلتي والذين هم الآن ضمن الحدود الباكستانية فيلحقون بالهند. وقدم آخرون, وفق نفس المصادر, حلا يقضي بان ينشيء سكان الوادي المحتل وجامو وبعض مناطق كشمير الحرة وحدة تتمتع بالاستقلال الذاتي, اما الاجزاء الباقية الاخرى من كشمير فتدمج او تلحق بالهند او باكستان. وهناك من اقترح ايضا اشرافا هنديا ـ باكستانيا على كشمير الى جانب اعطاء الكشميريين سلطة حكم ذاتي في الشئون الداخلية. ويرى المراقبون ان هذه الخيارات تغفل الحقائق الميدانية, فتقسيم كشمير على الوضع الذي هي عليه الآن مستحيل ويرفضه الشعب الكشميري وقادة حركة المقاومة الحالية, اضافة الى ان مقدمي هذه الاقتراحات تجاهلوا (القطبية والتمركز) اللذين يعيشهما الشعب الكشميري طبقا لانتماءات عقدية, كما ان حركة المقاومة توالي باكستان ولن تقبل بأي حل غير عادل. حقيقة استحالة هذين الخيارين وفق ظرفيهما جعلت آخرين يطرحون وضع كشمير تحت وصاية اممية لمدة 5 ـ 10 سنوات ثم يجري بعدها استفتاء شعبي, وهذا الحل, وفق طارحيه, يحفظ ماء وجه الهند ويساعد على اعتماد سياسة (الخطوة خطوة) لحل النزاع. عقبات هذا الحل كثيرة منها انه سيطيل امد محنة الكشميريين دون ان يحل المشكلة كما انه سيؤدي الى رعاية المصالح الغربية, عوضا عن حفظ مصالح الشعب الكشميري استنادا الى ان الامم المتحدة اضحت وسيلة لحماية مصالح قوى الغرب, وهو ما بدا واضحا في التدخل الاممي في البوسنة والصومال. وعدا عن ذلك فان الهند لن توافق على اي مقترح اممي وهي طالما رفضته معدة كشمير جزءا منها وان اي حل لابد ان يتم وفقا لدستور الهند. ويبقى الخيار الاخير المطروح منذ 1947 هو خيار الاستفتاء الذي ورد في قرارات الامم المتحدة الصادر بتاريخ 21/4/1948 عن مجلس الامن والذي تضمن سحبا لجميع القوات, واجراء استفتاء ثم تعيين حكومة انتقالية في كشمير. كان مجلس الامن واضحا في طلبه جعل كشمير منطقة منزوعة السلاح الى جانب السماح للهند بالاحتفاظ بجزء بسيط من آلتها العسكرية لغرض الاشراف على سير الامور الادارية, لكن باكستان تريد انسحابا كاملا لجميع قوات الطرفين, كما تريد حضورا امميا كاملا من حيث اجراء الاستفتاء وتنظيمه والاشراف عليه وهو امر رفضته الهند تماما. ولعل في تقرير الوسيط الدولي السير اوين ديكسون بتاريخ 15/9/1950 الى مجلس الامن ما يؤكد صعوبة ذلك اذ يقول: (لقد اقتنعت في نهاية الامر بان الهند لن توافق ابدا على ان تكون كشمير منزوعة السلاح باية صفة كانت, او ان تشرف على الاستفتاء اشرافا مباشرا بشكل يضمن عدم ممارسة الاكراه او اية ضغوط اخرى من شأنها التأثير على حرية وعدالة الاستفتاء) . تطبيع وتسوية يثار تساؤل في كل مرة تطرح قضية كشمير على المحك الدولي وهو : هل هناك وسيلة لتطبيع العلاقات في المستقبل بين الهند وباكستان؟ ترى الاوساط السياسية ان الطرق لاعادة العلاقات بين البلدين معروفة وهي تتكون من امرين اساسيين فقد اعترفت انديرا غاندي رئيسة وزراء الهند في عام 1972 بحق شعب كشمير في تقرير مصيره. اما الامر الاول فهو ان تكون الاتفاقات بين الدول طبقا لمبادىء الامم المتحدة بشأن مشكلة كشمير وغيرها من القضايا, والامر الثاني فهو ان تتم اتفاقات ثنائية بين الطرفين دون وساطة الدول العظمى حيث ان وساطة الدول العظمى حسب التجربة الباكستانية على مدى نصف قرن ويزيد لا تراعي مسألة الوئام بين دولتين بقدر ما تراعي مسألة فرق القوة بينهما. والحقيقة ان كثيرا من الباحثين والمراقبين يعتقد بان قضية كشمير لم تعرف حلا الى الآن لعدم توفر (معادلة جديدة وبارعة) كل هذا الصراع والواقع ان الذي لم يتحقق حتى الآن هو الموافقة الهندية على الحلول المطروحة. فالهند من منطلق شعورها بالقوة لا ترى ان هناك حاجة لحل الصراع اصلا, وهكذا فان اصحاب هذا الرأي يرون ان ارتفاع خسائر الهند في كشمير بما فيها المالية والعسكرية هو الذي يمكن ان يجعل الهند تجلس الى طاولة المفاوضات بلا شروطها السابقة. وتذكر المصادر ان العقبات التي تعترض حل قضية كشمير هي التصلب الهندي, انعدام الوحدة بين صفوف المقاومة الكشميرية, غياب سياسة باكستانية واضحة تجاه القضية, والمحيط العدائي الدولي. ومثلما افدنا فان التصلب الهندي لا يمكن كسره الا اذا تكبدت الهند خسائر هائلة جراء احتلالها لكشمير على عدة اصعدة ثنائية واقليمية ودولية ومحلية, ويرى المراقبون ان على باكستان ان تستدرك ما فاتها وتستثمر الظروف التي تقدم لها الآن فرصة تاريخية في حل النزاع خاصة بعد ان وقعت الهند مع اسرائيل شراكة استراتيجية الامر الذي قد يدفع الدول العربية لدعم باكستان في مطالبتها بكشمير. ويذهب بعض المراقبين الى ابعد من ذلك منهم من يرى ان باكستان يجب ان لاتنتظر حلا يقدم لها في مفاوضات او حوار فالهند لن تحيد عن موقفها المعلن تجاه كشمير لذا فيجب على باكستان استثمار تفوقها النووي والمساومة في هذا الامر, وقد اكدت تقارير امريكية كثيرة تفوق باكستان على الهند نوويا. اما فيما يتعلق بالمقاومة الكشميرية فيرى المراقبون انه يتوجب ان يجد المقاومون قاسما مشتركا يتمثل في التخلص من هيمنة الاستعمار الهندي. وفي الواقع ان قادة هذه التنظيمات لم يدركوا حتى الآن ان الهنود يغذون الخلافات بينهم على الطريقة الانجليزية المعروفة (فرق تسد) وهي سياسة تضعف الجماعة امام القوة الهندية الجاثمة على انفاس الكشميريين. ويقترح البعض ان تعمد باكستان الى اقناع الدول الاسلامية بفرض عقوبات تجارية ضد الهند الامر الذي يجعلها تنشغل بنفسها عن تفريق الجماعة المقاومة, كما يقترحون ان تصوغ باكستان استراتيجيات تؤدي الى اضفاء الصبغة الدولية على قضية كشمير في كل المحافل الدولية. وهذا الضغط المطروح على الهند هو الذي سيكون عنصرا فعالا في زيادة تكاليف الاحتلال الهندي, وهم يستندون الى الرأي القائل زيادة فداحة خسائر الهند يدفع بالهند الى الهروب من كشمير مثلما هربت فلول اسرائيل من جنوب لبنان. اما الحل الذي تطرحه الولايات المتحدة ودول الغرب فيستند الى ما تسميه امريكا بالخطوة الحيوية وتستند الى جمع الاطراف الثلاثة الهند, باكستان, وكشمير, على طاولة امريكية لضمان شرعية الحل الذي يطرح تجميد مسألة استقلال كشمير لخمس سنوات بشكل يشبه ما حدث بين روسيا والشيشان ايام حكم يلتسين. وشروط هذا الحل تتضمن وقفا فوريا لاطلاق النار يمكن ان يكون خاضعا لرقابة من قبل القوات العاملة في كشمير, كما تتضمن وضع خط السيطرة (وهو الخط الفاصل بين الثلث الباكستاني والثلثين الهندي من كشمير) لادارة مدنية. وعندما تهدأ الامور يمكن فتح هذا الخط فيستطيع الكشميريون العبور بين قسمي كشمير الهندي والباكستاني دون خوف. ويطرح الحل الامريكي تفعيل كل الاطراف لتطبيقه بضمنهم المسلمون المسلحون الذين سينزع منهم السلاح وسيشكلون جبهة سياسية موحدة تطرح الاحقاد الشخصية والرغائب الخاصة جانبا وتمارس دورا واضحا في ادارة الولاية واعادتها الى الساحة الدولية كمنطقة من اجمل المناطق السياحية في العالم. وفي اثناء هذه الفترة التي سيتم تجميد الوضع فيها في كشمير يمكن للهند وباكستان الدخول في مفاوضات تهدف لخلق حالة استقرار لتطوير الوضع: الاقتصادي, التعليمي, الاعمال, والسياحة, وهذه ستجعل الاطراف المتنازعة تنهي تناحرها وتوقف حمامات الدم. ويحذر هذا الحل الامريكي من ثلاثة امور: * التأثير الاصولي المتشدد سواء من الهندوس ام من المسلمين المتعصبين, اذ يجب ان لا يتم تشجيعهم على ذلك تهيئة لمفاوضات هادفة حول مستقبل كشمير. * لا يجب ان تترك المهمة على عاتق السياسيين فقط, بل يجب ان تتحملها كل القطاعات عبر كشمير شرقا وغربا بما فيها الجماهير التي قد تعطى دورا صغيرا, لكن الدور الاكبر سيقوم به اضافة للسياسيين رجال الاعمال والاكاديميون. * واخيرا على كل الاطراف ان تدرك ان حقوق الانسان تنتهك هناك وهي متجذرة بفعل الثارات التي تنميها الاطراف المغذية للصراعات ولن يكون هناك استقرار مالم ينتهي انتهاك حقوق الانسان ويحاكم المسئولون عن هذه الانتهاكات. وترى الولايات المتحدة ان على الهند وباكستان ان تبدأ هذه العملية تلقائيا على ان تراقب واشنطن الوضع في كشمير دون ان تتدخل فيه, والواقع يؤكد ان الولايات المتحدة تمارس ضغوطا هنا وهناك لانهاء الصراع في هذا الاقليم المشتعل, لكي تتم مخططاتها الاستراتيجية في هدوء بالجنوب الآسيوي دون خوف من احتمالات قيام حرب نووية لا تريدها امريكا الآن.